Top
Image Alt

الشعر الإسلامي ورواده

  /  الشعر الإسلامي ورواده

الشعر الإسلامي ورواده

وننتقل الآن إلى الكلام عن نمط جديدٍ من الشعر والأدب، أراد الداعون إليه أن يكون سَدًّا في مواجهة هذه الهجمة الشرسة، التي أرادت باسم التحديث أو الحداثة أن تقتلعَ جذورَ اللغة العربية، وجذورَ الإبداع العربي، وأن تلغي الحدود والفوارقَ بين الفنون، وأن تتخذ من شعار الحرية الأدبية دِثارًا تخفي تحته ما تريد تمريره من أفكار هدامة، لا تبقي ولا تذر على شيء من التقاليد والقيم، وتمضي في طريق الحَداثة التي قالوا عنها: إنها ثورة جامحة، ثورة على كل شيء.

هذه الدعوة التي أراد أصحابها أن تكون سدًّا في مواجهة ذلك كله، هي الدعوة إلى الأدب الإسلامي.

والدعوة إلى الأدب الإسلامي -كمصطلح حديث- ظهرت في بدايات النصف الثاني من القرن العشرين.

قلت: إنها كانت رَدّ فعل لِمَا غمر الثقافة العربية والأدب العربي من أفكار وفلسفات وافدة من الغرب، واستمرت هذه الدعوة -الدعوة إلى الأدب الإسلامي- وأصبحت هناك مجلات تنشر هذا الأدب، ومفهوم الأدب الإسلامي هو: الأدب الملتزم بقيم الإسلام ومبادئه في عقيدته وأخلاقه، هذا الأدب الذي يحترم القيمَ، ويحترم القواعدَ، ويدعو إلى هذه القيم النبيلة والعالية.

بالتأكيد ليس الأدب الإسلامي شيئًا جديدًا لم نعرفْه من قبل، وإنما نحن عرفنا هذا الأدب منذ صدر الإسلام، عندما سخَّر جماعة من الشعراء فنَّهم الشعري في الدفاع عن الإسلام ورسوله صلى الله عليه وسلم وعن قيمه، من أمثال حَسان بن ثابت رضي الله عنه وكعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة رضي الله عنهم.

لكن الدعوة الجديدة أرادت أن يكون الأديب المسلم المعاصر ملتزمًا بقيود أو بحدود دينه، مسخِّرًا فنَّه وإبداعَه من أجل هذا الدين في مقاومة هذه الموجات المتتابعة من الأفكار والفلسفات الوافدة على ثقافتنا، وعقائدنا، وآدابنا، وتقاليدنا.

وهذه الدعوة إلى الأدب الإسلامي لا تعرف حدودًا إقليميةً ولا جنسياتٍ ولا لغاتٍ، وإنما هي تعتبر نفسها امتدادًا لعالمية الإسلام في شموله لكل الأجناس، ولكل الأقطار، ولكل اللغات.

ولذلك يعد من رادة الأدب الإسلامي شاعر الإسلام: محمد إقبال، وهو من الهند، وإليه يرجع الفضل الكبير -بعد الله عز وجل- في إيقاظ العقول، وتصحيح العقائد، والدعوة إلى أن يكون المسلم المعاصر مستوعبًا لأحداث عصره وثقافة عصره، وأن يكون عُنصرًا فعَّالًا وبنَّاءً في كيان الأمة الإسلامية.

وقد ولد محمد إقبال في مدينة في مقاطعة “البنجاب” سنة ألف وثمانمائة وسبع وسبعين من الميلاد، ويعود أصله إلى أسرة برهمية في “كشمير”. اعتنق الإسلام جده الأعلى قبل مائتي سنة، وعرف ذلك البيت منذ ذلك اليوم بالصلاح والتصوف. وكان أبوه رجلًا صالحًا يغلب عليه التصوف الصحيح.

تعلم محمد إقبال في مدرسة إنجليزية، واستوعب الثقافة الغربية، لكنه مع ذلك استمد ثقافته الإسلامية من القرآن الكريم، وكان للقرآن الكريم أثرٌ كبير في فَهمه، وتوجهه، ورسالته التي قام بها.

وعن أثر القرآن الكريم في محمد إقبال، يقول الأستاذ أبو الحسن الندوي في كتابه عنه:

لقد كانت قراءة محمد إقبال للقرآن قراءةً تختلف عن قراءة الناس، ولهذه القراءة الخاصة فضل كبير في تذوقه للقرآن، واستطعامه إياه.

وقد حكَى قصته عن قراءة القرآن، فقال:

قد كنت تعودت أن أقرأ القرآن بعد صلاة الصبح كل يوم، وكان أبي يراني فيسألني: ماذا أصنع؟ فأجيبه: بأني أقرأ القرآن. وظل على ذلك ثلاث سنوات متتاليات يسألني سؤاله، فأجيبه جوابي، وذات يوم قلت له: ما بالك يا أبي تسألني نفس السؤال وأجيبك جوابًا واحدًا، ثم لا يمنعك ذلك عن إعادة السؤال من غد؟ فقال: إنما أردت أن أقول لك يا ولدي: اقرأ القرآنَ كأنما نزَلَ عليك. ومنذ ذلك اليوم بدأت أتفهم القرآن وأقبل عليه، فكان من أنواره ما اقتبست ومن درره ما نظمت.

واستمرَّ محمد إقبال وثيقَ الصلة بالقرآن يستوحي منه معانيَه التي سخرها في أدبه، وفي شعره؛ لتكون زادًا يوقظ به المسلمين في الهند، وينبههم إلى ما يجب أن يكونوا عليه.

وكان محمد إقبال يجيد عددًا من اللغات، لكنَّ شعره كان يكتبه باللغة الفارسية.

والشواهد -التي سنعرضها- مترجمة إلى اللغة العربية عنها:

يقول في إحدى قصائده:

لست أعلم بالتأكيد مصدر هذا الصبح الذي يطلع على هذا العالم كل يوم

ولست أعلم سره

ولكني أعلم أن السحر الذي يهتز له هذا العالم المظلم

ويولي به ليل الإنسانية الحالك

إنما ينشأ بأذان المؤمن الصادق

ومن شعره الذي يعبر فيه عن إحساسه بالتدهور الذي حدث في حياة المسلمين، وألمه لذلك أشد الألم، ما يقوله في هذه الأبيات المترجمة، يقول مخاطبًا المسلم:

يا وارث التوحيد الإسلامي

لقد فقدتَ الكلام الجذاب الساحر والعمل المسخر القاهر

لقد كنت يومًا من الأيام -يشير إلى المسلم القديم- إذا نظرتَ إلى أحد ارتعد فرقًا وطار قلبه شعاعًا

وقد أصبحت اليوم -المسلم الحديث- كسائر الناس لا تحمل روحًا ولا تجذب نفوسًا

ويقول في موضع آخر:

إن السجدة التي كانت تهتز لها روح الأرض

لقد طال عهد المحراب بها

واشتاق إليها المسجد كما تشتاق الأرض الجديبة الخاشعة إلى المطر

لم أسمع في مِصرَ ولا في فلسطينَ ذلك الآذان الذي ارتعشت له الجبال بالأمس

ثم يقول:

لقد فقد المسلم لوعة القلب

وانطفأت نار الحياة فيه فأصبح ركامًا مِن تراب

ويقول:

لم أرَ في محيطك أيها المسلم لؤلؤة الحياة

وقد بحثت عنها موجة موجة وتفقدها صدفة صدفة

ويرى محمد إقبال أن مصدر هذا التدهور هو القلب الذي خوى من الإيمان وشعلة الحياة، فيقول:

لقد فقد المسلمون صورةَ الحب الصادق

ونزفوا دم الحياة فأصبحوا هيكلًا من عظام لا روحَ فيها ولا دم

الصفوف زائغة والقلوب مضطربة والسجدة لا لذةَ فيها

ذلك لأن القلب خالٍ من الحنان

ويقول في قصيدة بعنوان “طلوع الإسلام”:

إذا رأيت النجوم شاحبة منكدرة تخفق

فاعلم أن الفجرَ قريب

ها هي الشمس قد زرَّ قرنها من الأفق

وولى الليل على أدباره

إن عاصفة الغرب قد أعادت المسلم إلى الإسلام

فإنما تتكون اللآلئ في البحر المتلاطم الهائج

لقد دب دبيب الحياة في الشرق

وجرى الدم الفائر في عروقه الميتة

وذلك سِر لا يفهمه ابن سينا والفارابي

إن المسلم سيُمنَح من الله الأبهة التركية والذكاء الهندي والنطق العربي

ثم يقول:

إن إقبال ليس يائسًا من تربته الحقيرة

فإنها إذا سقيت أتت بحاصل كبير

وعلى هذا النحو من التنوير والأمل في مستقبل الإسلام، كان يمضي محمد إقبال في أدبه وفي شعره.

ومن شعراء الدعوة الإسلامية والأدباء الذين ينتمون إلى هذا الأدب الإسلامي الشاعر العراقي: وليد الأعظمي.

وليد الأعظمي:

ولد في الأعظمية بالعراق سنة ألف وتسعمائة وثلاثين، وفيها أتم دراسته الابتدائية، ولم تسعفه ظروفه الأسرية بأن يتم دراسته، فتنقل في أعمال كثيرة كان آخرها عملًا في مكتبة المَجمع العلمي العراقي، حيث كان يعمل في تصحيح تجارب مطبوعاته وكتابة عناوينها.

وكان الأعظمي ذا رغبة شديدة في القراءة والبحث والتنقيب، وكان شاعرًا فنانًا، وقد أحبَّ شعرَ حسان بن ثابت رضي الله عنه وشعر “معروف الرصافي” من الشعراء المحافظين، وقرأ شعر غيرهما، وأصدر عددًا من الدواوين؛ منها: (الشعاع) صدَرَ سنة ألف وتسعمائة وتسع وخمسين، و(الزوابع) صدر في بغداد سنة ألف وتسعمائة واثنين وستين، و(أغاني المعركة) صدَرَ سنة ألف وتسعمائة وست وستين.

وله دراسات أدبية؛ منها (شاعر الإسلام حسان بن ثابت) و(سعد بن معاذ) و(المعجزات المحمدية) وكتب ودراسات أخرى.

ومن شعر الأعظمي الذي تبدو فيه ثقافته الإسلامية وعقيدته الإسلامية كذلك، هذه القصيدة وعنوانها “ذكر ونِسيان” يقول فيها:

شريعة الله للإصلاح عُنوان

*وكل شيء سوى الإسلام خسران

لما تركنا الهدى حلت بنا محن

*وهاج للظلم والإفساد طوفان

لا تبعثوها لنا رجعية فتُرى

*باسم الحضارة والتاريخ أوثان

لا حمورابي ولا خوفو يعيدوا لنا

*مجدًا بناه لنا بالعز قرآنُ

تاريخنا من رسول الله مبدأه

*وما عداه فلا عز ولا شان

محمد أنقذ الدنيا بدعوته

*ومن هداه لنا روح وريحان

لولاه ظل أبو جهل يضللنا

*وتستبيح الدما عبْس وذبيان

لا خيرَ في العيش إن كانت مواطننا

*نهبًا بأيدي الأعادي أينما كانوا

لا خيرَ في العيش إن كانت حضارتُنا

*في كل يوم لها تنهدُّ أركان

لا خير في العيش إن كانت عقيدتنا

*أضحى يزاحمها كفر وعصيان

لا خير في العيش إن كانت مبادئنا

*جادت علينا بها للكفر أذهان

ثم يقول مشيرًا إلى بعض النوازل التي حلَّت ببلاد الإسلام والمسلمين:

ها قد تداعَى علينا الكفرُ أجمعه

*كما تداعى على الأغنام ذئبان

والمسلمون جماعات مفرقة

*في كل ناحية ملك وسلطان

مثل السوائم قد سارت بغير هدًى

*تقودها للمهاوي السود رعيان

في كل أفق على الإسلام دائرة

*ينهد من هولها رضوى وسهلان

في زنجبار أحاديث مروعة

*مثل التي فعلت من قبل أسبان

“رضوى “و”سهلان”: جبلان. و”زنجبار” بلد إسلامي في أفريقيا.

يشير الشاعر إلى ما فعله الأسبان النصارَى في المسلمين بعد ضَعْف الدولة الإسلامية في الأندلس.

ذبح وصلب وتقتيل بإخوتنا

*كما أعدت لتشفي الحقد نيران

ثم يقول الشاعر وليد الأعظمي:

كل الحوادث نالتنا مصائبها

*ولم يزل عندنا عزم وإيمان

بأننا أمة قامت على أسس

*بهن يثبت دون الهدم بنيان

حزم وعزم وإنصاف ومرحمة

*فلم يقف دونها فرس ورومان

تدعو إلى الرشد عن علم ومعرفة

*والناس من جهلهم صم وعميان

باتت على هامة التاريخ رافعة

*نور النبي لمن ضلوا ومن بانوا

صارت مشرقة بالعدل هاتفة

*جحافل ما لها بغي وعدوان

ويمم المغرب الأقصى نجوم هدى

*بها سماء العلا والمجد يزدان

لسنا عبيدًا ولا كنا ذوي ضعة

*وليس يرهبنا قيد وسجان

نبني الحياة بوحي من عقيدتنا

*وعندنا للهدى والحق ميزان

قرآننا مشعل يهدي إلى سبل

*من حاد عن نهجها لا شك خسران

هو السعادة فلنأخذ بشرعته

*وما عداه فتضليل وبهتان

هو السلام الذي تهفو القلوب له

*فلم يعد يقتل الإنسان إنسان

هو النشيد الذي ظلت تردده

*على مسامع هذا الكون أزمان

قد ارتضيناه حكمًا لا نبدله

*ما دام ينبض فينا منه شُريان

هذا هو الشعر الإسلامي الذي أراد أصحابُه به وبمثلِه أن يوقفوا هذه الهجمات، وهذه الدعوات التي هي ضد العقيدة، وضد اللغة، والتي تمثلت في الحَداثة، والتي قرأت نماذجَ من كتابتها.

بهذا ترى أن الشعر العربي الحديث كانت له توجهات عديدة مختلفة ومتناقضة، ولا نملك إلا أن نقول كما قال الله عز وجل: {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ} [الرعد: 17].

بهذا نكون قد انتهينا من الكلام عن توجهات الشعر العربي في العصر الحديث.

error: النص محمي !!