Top
Image Alt

الشروط المتفق عليها في القاضي عند جمهور العلماء

  /  الشروط المتفق عليها في القاضي عند جمهور العلماء

الشروط المتفق عليها في القاضي عند جمهور العلماء

أما الشروط المتفق عليها في القاضي عند جمهور العلماء، وهي موجودة عندهم جميعًا، فهي على النحو الآتي:

الشرط الأول: الإسلام؛ لأن القضاء ولاية، ولا يجوز أن يكون لغير المؤمن ولاية على المؤمن، غير أن الحنفية أجازوا ولاية الكافر في القضاء على أهل دينه.

الشرط الثاني: البلوغ، فلا تجوز تولية الصبي حتى وإن كان مميزًا؛ لأنه غير مكلف، ولا تنعقد ولايته؛ لأنه لا يجوز لهذا الصبي -وإن كان مميزًا- أن يتولى أمر نفسه، فتوليته أمر غيره لا يجوز من باب أولى، والقضاء نوع من أنواع الولاية، فهو ولاية من الولايات العامة، صحيح لا يصل إلى درجة الولاية العامة الكبيرة العظمى، كالخلافة أو الإمارة، ولكنه من الولايات العامة أيضًا؛ لأنه يقضي بين الناس.

وقد ورد أيضًا في الأثر التحذيرُ من شرور ولاية الصبيان، فورد أنه صلى الله عليه وسلم أشار إلى خطورة وصول الإنسان إلى سن السبعين، وحذَّر من شرور ولاية الصبيان، وأنهم إذا تولوا الأمر أفسدوه، وهم معذورون في هذا، والمحاسب على هذا مَن ولاهم، فلا بد أن يكون القاضي مكلفًا بالغًا.

الشرط الثالث: العقل، فلا تجوز تولية القضاء للمجنون، ولا المعتوه، ولا السفيه، ولا مختلّ العقل؛ لأنهم جميعًا لا يُؤمن معهم الظلم؛ لأنهم غير مكلفين. والمراد بالعقل هنا ليس مجرد العقل الذي يوجب التكليف، لا؛ بل المراد بالعقل أن يكون فَطِنًا ذكيًّا ألمعيًّا، صاحب فراسة، وكثير من القُضاة اشتهروا بالألمعية والفطنة الشديدة، وبعضهم رُويت عنه قصص وحكايات لطيفة، تدل في مجملها على أنه ينبغي أن يكون القاضي فطنًا لبيبًا؛ لأن القاضي يحكم بين الناس، والناس فيهم الدهاة والماكرون، وفيهم من يتلاعبون بالحق فيحولونه إلى باطل، ومن يتلاعبون بالباطل فيحولونه إلى حق، فعلى القاضي أن يكون ذكيًّا لبيبًا فطنًا، عارفًا بثقافة عصره وألاعيب الناس ودهائهم؛ ليكشف الحق من الباطل، وهو من المتفق عليه أن يكون مسلمًا, وأن يكون بالغًا، وأن يكون عاقلًا بمعنى الفطنة والذكاء.

الشرط الرابع: أن يكون حُرًّا، أي: لا يكون عبدًا أيام أن كان هناك رق؛ لأن القضاء نوع من أهم أنواع الولايات العامة، والعبيد لا تجوز ولايتهم، ولا يجوز أن يكونوا أولياء أمر غيرهم؛ لأنهم هم أنفسهم يحتاجون إلى ولاية غيرهم عليهم، وهو السيد أو الولي له، فولايته على غيره لا تجوز من باب أولى.

وأيضًا بالإضافة إلى هذا النقص الكبير فيه، فهو مشغول بخدمة سيده، فسيده يحتاجه في جميع الأوقات؛ ولذلك خفف الشرع عن العبيد بعض الأحكام كحضور الجمعة مثلًا؛ لأنه مشغول بخدمة سيده، ولا شك أن الرق ضعف بل ضعف شديد، فلا يجوز أن يكون القاضي رقيقًا أو عبدًا؛ لأن ولايته لا تجوز، بل هو يحتاج إلى مَن يتولى أمره, ولأنه مشغول بخدمة سيده.

وقد نازع في ذلك ابن حزم, مستدلًّا بحديث أبي ذر رضي الله عنه الذي يقول فيه: ((أوصاني خليلي -أي: رسول الله صلى الله عليه وسلم – أن أسمع وأطيع, وإن كان عبدًا مجدَّعَ الأطراف))، ومعنى الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه بالسمع والطاعة لأصحاب الولايات، ومنهم القاضي، حتى وإن كان عبدًا مجدع الأطراف، أي: لو كان فيه كل هذا النقص ما دام قد تولى الأمر، فعلينا أن نسمع له وأن نطيعه. وجاء في بعض الروايات: ((السمع والطاعة, وإن كان عبدًا حبشيًّا))، وورد أنه إن كان رأسه كالزبيبة، أي: إمعانًا في الرق, حتى في هذه الأحوال يجب طاعته، واستدل الإمام ابن حزم بهذا الحديث على أن ولاية العبد تجوز، سواء كانت في القضاء أو فيما هو أعلى من القضاء.

 والحقيقة أن ما ذهب إليه ابن حزم هو بسبب ظاهريته، وهو يأخذ بظاهر النصوص ويقف عندها، ولا يبحث عن علة أو مصلحة أو مناط، ونحن لو تأملنا لوجدنا أن كلام النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ((السمع والطاعة)) وإن كان كذا، وإن كان كذا، الغرض منه المبالغة في هذه الطاعة، وليس المراد حقيقة أنه عبد أو أنه مجدع الأطراف؛ لأن مثل هذا لا يصلح للولاية، فكيف يُختار لها أو للقضاء؟! فالنبي صلى الله عليه وسلم يقصد شدة في السمع وشدة في الطاعة، وعدم الخروج على مَن ولَّاهم الله أمرنا، فهذا أدعى إلى النظام واستتباب الأمن.

لذلك فإن ما استدل به ابن حزم -مع احترامنا له، وتفهّمنا لاستدلاله- لا يصلح، وأن الناس أيضًا إنما يسمعون ممن كان في مستواهم، أو ممن كان فوقهم، وأما العبيد فلا يولون القضاء.

error: النص محمي !!