Top
Image Alt

الشعر كجنس من أجناس الأدب العربي

  /  الشعر كجنس من أجناس الأدب العربي

الشعر كجنس من أجناس الأدب العربي

أما الفن القصصي، وكان مزدهرًا في الأدب العربي على مدار تاريخه الطويل؛ فلم تقم حوله حركة نقدية كالتي قامت حول الشعر، بل ليس هناك فيما نعرف كتاب واحد مخصص للنقد القصصي، وكل ما يمكن أن نخرج به في هذا المجال لا يعدو شذرات، ونظرات عارضة هنا وهناك، إن العرب القدماء لشديد الأسف لم يهتموا بالتقعيد لفن القصص كما صنعوا مع الشعر والرسائل والخطب، رغم أنهم أبدعوا قصصًا كثيرًا متنوعًا ورائعًا.

ولسنا ندري السبب في أن الجاحظ أو أبا هلال العسكري أو قدامة بن الجعفر أو ابن الأثير أو الصفدي أو أحدًا من أدباء المقامة، لم يحاول أن يقنن لنا المواصفات والقواعد التي تحكم ذلك الفن مثلًا، لقد كانوا يعرفون الفن القصصي من قبل الإسلام؛ فضلًا عن أنهم قد ترجموا بعد الإسلام كثيرًا من القصص الأجنبي من الفرس والهند مثلًا، إلى جانب ما أبدعته براعتهم إبداعا، ليس ذلك فقط، فقد رأيناهم يعجبون بالمقامات وغيرها من ألوان هذا الفن إلا أن ما كتبوه في باب الإعجاب لا يزيد عن العبارات الانطباعية التي تخلو من التقعيد والتحديد والتفصيل.

ولعل هذا الصمت النقدي هو الذي دعا بعض الكتاب منا، ومن المستشرقين إلى الادعاء بأن العرب لم يعرفوا قبل العصر الحديث أن الفن القصصي قبل أن ينقلوه عن الغرب إثر اتصالهم به في نهضتهم الحديثة، وهذا الرأي رأي متسرعٌ؛ ففي التراث الأدبي الذي خلفه لنا أسلافنا قصص كثير منه الديني، ومنه السياسي، ومنه الاجتماعي، ومنه الفلسفي ومنه الوعظي ومنه الأدبي، ومنه ما وضع للتسلية ليس إلا، ومنه الواقعي، ومنه الرمزي، ومنه المسجوع المجنس، ومنه المترسل، ومنه المحتفى بلغته، والبسيط المنساب، ومنه الطويل مثل: “رسالة النمر والثعلب” لسهل بن هارون و”رسالة التوابع والزوابع” لابن شهيد و”رسالة الغفران” و”رسالة الصاهل والشاحج” للمعري و”رسالة حي بن يقظان” لكل من ابن سينا وابن الطفيل والسهروردي، وقصص ألف ليلة وليلة وسيرة عنترة، وسيرة سيف بن ذي يزن.

ومنه القصير كالحكايات التي تغص بها كتب الأدب التاريخ المختلفة، وجمع طائفة كبيرة منها محمد أبو الفضل إبراهيم، وعلي محمد البجاوي، ومحمد أحمد جاد المولى في أربعة مجلدات كبار بعنوان: (قصص العرب) و(كليلة ودمنة) لابن المقفع، و(البخلاء) للجاحظ، و(الفرج بعد الشدة) و(نشوار المحاضرة) للقاضي التنوخي، والمقامات، و(عرائس المجالس) للثعالبي، و(مسار العشاق) للسراج القاري، و(سلوان المطاع في عدوان الأتباع) لابن ظفر الصقلي، و(المكافأة) لابن الداية، و(غرر الخصائص الواضحة وعرر النقائض الفاضحة) للوطواط، و(المستطرف من كل فن مستظرف) للأبشيهي، و(عجائب المقدور في أخبار تيمور) و(فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء) لابن عرب شاه، وبعض قصص ألف ليلة وليلة أيضًا.

وما ذكره ابن النديم في (الفهرست) من كُتب الأسمار الخرافية التي تُرجمت عن الفارسية والهندية واليونانية، أو رُويت عن ملوك بابل، أو ألفت بالعربية؛ فكانت حوالي 140 كتابًا، المؤلف منها بلسان العرب فقط نحو 80 كتابًا، كلها في أخبار العشاق في الجاهلية والإسلام، ودعنا مما ألف بعد ذلك.

ومنه النثري كالأمثلة السابقة، والشعري كشعر الشنفرى عن لقائه بالغول، وقصيدة الحطيئة و”طاوي ثلاث عاصب البطن مرمل”، وكثير من قصائد عمر بن أبي ربيعة، وأبيات الفرزدق عن الذئب، ورائية بشار، ومغامرات أبي نواس الخمرية، وقصيدة المتنبي عن مصارعة بدر بن عمار للأسد، وهلم جرًّا.

على أن ليس معنى ذكر الكتب والمؤلفات في هذا السياق أن الفن القصصي لم يعرف عند العرب إلا في عصر التدوين، بعد أن انتشر نور الإسلام، وتخلص العرب من الأمية، وأصبحوا أمة كاتبة قارئة، مثقفة كأحسن ما تكون الأمم ثقافة وتحضرًا، بل كان هذا الفن معروفًا قبل ذلك في الجاهلية.

وهذا الحكم يستند:

أولًا: إلى أن حب القصص نزعة فطرية لا يمكن أن يخلو منها إنسان، فضلًا عن مجتمع كامل كالمجتمع العربي قبل الإسلام. وفي الفقرة التالية يؤكد كاتب مادة “Story Telling” في “الويكيبيديا” عن حق أن جميع المجتمعات البشرية قديمًا وحديثًا قد عرفت رواية القصص. وهذه عبارته نصًّا “people in all times and places have told stories.

وثانيًا: إلى أن لدينا قصصًا كثيرًا تدور وقائعه الجاهلية، وينتسب أبطاله إليها، وقد اقْتَصَر دَورُ الكُتّاب الأمويين والعباسيين على تسجيل ذلك القصَص كما وصلهم، وربما تدخلوا بأسلوبهم في صياغته، وهذا أبعد ما يمكن أن تكون أقلامهم قد وصلت إليه، ومن الواضح أن هذا القصص يصور المجتمع العربي قبل الإسلام تصويرًا لا يستطيعه إلا أصحابه.

وبالنسبة إلى الموضوعات التي تناولتها القصة العربية القديمة، فيمكن تصنيف ما تركه لنا العرب بهذا المجال إلى:

– قصص تستبين بها مظاهر حياتهم، وأسباب مدنيتهم، بذكر أسواقهم وأجلاب تجارتهم، والمساكن التي كانت تأويهم، وسائر ما كان على عهدهم من دلائل الحضارة، ووسائل العيش.

– وقصص تتضمن معتقداتهم، وأخبار كهانهم وكواهنهم، وتبسط ما كانوا يعرفون من حقائق التوحيد والبعث والدار الآخرة، وما كانوا يتوسلون به من إقامة الأوثان، وتعهدها بألوان الزلفى والقربان.

– وقصص تجلي علومهم ومعارفهم، وتتوضح منها ثقافتهم، وما كان متداولًا بينهم من مسائل العقل والنقل، التي هدتهم إليها فطرهم، أو أنهتها إليهم تجاربهم.

– وقصصٍ يُرَى مِنها ما كانوا يتغنون به من المكارم والمفاخر، وما كانوا يتذممون به من المناقص والمعرات، سواء أكان ذلك يتصل بكل منهم في نفسه، أم فيما يتصل بالأقربين من ذويه، أم فيما يضم أهل قبيلته، أم فيما يشمل الناس جميعًا.

– وقصص تعدد غرائزهم وخصالهم، فتكشف ما طبع عليهم من وفرة العقل وحدة الذكاء، وصدق الفراسة وقوة النفس، وما أهلتهم له طبيعة بلادهم، وأسلوب حياتهم من شريف السجايا، وممدوح الخصال.

– وقصص تشرح ما أثر عنهم من عادات وشمائل في الأسباب الدائرة بينهم، وتبين ما انتهجوه في مواسمهم، وأعيادهم، وأفراحهم، وأعراسهم، مما يمثل حياتهم الاجتماعية أصدق تمثيل.

– وقصص تمثل أحوال المرأة العربية، وما تجري عليه في تربية أطفالها، ومعاشرتها زوجها، ومعاونتها له في الحياتين الاجتماعية والمدنية، بالسعي في سبيل الرزق، والاشتراك في خوض معامع الحروب، والأخذ بقسط من الثقافة الأدبية السائدة في ذلك العهد.

– وقصص تمثل ذلاقة لسانهم، وحكمة منطقهم، وما ينضاف إلى ذلك من فصاحة اللفظ وبلاغة المعنى، وجمال الأسلوب، وحسن التصرف في الإبانة والتعبير.

– وقصص تسرد بارع ملاحهم، ورائع طرفهم في جواباتهم المسكتة وتصرفاتهم الحكيمة وتخلصاتهم اللبقة، مما يدل على حضور الذهن، وسرعة البديهة وشدة العارضة.

– وقصص تُعرب عما يقع بين العامة والملوك، والقواد والرؤساء والقضاة ومن إليهم من كل ذي صلة بالحكم والحكام، مما يتناول حيلهم في المنازعات والخصومات، ويوضح طرائقهم في رفع الظلمات، ورجع الحقوق وما يجري هذا المجرى.

– وقصص تصور احتفاظهم بأنسابهم، واعتزازهم بقبائلهم، وتمجيدهم للأسلاف، وتعديدهم ما تركوا من مآثر، وما أدى إليه ذلك من مفاخر ومنافرات.

– وقصَصٍ تنقل ما كانوا يتفكهون به من أسمار ومطايبات، ومناقضات وأفاكيه، مما نال به المُحَدِّثون والندماء ثني الجوائز والخلع من الخلفاء والوزراء، وما ارتفعت به مكانتهم عند السادة والوجوه في المجتمعات والمنتديات.

– وقصص تؤرخ مذكور أيامهم، وتفصل مشهور وقائعهم، ومقتل كبائرهم، وتصف الحروب والمنازعات التي كانت تدور بين قبائلهم، أخذًا بالثأر، وحماية للذمار.

– وقصص تحكي ما كان للجند من أحداث، وأحاديث في الغارات والغزوات، والفتوح مصورة نفسيتهم وأحمالهم، وواصفة تطوراتهم العقلية والخلقية بنشأة الدولة العربية، وانفساح رقعتها، مفصلة عددهم وآلاتهم، وأسلحتهم في حياتهم الجديدة.

على أن النهضة الأدبية الحديثة قد أدخلت على القصص العربي أشياء جديدة لم يكن لها وجود فيما خلفه لنا العرب القدماء في حدود ما نعلم، ومن تلك الأشياء رواية القصة على لسان عدة أشخاص من أبطالها كل يراها من زاويته، ويفسر ما يراه تفسيرًا يختلف كثيرًا أو قليلًا عن تفسير الرواة الآخرين، وهذا الشكل الفني أساسه فكرة النسبية التي أفرزها العصر الذي نعيش فيه.

ومن ذلك أيضًا “تيار الوعي” وهو أحد مظاهر التأثر بالدراسات النفسية، ومن هذا الجديد كذلك المزج بين القصة والمسرحية، هذا المزج الذي تمثل في “بنك القلق” لتوفيق الحكيم وسماه صاحبه “مسرواية” وإن لم ينتشر كما كان يرجى له.

وهناك أيضًا النّقد القصصي، والتأريخ للروايات والقصة القصيرة والترجمة لأعلامهما، وهو أمر لم يعرفه الأدب العربي القديم، إذ كان النقد آنذاك منصبًّا على الشعر بالدرجة الأولى ثم الخطابة، والرسائل الديوانية بعد ذلك، وها هو ذا مثلًا كتاب (البيان والتبيين) للجاحظ، و(الصناعتين) لأبي هلال العسكري، وكتاب (نقد النثر) المنسوب لقدامة بن جعفر، و(المثل السائر) لابن الأثير، فلنقلب فيها كما نحب، فلم نجد أي كلامًا في النقد القصصي.

أما الآن فالدراسات النقدية والتاريخية التي تدور حول فن القصة، وأعلامه، واتجاهاته وأشكاله، قد بلغت من الكثرة والتنوع مدى بعيدًا، وهذا من شأنه أن يساعد أدباء القصة على التجويد والتطوير المستمر، ولا شك أننا مدينون في هذا المجال للنقد القصصي الغربي الذي قرأناه في لغاته الأصلية أو المترجمة، وهذا النقد يرجع في أساسه إلى ما كتبه أرسطو على المسرحية، والملحمة حسبما مر.

أما كُتب النقد والأدب والتراجم التراثية المعروفة، فالموجود فيها كلام انطباعي أو نقد لغوي بلاغي ليس أكثر، كما أن كلمات الحكاية والقصة والرواية لا تستخدم فيها إلا بالمعنى اللغوي العادي كما في قولنا: شرح فلان القصة، أو حكى الحكاية، أو هكذا كانت روايته للكلام، بمعنى الخبر ليس إلا، ولا تستخدم كمصطلح أدبي.

وحتى العصر الحديث كانت تكتب إبداعات الفن القصصي العربي كلها بالفصحى كما الحال في الشعر بوجه عام، إلا أن الحال قد تبدل في العصر الحديث كما شرحنا آنفًا، فوجدنا من يكتبون الحوار في القصص والمسرحيات باللهجات العامية بشبهة أن هذا مما تتطلبه الواقعية، كما تناولت القصص كل موضوعات الحياة؛ فلم تترك موضوعًا لم تطرقه، وكان الغالب على لغتها التحوط في اللفظ، فلا بذاءة ولا عري إلا في نطاق ضيق كما هو الحال في بعض قصص ألف ليلة وليلة مثلًا.

كذلك كان الإسلام حاضرًا في كل وقت جهارًا أو بين السطور، بحيث لا يوجد شيء من الخروج على مقتضيات الإيمان في أي عمل قصصي؛ مهما كانت جرأة كاتبه، ويرتبط بهذا ما يحسه قارئ هذه الإبداعات من أن اعتزاز المبدعين بالدين والأمة التي تنتسب إلى هذا الدين هو شعور موجود على الدوام صراحة أو ضمنًا.

وكما كان البعد عن الغموض والاستغلاق ديدن الشعراء، فكذلك كان الأمر مع القصاصين حتى لو كان قصصهم رمزيًّا، مثلما هو الشأن في رسالة “حي بن يقظان” لابن الطفيل وابن سينا والسهروردي على سبيل التمثيل، إلا أن هذه السمات شرعت تتخلخل في العصر الحديث وبخاصة في الفترة الأخيرة، حيث تلفت النظر ظاهرة الأدباء اللذين يصدمون الأمة بكتاباتهم في عقائدها، وفيما تعتز به من نظام أخلاقي استمدته من قيم الإسلام، ومبادئه الطاهرة النبيلة. هذا عن الشعر والقصة وهو ما ينطبق في خطوط عامة على الخطابة والرسائل الديوانية، وكتب الرحلات وغيرها.

error: النص محمي !!