Top
Image Alt

الشروط الواجب توافرها فيما يصاغ منه أفعل التفضيل

  /  الشروط الواجب توافرها فيما يصاغ منه أفعل التفضيل

الشروط الواجب توافرها فيما يصاغ منه أفعل التفضيل

الشرط الأول: أن يكون الوصف المراد باسم التفضيل الدلالة على زيادة الموصوف به عن غيره، أن يكون هذا الوصف له فعل، فلا يجوز بناؤه من وصف لا فعل له، ومن ثم حَكَمَ الصرفيون بالشذوذ على قولهم: “هو أَحْنَكُ البعيرَيْنِ”، “أحنك البعيرين” لبنائه من الحنك، والحنك اسم عين، ومعنى هو أحنك البعيرين، هو آكلهما -أي: أشدهما أكلًا- ذكر ابن مالك أن شذوذ هذا المسموع لا يرجع إلى اشتقاقه من الحنك -كما قال بعض العلماء- وإنما يرجع إلى كون فعله غير ثلاثي؛ إذ هو عنده مأخوذ من قولهم: احتنك الجراد ما على الأرض، أي: أكله، ذكر ذلك في (شرح التسهيل)، أما المثل المشهور، وهو قولهم: هو ألصّ من شِظَاظ، وقد حَكَمَ عليه بعض العلماء بالشذوذ؛ لبنائه من قولهم: هو لصّ، واللص هو السارق وشظاظ هذا -بكسر الشين، وبظائين معجمات، أي: شين معجمة والظاءان معجمان- هو اسم لص معروف في بني ضبع، ذكروا أن اسم التفضيل في القول المذكور شاذٌّ؛ لكون الصفة -وهي اللصوصية- لا فعل لها.

كما حكم بعضهم على قولهم: “هو أقمن به” -أي: أحق- بالشذوذ، قالوا: لكونه مبنيًّا من قولهم: هو قمن -أي: حقيق- لكن ابن القطاعي في كتاب “الأفعال” الجزء الثالث الصفحة الرابعة والأربعين بعد المائة قال: لَصَصْتُ الشيءَ لصًّا: فعلته في ستر، ومنه اللص، وفي المعاجم: “قَمِنَ بكذا قَمَنًا من باب فرح، جَدُرَ به، وَخَلْق، وَقمن به قمانة فهو قمن، أي جدير خليق، وعلى ذلك فلا شذوذ في قولهم: هو ألص من شظاظ؛ لأن اسم التفضيل مأخوذ من صفة لا فعل، ولا شذوذ في قولهم: هو أقمن بكذا؛ لأن اسم التفضيل مصوغ من وصف له فعل أيضًا، فالشرط محقق.

الشرط الثاني: أن يكون الفعل ثلاثيًا مجردًا، فلا يُصاغ اسم التفضيل مما زاد على ثلاثة أحرف؛ حتى لا يُحْذَفَ منه شيء إذا صيغ على “أفعل” فتنهدَّ بنية الكلمة المصوغ منها، وتلتبس المباني بعضها ببعض، فلو بنيت -مثلًا- من انطلق، فقلت: أطلق من كذا، لحذفت الزيادة التي أتي بها لمعنى مقصود، ولو بنيت من “دحرج” فقلت: أدحر من كذا. لم يُعلم أنه من مادة الدحرجة، وهكذا.

ومن ثم حكم الصرفيون بالشذوذ على القول المنسوب إلى عمر رضي الله  عنه: “إن أهم أموركم عندي الصلاة، فمن حفظها وحافظ عليها حفظ دينه، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع”. تأمل في الفعل الذي صيغ منه اسم التفضيل، بَنَى اسم التفضيل “أضيع” هذا من “ضيَّع” و”ضيَّع” ثلاثيٌّ مزيد بتضعيف العين، قال ابن مالك في (شرح التسهيل) بعد إيراده هذه العبارة: فأوقع “أضيع” موقع أشد.

ومن المحكوم بشذوذه أيضًا قولهم: هذا الكلام أخصر من غيره. بنوه من الفعل “اختصر” ففيه شذوذان؛ كونه مبنيا للمجهول، وكونه زائدًا على ثلاثة، والآن نتناول خلافٍ حدث في صوغ اسم التفضيل من الفعل الذي على وزن “أفعل”، وهذا الخلاف تضمَّن ثلاثة مذاهب:

المذهب الأول: -وهو مذهب سيبويه والمحققين، واختاره ابن مالك وغيره- وهو الجواز مطلقًا بأن قالوا: يجوز صوغ اسم التفضيل من مصدر الفعل الذي على وزن “أفعل” مطلقًا، وأرادوا بالإطلاق أي: سواء أكانت همزة الفعل للنقل أي للتعدية أم لغير النقل- فمثال ما كانت الهمزة فيه للنقل -أي: للتعدية- قولهم: هو أعطاهم للدراهم، وأولاهم للمعروف، ومثال -ما كانت الهمزة فيه لغير التعدية قولهم-: هذا المكان أقفر من غيره، يقال: أقفر المكان -أي: خلا- وقولهم: هذا المكان أشجر من هذا. يقال: أشجر المكان -أي: صار ذا شجر- كل ذلك جائز عند سيبويه والمحققين ومن وافقهم.

المذهب الثاني: يمتنع مطلقًا -أي: سواء أكانت همزة الفعل الذي على وزن “أفعل” للتعدية أم لغير التعدية، هذا ممتنع مطلقًا اللهم إلا أن يشذ منه شيء فيحفظ ولا يقاس عليه؛ وهو مذهب المازني والأخفش والمبرد وابن السَّرَّاج والفارسي ومن وافقهم من العلماء.

المذهب الثالث: فَصَّلَ الْأَمْر، فقال: يجوز ذلك إن كانت الهمزة لغير النقل -أي: لغير التعدية- ويمتنع إن كانت الهمزة للنقل؛ وهو مذهب ابن عصفور، ولم يذكر مسوغ هذه التفرقة.

ولذلك رأينا هذا المذهب قد ضعفه الإمام الشاطبي وغيره بأن هذه التفرقة لم يقل بها أحد، ولا ذهب إليها نحويٌّ، وأرجح المذاهب من الثلاثة مذاهب السابقة مذهب سيبويه والمحققين؛ لكثرة الوارد من ذلك عن العرب، ولاستحقاق الفعل الذي على وزن “أَفْعَلَ” مساواة الثلاثي في هذا الاستعمال دون غيره من أمثلة المزيد فيه؛ لماذا؟ لشبهه به لفظًا، فكل ما يحدث من تغيير أن همزة التفضيل في أسلوب التفضيل تأتي خلفًا لهمزة الإفعال، كما أن مضارع هذا الفعل “أفعل” واسم فاعله واسم زمانه واسم مكانه كالثلاثي في عدَّة الحروف، والحركات، والسكون وفوق هذه الموافقات اللفظية لهذا الفعل المزيد بالهمزة بالفعل الثلاثي المجرد، نجده أيضًا يأتي موافقًا له في المعنى في كثير من الأفعال، مثل: “سرى” و”أسرى” هو بمعنى سرى، و”طلع” على القوم و”أطلع” بمعنى “طلع” أيضًا -أي: أشرف- وعَتَمَ الليل، وأعتمه، الفعلان بمعنى واحد، أي: أظلمه، وعَكَل الأمر وأَعْكَله، أي: أشكله، الفعلان بمعنى واحد، و”غطش” الليل وأغطشه، أي: أظلمه، غطش، وأغطش بمعنى واحد، و”عدم” الشيء وأعدمه، الفعلان بمعنى واحد -أي: فقده- وَخَلُقَ الثوب وأخلقه، الفعلان بمعنى واحد، ومعناهما “بلي” و”بطأ” و”أبطأ” وكثير من ذلك.

ونلحظ أن هذه الأفعال موافقة فيها وفي المعنى؛ سواء أكانت على وزن “فَعَلَ” مثل: “طلع وأطلع”، أم كانت على وزن “فَعِلَ” مثل: “غطش” و”أغطش”، أم كانت على وزن “فعل” مثل “خلق” و”أخلق”، ولكون “أفعل” مختصًّا من بين الأفعال المغايرة للثلاثي بمشابهته لفظًا وموافقته معنًى، أجرى سيبويه مجراه.

ويذكر عبد القادر البغدادي -في (خزانة الأدب) أن حسان بن ثابت لما هجا أبا سفيان؛ لهجائه النبي صلى الله عليه  وسلم قبل إسلامه، لما هجاه بحسان بقصيدة همزية، لما انتهى فيها إلى قوله:

أتهجوه ولست له بكفءٍ

*فشركما لخيركما الفداءُ

قال من حضر هذا: أنصف بيت قالته العرب. تأملوا أسلوب التفضيل هذا. “هذا أنصف بيت قالته العرب” اسم التفضيل في هذه العبارة هو قولهم: أنصف مأخوذ من الإنصاف، وفعله: أَنْصَفَ، وهذا يؤيد ما ذهب إليه سيبويه والمحققون.

الشرط الثالث: أن يكون الفعل متصرفًا؛ لأن بناء “أفعل” من الفعل إنما هو ضرب من ضروب التصرف، والتصرف فيما لا يتصرف نقض لوضعه على الجمود، ولذلك لا يُصَاغُ اسم التفضيل من الجامد كـ”نعم وبئس” ولا من المتصرف تصرفًا ناقصًا كـ”يذر ويدع”.

الشرط الرابع: أن يكون معناه -أي معنى الفعل الذي سيصاغ اسم التفضيل من مصدره-: أن يكون معناه قابلًا للتفاضل في الصفات الإضافية التي تختلف بها أحوال الناس، أما ما لا يقبل التفاضل، ولا تتفاوت فيه أحوال الناس، وإنما يشترك فيه الجميع كـ”الموت والفناء” فلا يصاغ منه اسم التفضيل، فلا يبنى من نحو فني ومات؛ لأنه لا مزية فيه لأحد على غيره حتى يفضل عليه فيه، ولا يبنى كذلك من نحو “غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَطَلَعَتْ فإنه لا يقال: الشمس اليوم أغرب منها أمسِ، أو الشمس اليوم أطلع منها أمسِ؛ لأنه لا مزية للأيام؛ بعضها على بعض في غروب الشمس أو طلوعها.

الشرط الخامس: أن يكون الفعل تامًّا فلا يبنى اسم التفضيل من نحو: كان وصار، وقال -(الرضي في شرح الكافية): فإنه لا يُقَالُ: “أكون وأصير” كما قيل، ولعل ذلك لكون مدلول الناقصة الزمان دون الحدث كما توهم بعضهم، والأفعل موضوع للتفضيل في الحدث وعبارة “كما توهم بعضهم توحي هذه العبارة هذه العبارة لعدم رضا هذا العَلَمِ عن منع اسم التفضيل من نحو “كان وصار”؛ لأنهما يدلان على الحدث في رأيه، فشأنهما شأن سائر الأفعال.

الشرط السادس: أن يكون الفعل مثبتًا، فلا يبنى اسم التفضيل من فعل منفي؛ سواء أكان ملازمًا للنفي، وذلك نحو “ما عَاج” فلانٌ بالدواء، أي: ما انتفع به، وما عاج بقوله -أي: لم يكترث له- وما “عاج” بالشيء أي: ما رضي به، قال اللغويون: أكثر ما يستعمل هذا الفعل في النفي، مع ملاحظة أن مضارع هذا الفعل “يعيج” مثل: “باع يبيع” وهو أجوف يائي، وأما “عاج يعوج” بمعنى “مال يميل” فإن العرب استعملته مثبتًا ومنفيًّا، فلا غبار في صوغ اسم التفضيل منه، ومثل “ما عاج فلان بالدواء قولهم: ما نبس فلان بكلمة” وما نبس ببنت شفة -أي: ما تحركت شفتاه بشيء- وهو كسابقه “عاج يعيج” أكثر ما يستعمل في النفي أيضًا، أم كان الفعل غير ملازم للنفي؛ سواء أكان الفعل ملازمًا للنفي كالفعلين السابقين، أم كان الفعل غير ملازم للنفي، فلا يُبْنَى اسم التفضيل أيضًا من نحو قولهم: ما قام زيد، وما عاج فلان عن الحق -أي: ما مال عنه، فلا يقال: زيد أقوم من غيره، ولا أعوج من غيره؛ لئلا يلتبس المنفي بالمثبت.

الشرط السابع: أن يكون الفعل مبنيًّا للمعلوم، فلا يبنى اسم التفضيل من فعل مبني للمجهول؛ سواء أكان بناؤه للمجهول بطريق التحويل من البناء للمعلوم وذلك نحو: ضُرِبَ زيد، أم كان مبنيًّا للمجهول في أصل وضعه، وذلك كالأفعال التي وردت عن العرب ملازمة لصيغة البناء للمجهول، من أمثلتها: “جن وصرع”؛ قالوا: وإنما مَنَعْنَا صَوْغَ اسم التفضيل من الفعل المبني للمجهول؛ لئلا يلتبس بالمبني من الفعل المبني للمعلوم فتختلط المعاني، وأجاز ابن مالك بناءه من المبني للمجهول -إن أُمِنَ الالتباس بفعل الفاعل، وذلك نحو هو أجن من فلان؛ لكثرة ما ورد منه مسموعًا، مثل قولهم: أزهى من ديك، قال بعضهم: هو مخالف للقياس؛ لصوغه من فعل ملازم للبناء للمجهول، وهو “زُهِيَ” إلا أن ابن دريد اللغوي حكى في الجمهرة “زَهَى يَزْهُو” أي تكبر، وعليه يكون قولهم: “أزهى من ديك” فصيحًا قياسًا واستعمالًا.

وقد استشهد ابن مالك على كثرة ما ورد مسموعًا عن العرب من صوغ اسم التفضيل من الفعل المبني للمجهول عند أمن اللبس بفعل الفاعل ومما ورد مسموعًا وفعله مبني للمجهول قولهم أيضًا: “هو أشغل من ذات النِّحْيَين” بنوه من “شُغل” بالبناء للمفعول و”النحيين” تثنية نِحْي بكسر النون وسكون الحاء وهو زِقُّ السمن و”ذات النحيين” امرأة من بني تيم الله بن ثعلبة كانت تبيع السمن في الجاهلية فأتى خوات بن جبير الأنصاري قبل إسلامه فشغلها ونال منها ثم أسلم رضي الله  عنه وشهد بدرًا وسُمع أيضًا: أشهر من غيره وأعذر وألوم وأعرف وأنكر وأخوف وأرجى وأفعالها مبنية للمجهول كذلك وهي: شُهر وعذر وليم وعُرف ونكر وخيف ورجُي أما قولهم: “هو أعنى بحاجتك” وقد قال بعضهم: هو مصوغ من فعل ملازم للبناء للمجهول من قولهم: عني بحاجته فقد جاء في (مختار الصحاح): “وعنى بقوله: كذا أي: أراد يعني عناية” إذن: قولهم: هو أعنى بحاجتك فصيح قياسًا واستعمالًا؛ لصوغه من فعل مبني للمعلوم.

والخلاصة: أن ما ذهب إليه ابن مالك من جواز بناء اسم التفضيل من الفعل المبني للمجهول عند أمن اللبس هو الراجح بل إن كثرة المسموع الوارد عن العرب تجعله قياسًا مطردًا فلا عجب أن قال ابن مالك: “وعندي أن صوغ فعل التعجب وأفعل التفضيل من فعل المفعول الثلاثي الذي لا يلبَس بفعل الفاعل لا يقتصر فيه على المسموع بل يحكم باطراده؛ لعدم الضائر وكثرة النظائر”.

الشرط الثامن: ألا يكون الفعل الذي سيبنى منه اسم التفضيل من الأفعال التي بناء الوصف منها للمذكر على وزن “أفعل” وللمؤنث على وزن “فعلاء” وذلك في الأفعال الدالة على لون أو حسن أو عيب ظاهريين -بالنسبة للحسن والعيب- كالسواد والبياض والحمرة والشَّهَل وهو: اختلاط لوني العينين والظَّما وهو: سمرة الشفة وذبولها واللَّما وهو: السمرة والشهل والظما واللما من المحاسن وكالبرص والحول والعمى الصفات منها جميعها صفات مشبهة وهي أسود سوداء -أفعل فعلاء- وأبيض بيضاء وأحمر حمراء وأشهل شهلاء وأظما ظمياء وألمى لمياء وأبرص برصاء وأحول حولاء وأعمى عمياء.

فلما كانت هذه الأفعال الدالة على الألوان أو المحاسن أو العيوب الظاهرية يأتي منها الوصف لمذكر على وزن “أفعل” خيف التباسه بـ”أفعل” في التفضيل فامتنع صوغ اسم التفضيل منه هذا مذهب البصريين؛ ولذلك لحَّن بعضهم المتنبي في قوله يخاطب الشيب:

ابْعِد بَعِدتَ بَياضًا لا بَياضَ لَهُ

*لَأَنتَ أَسوَدُ في عَيني مِنَ الظُلَمِ

“لأنت أسود” قالوا: هذا لحن؛ لصوغه اسم التفضيل من السواد بيد أن بعض العلماء أخرج بيت المتنبي من دائرة اللحن وذلك بإخراجه من باب التفضيل كابن هشام في (مغني اللبيب) الجزء الثاني الصفحة الثالثة والأربعين بعد الخمسمائة الذي قال: قول بعضهم: إن “من” في البيت متعلقة بأسود أي: في قوله: “لأنت أسود في عيني من الظلم” قول بعضهم: إن “من” في البيت متعلقة بأسود يقتضي كونه اسم تفضيل وذلك ممتنع في الألوان أي: كما هو مذهب البصريين والصحيح: أن “من الظلم” صفة لـ”أسود” أي: أسود كائن من جملة الظلم وكذا قوله -والكلام ما زال لابن هشام- وكذا قوله -أي: قول المتنبي أيضًا-:

يَلقاكَ مُرتَدِيًا بِأَحمَرَ مِن دَمٍ

*ذَهَبَت بِخُضرَتِهِ الطُلى وَالأَكبُدُ

أي: يلقاك هذا الممدوح بسيف أحمر وقد ذهبت بلونه دماء الأعناق والأكباد التي بترها قال ابن هشام: “من دم” إما تعليل أي: من أجل التباسه بالدم أو صفة كأن السيف لكثرة التباسه بالدم صار دما وكل هذا من أجل أن يرفع اللحن عن بيتي المتنبي بناءً على مذهب البصريين.

أما الكوفيون فقد أجازوا بناء اسم التفضيل من لفظي السواد والبياض؛ لأنهما -كما قالوا- أصلان للألوان ومن ذلك قول طرفة بن العبد:

إِذَا الرِّجَالُ شَتَوا وَاشْتَدَّ أكْلُهُم

*فَأَنْتَ أَبْيَضُهم سِرْبَال طَبَّاخ

وأنشدوا أيضًا أي: الكوفيون قول رؤبة بن العجاج:

جارِيَةٌ في دَرْعِها الفَضْفاضِ

*أَبَيْضُ مِنْ أُخْتِ بَنِي إِباضِ

كما أنشدوا بيت المتنبي السابق وفيه: “لأنت أسود في عيني من الظلم” وقد حمل البصريون هذه الشواهد على الضرورة أو الشذوذ أو التأويل بالصفة المشبهة كما مر في بيت المتنبي في تخريج ابن هشام إياه.

هذه هي الشروط الثمانية الواجب توافرها فيما يصاغ منه اسم التفضيل وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذه الشروط عينها هي التي شرطها العلماء فيما يصاغ منه “أفعل” في التعجب؛ ذلك لأن التعجب والتفضيل يجريان من مجرى واحد في أمور كثيرة ويتساويان وزنًا ومعنًى وإن كان “أفعل” في التعجب فعلًا و”أفعل” في التفضيل اسمًا؛ ولذلك جمع بينهما ابن مالك في شروط صوغهما فقال:

وَصُغهُمَا مِن ذِى ثَلاَثٍ صُرِّفَا

*قَابِلِ فَضلِ تمَّ غَيرِ ذِى انتِفَا

وَغَيْر ذِي وَصْفٍ يُضَاهي أَشْهَلَا

*وَغَيْر سَالِك سَبِيل فعل

صوغ اسم التفضيل من فاقد الشروط:

أولًا: لا يجوز صوغ اسم التفضيل مما لا فعل له فلا يجوز بناؤه مثلًا من الحمار أو من الكلب أو من اليد أو من الرجل وسائر الذوات فلا يقال: هو أحمر من فلان أو أكلب من فلان أو أيدى من فلان أو أرجل من الرجل لا يجوز التفضيل مما سبق ونحوه؛ لكونه لا فعل له ولا مصدر له حتى يؤتى به بعد أشد ونحوه منصوبًا أو مجرورًا كما سيتوصل بذلك من فاقد أحد الشروط الأخرى.

وقال الصبان في (حاشيته على الأشموني): “والمتجه عندي أنه يتعجب منه بزيادة ياء المصدرية أو ما في معناها فيقال: ما أشد حماريتهم أو ما أشد كونهم حمارًا” هكذا ذكر الصبان في باب التعجب وإذا جاز ذلك في التعجب جاز هنا في اسم التفضيل أيضًا؛ لكونهما يجريان من مجرى واحد -كما سبق- وكذلك لا يصاغ اسم التفضيل من الجامد وذلك نحو: نعم وبئس ويذر ويدع؛ لئلا ينقض ما بناه العرب على الجمود ولأن الجامد لا مصدر له فينصب أو يجر كما سيحدث مع غيره وسنفصل ذلك لاحقًا وكذلك الذي لا يتفاوت معناه؛ فإنه وإن كان له مصدر لكن معناه ليس قابلًا للتفاضل إلا إن أريد وصف زائد عليه فيقال: أفظع موتًا من غيره وأفجع فَناءً من سواه بصوغ اسم التفضيل من فعل مناسب قد توافرت فيه الشروط والإتيان بمصدر الفعل الذي لا يقبل التفاضل بعده منصوبًا على التمييز قياسًا على ما أجازه ابن مالك وولده بدر الدين في باب التعجب.

وأما إن كان الفعل غير ثلاثي كدحرج واستخرج أم كان الوصف منه على أفعل فعلاء صيغ اسم التفضيل مباشرة من فعل مناسب قد توافرت فيه الشروط مثل: أشد من: شد الشيء إذا قوي ومتن ومثل: أكذب وأعظم وأقوى ونحو ذلك ثم يؤتى بمصدر الفعل غير الثلاثي وما وصفه على أفعل فعلاء بعد أشد ونحوه منصوبين على التمييز كذلك فيقال: فلان أشد دحرجة للكرة أو فلان أكثر استخراجًا للدرر من غيره -والورد أشد حمرة من كذا- أو فلان أكثر عرجًا من فلان وهكذا.

وإن كان الفعل منفيًّا أو مبنيًّا للمجهول صيغ اسم التفضيل من فعل مناسب توافرت فيه الشروط المطلوبة ثم أُتي بمصدريهما المؤولين بعده: مصدر الفعل المنفي مؤولًا ومصدر الفعل المبني للمجهول مؤولًا كذلك فيقال: زيد أكثر ألا يقوم القرآن أعظم أن يدرس ويجوز الإتيان بمصدر الفعل المنفي صريحًا مضافًا إلى العدم ونحوه فيقال هو أشد عدم قيام من غيره وأما الفعل غير التام ككان وصار فأجاز الرضي في (شرح الكافية) أن يصاغ اسم التفضيل منهما مباشرة وإن لم يسمع بناء على القول الصحيح من كونهما دالين على الحدث فأجاز أن يقال: هو أكون منك منطلقًا وهو أصير منك غنيًّا أي: أشد انتقالًا إلى الغنى.

error: النص محمي !!