Top
Image Alt

الشك في صحة الشعر الجاهلي عند العرب والمستشرقين

  /  الشك في صحة الشعر الجاهلي عند العرب والمستشرقين

الشك في صحة الشعر الجاهلي عند العرب والمستشرقين

مضى الزمن بالناس يستقبلون الشعر الجاهلي الصحيح النسبة إلى قائله وهم مطمئنون، ويدرسونه ويستشهدون به، إلى أن جاء العصر الحديث، ونظر المستشرقون في تراث العرب، وحققوا منه ما حققوا ونشروا منه ما نشروا، وظهرت مقالاتُهم وكتبُهم تحمل آراءهم في الشعر الجاهلي، وذهب بعضهم إلى التشكيك في هذا الشعر كله، والدعوة إلى اطّراحه جميعه، وقالوا: إن ما يقال عنه أنه شعر جاهلي، هو شعر وُضِعَ في الإسلام أو وُضِعَ بعد الإسلام ونُسِبَ إلى الجاهليين كذبًا وادعاءً، وكان “مارجليوث” هو أكبر من أثاروا هذه القضية من المستشرقين في كتاباته، ونفى أن تكون الرواية الشفوية هي التي حفظت الشعر العربي، وذهب إلى أن الشعر العربي الذي يُنسب إلى الجاهليين كُتب بعد ظهور الإسلام، واحتج “مارجليوث” في رفضه للشعر الجاهلي بأن هذا الشعر لا يُمثل حياتهم الدينية، ولا يمثل حياتهم الاجتماعية، وأنه لا يحمل آثار اختلاف اللهجات التي كانت موجودة في شِبه الجزيرة العربية في القديم.

وهذه الحُجج كلها باطلة وواهية ومردود عليها، لكننا سُنرجئ الكلام على هذه الحجج والرد عليها بعد أن نتحدث عن الباحثين العرب المحدَثين الذين كتبوا في هذه القضية، وتحدثوا عنها.

يأتي في مقدمة هؤلاء مصطفى صادق الرافعي في كتابه (تاريخ آداب العرب)؛ فقد وقف فيه عند قضية الانتحال في الشعر الجاهلي، وعرضها في حدود ما ذكره ابن سلَّام وفي حدود ما قرره القدماء بشأنها، لكن الذي فجّر قضية الانتحال بشكل مثير هو الدكتور طه حسين في كتاب ظهر له بعنوان (الشعر الجاهلي)، وقد أحدث هذا الكتاب رجّة عنيفة أثارت كثيرًا من المحافظين والباحثين.

والذي صنعه الدكتور طه حسين في كتابه هو أنه أخذ كلام المستشرقين ورأيهم في الشعر الجاهلي -خاصة المتطرفين منهم- في نفيهم للشعر الجاهلي، وادعائهم بأنه مكذوب وموضوع، فقد كان منهم من خالف في ذلك واقتصد؛ لكن الدكتور أخذ آراء المتطرفين الذين ادعوا أن الشعر الجاهلي كله مكذوب موضوع، فتبنى آراءهم، وشرحها وفصّلها، وفصّل القول في حججهم في كتابه هذا.

ولقد ردَّ عليه كثيرٌ من الدارسين المنصفين، فنقدوا منهجه ونقدوا نتائجه، وممن ردّ عليه الشيخ محمد الخضر حسين، في كتابه (نقد كتاب في الشعر الجاهلي) ، والأستاذ محمد الغمراوي في كتابه (النقد التحليلي لكتاب في الأدب الجاهلي) ، وكتاب (محاضرات في بيان الأخطاء) ، والأستاذ محمد الخضري في كتاب له (محاضرات في بيان الأخطاء العلمية والتاريخية التي اشتمل عليها كتاب في الشعر الجاهلي)، والأستاذ محمد فريد وجدي في كتابه (نقد كتاب الشعر الجاهلي).

ومن الجدير بالذكر أن الدكتور طه حسين غيَّر عنوان كتابه هذا (الشعر الجاهلي) وطبعه بعنوان آخر هو (في الأدب الجاهلي).

أما المبررات التي ساقها الدكتور طه حسين في دعواه أن الشعر الجاهلي كله أو أكثره موضوع منتحل فتتمثل فيما يلي:

أولًا: أن هذا الشعر في نظره لا يُصوّر الحياة السياسية والدينية والعقلية والاقتصادية لعرب الجاهلية على حقيقتها كما يصوّرها القرآن الكريم.

ثانيًا: أن الشعر الجاهلي لا يصوّر اختلاف اللهجات الذي كان موجودًا بين القبائل العربية، ولا يمثل الاختلاف الذي كان واقعًا بين لغة أهل الجنوب، ولغة أهل الشمال من العرب.

وذكر أن الأسباب التي جعلت القدماء ينحلون الشعر إلى الجاهليين، وأنها تتمثل -في رأيه- في السياسة والدين والقصص والشعوبية والرواة.

ورأى الدكتور طه حسين أن كل عامل من هذه العوامل كان له أثر في عملية الوضع والنحل، والناظر في هذه الشُّبه وهذه الحجج يرى أنها لا تخرج عن دائرة ما ذكره المستشرقون وما ذكره “مارجليوث”، والناظر فيما ذكره المستشرقون وما ذكره الدكتور طه حسين في أسباب الوضع والشُّبهات التي جعلتهم يرفضون الشعر الجاهلي جملة وتفصيلًا. الناظر فيها يجد أن كلام ابن سلَّام اشتمل عليها، أما نقد ما ذهبوا إليه من الحجج والشبهات فهذا بيانه:

قولهم: أن الشعر الجاهلي لا يصوِّر الحياة السياسية والدينية والعقلية والاقتصادية لعرب الجاهلية، قول مردود.

والحق أن هذا الشعر يصوّر هذه الحياة أصدق تصوير، ولقد كانت آراء الدكتور طه حسين والمستشرقين في الشعر الجاهلي دافعًا لكثير من الدارسين والباحثين إلى أن يفتّشوا في هذا الشعر، ويردوا على هذه الدعاوى، وظهرت مؤلّفات تبيِّن أن الشعر الجاهلي صوّر حياة العرب في الجاهلية أوضح ما يكون التصوير. ومن هذه المؤلفات مثلًا: كتاب الدكتور أحمد الحوفي (الحياة العربية في الشعر الجاهلي).

والذي يريد أن يستخرج شواهد من الشعر الجاهلي تصوّر الحياة السياسية والدينية والعقلية والاقتصادية للجاهليين- سيجد شواهدَ كثيرة؛ فمثلًا شعر النابغة الذُّبياني في المناذرة وفي الغساسنة، والشعر الذي صوّر الحروب بين القبائل؛ ألا يعدّ ذلك كله تصويرًا للحياة السياسية الجاهلية، وعندما نتحدث عن الدين أليس قسمهم بالله في أشعارهم، وقد ذكر القرآن أنهم كانوا يعرفون الله لكنهم يُشركون به في عبادته. وقالوا عن الأصنام: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3].

عندما نجدهم يقسمون بالله، ويذكرون الأصنام في أشعارهم، ويذكرون الذبائح والقرابين التي كانت تذبح لهذه الأصنام، أليس ذلك تصويرًا للحياة الدينية عندهم.

وعندما يتحدث الشاعر الجاهلي عن حُبه وعن رحيل محبوبته، وعندما يتحدث الشاعر الجاهلي عن علاقته بقبيلته أو علاقته ببعض أقاربه وعن الخصومات والمنازعات والصلح وتحمّل الثارات والديات.

أليس ذلك كله حديثًا عن الحياة الاجتماعية لهؤلاء الناس.

وليكون كلامنا بالدليل؛ سنذكر الآن شواهد من هذا الشعر: تبين أن الشعر الجاهلي وصفَ البيئة العربية ووصف الحياة العربية في شتى جوانبها وصوّرها أوضح تصوير.

أما عن البيئة:

فإن الشعر الجاهلي مليء بالأشعار التي تصور الصحراء، وتصور حيوانها وطيرها وسرابها وكل شيء فيها. من ذلك مثلًا قول زهير عن الصحراء:

بِها العَينُ وَالآرامُ يَمشينَ خِلفَةً

*وَأَطلاؤُها يَنهَضنَ مِن كُلِّ مَجثِمِ


ووَقَفتُ بِها مِن بَعدِ عِشرينَ حِجَّةً

*فَلَأيًا عَرَفتُ الدارَ بَعدَ التَوَهُّمِ

ومن ذلك مثلًا قول آخر:

كَم قَطَعنا دونَ سَلمى مَهمَهًا

*نازِحَ الغَورِ إِذا الآلُ لَمَع

في حَرور يُنضَجُ اللَحمُ بِها

*يَأخُذُ السَائِرَ فيها كالصَقَع

وَتَخَطَّيتُ إِليها مِن عُدًى

*بِزِماعِ الأَمرِ والَهَمِّ الكَنِع

وَفَلاةَ واضِحٍ أَقرابُها

*بَالياتِ مِثلَ مُرفَتِّ القَزَع

فهذا وصف للصحراء وحرّها الشديد وما يكون فيها من سراب يلمع فيحسبه الظمآن ماء فإذا جاءه لم يجده شيئًا.

ولا نريد أن نكرر ما قلناه من أن الشاعر الجاهلي وصف الناقة، ووصف الثور، ووصف الظبي، ووصف بقر الوحش، وصف كل شيء في هذه البيئة التي عاش فيها.  أما جوانب الحياة:

فقد وصف الشعر الجاهلي الحياة العقلية للجاهليين، ونشير هنا إلى بعض ملامح هذا الوصف، فإذا كنا نعلم أن الجاهليين كانوا أميين فإن ذلك لا يعني أنهم جميعًا لم يعرفوا الكتابة؛ كان الجاهليون في مجموعهم أميين، لكنهم عرفوا الكتابة على نحو ضيق أو على نحو قليل، وقد وردت في الشعر الجاهلي إشارات إلى الكتابة أو إلى أدواتها، من ذلك مثلًا قول المرقش الأكبر:

الدَّارُ وَحْشٌ والرُّسُومُ كَما

*رَقَّشَ في ظَهْرِ الأَدِيمِ قَلَمْ


ومن ذلك مثلًا قول لبيد بن ربيعة العامري:

وَجَلا السُيولُ عَنِ الطُلولِ كَأَنَّها

*زُبُرٌ تُجِدُّ مُتونَها أَقلامُها


وقول بشر بن أبي خازم الأسدي:

وجدنا في كتاب بني تميم

*أحق الخيل بالركض المعار


فكلامهم هذا يدل على أن بعضهم كان يعرف الكتابة. والكتابة أمر يتعلق بالحياة العقلية.

ومما يتعلق بالحياة العقلية كذلك: إشارات الشعر الجاهلي إلى العرَّافين؛ من ذلك قول عروة بن حزام:

جعلت لعراف اليمامة حكمه

*وعراف نجد إن هما شفياني


وإشارتهم إلى بعض ما كانوا يتقنونه كقول الشاعر:

خبير بنو لهب فلا تك ملغيا

*مقالة لهبي إذا الطير مرت


ومن ملامح الحياة العقلية كذلك: إشارة زهير:

وأعلم ما في اليوم والأمس قبله

*ولكنني عن علم ما في غدٍ عمي


ومهما تكن عن امرئ من خليقة

*وإن خالها تخفى على الناس تُعلم

أما الشعر الجاهلي الذي يصوِّر الحياة الروحية للعرب أو الحياة الدينية؛ فإننا نستشهد منه بما يلي: يقول زهير:

فَلا تَكتُمُنَّ اللَهَ ما في نُفوسِكُم

*لِيَخفى وَمَهما يُكتَمِ اللَهُ يَعلَمِ


يُؤَخَّر فَيوضَع في كِتابٍ فَيُدَّخَر

*لِيَومِ الحِسابِ أَو يُعَجَّل فَيُنقَمِ

وقوله كذلك:

رَأَيتُ المَنايا خَبطَ عَشواءَ مَن تُصِب

*تُمِتهُ وَمَن تُخطِئ يُعَمَّر فَيَهرَمِ


وهذه الأقوال لزهير تبين أن عنده علمًا بالآخرة والحساب، وعنده معرفة بالله؛ لكن عقيدته غير كاملة وغير صحيحة تمامًا؛ لأن حديثه عن الموت يصوّر المنية بأنها خبط ناقة عشواء لا ترى  من تصبه تمته ومن تخطئه يعمّر.

التصور العقدي الإسلامي الصحيح يجعل المرء يعتقد أن الموت يجري بقدرٍ محكم، فليست المسألة خبط عشواء {فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُون} [النحل: 61].

ومما يصور ملامح الحياة الروحية عند الجاهليين أو الحياة الدينية قول شاعرهم:

وباللاة والعزى ومن دان دينها


*وبالله إن الله منهن أكبر


فهذا يقسم بالأصنام التي كانوا يعبدونها من دون الله، ويقولون: ما نعبدها إلا لتقربنا إلى الله زلفى.  ومن هذا الشعر كذلك قول النابغة الذبياني:

حلفت فلم أترك لنفسك ريبة

*وليس وراء الله للمرء مذهب


ألم ترَ أن الله أعطاك سورة

*ترى كل ملك دونها يتذبذب

أما الشعر الجاهلي الذي يصوّر حياتهم الاجتماعية فكثير جدًّا؛ منه الغزل ومنه المديح ومنه العتاب والاعتذار والرثاء، فكل هذه الأشعار ناتجة عن العلاقات الاجتماعية بين الناس، ولقد كانت المرأة أحد الموضوعات المهمة التي دار حولها شعر كثير؛ فالشاعر الجاهلي يصف جمالها، ويُعرب عن حزنه لرحيلها، ويُجدّ في البحث عنها، ولحضور المرأة العربية في الشعر الجاهلي حضورًا شديدًا وواضحًا كتب الدكتور أحمد الحوفي أيضًا كتابًا عن المرأة في الشعر الجاهلي.

وهل حديث عنترة بن شداد عن حبه عبلة وتعلقه به إلا إلماحًا إلى طرف من هذه الحياة. وما رأيك في قول الشنفرى عن الصفات الخلقية التي كان يريدها في زوجته؛ إذ يقول:

لَقَد أَعجَبَتني لا سَقوطًا قِناعُها

*إِذا ما مَشَت وَلا بِذاتِ تَلَفُّتِ



تَبيتُ بُعَيدَ النَومِ تُهدي غَبوقَها

*لِجارَتِها إِذا الهَدِيَّةُ قَلَّتِ

تَحُلُّ بِمَنجاةٍ مِنَ اللَومِ بَيتَها

*إِذا ما بُيوتٌ بِالمَذَمَّةِ حُلَّتِ

إِذا هُوَ أَمسى آبَ قُرَّةَ عَينِهِ

* مَآبَ السَعيدِ لَم يَسَل أَينَ ظَلَّتِ

وهل شعر الخنساء في رثاء أخيها صخر إلا إلماحًا إلى طرف من هذه الحياة الاجتماعية.

ومن الشعر الذي يدل على ملامح حياتهم الاجتماعية كذلك أشعارهم في الخمر ووصفهم لمجالسها، كما قال عمرو بن كلثوم في بداية معلقته:

ألا هبي بصحنك فاصبحينا

*ولا تُبقي خمور الأندرينا


وكما قال طرفة بن العبد:

وما زال تشراب الخمور ولذة

*وبيعي وإنفاقي طريفي ومتلد


إلى أن تحامتني العشيرة كلها

*وأفردت إفراد البعير المعبَّد

ومن هذا الشعر أيضًا الأشعار التي تُشير إلى عاداتهم التي كانت شائعة فيهم، كقول أحدهم:

إني وقتلي سليكًا ثم أعقله

*كالثور يضرب لما عافت البقر


وقول بشر بن أبي خازم مشيرًا إلى عادة كانت شائعة فيهم:

تظل مقاليت النساء يطأنه

*يقلن ألا يلقى على المرء مأزره



كل هذا وغيره من الشعر الذي صوّر حياة العرب الاجتماعية والدينية والسياسية والعقلية.  فهل يجوز بعد هذا كله أن يذهب ذاهب إلى القول بأن الشعر الجاهلي كله موضوع مكذُوب منتحل؛ لأنه لم يصوّر حياة العرب؟!!!.

وأما الشبهة اللغوية: وهي أن الشعر الجاهلي لا يمثل الاختلاف الذي كان قائمًا بين اللهجات العربية الموجودة في شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام، فالرد عليها يتمثل في: أن هذه اللهجات أو تلك اللغات كانت قد توحّدت في لغة قريش؛ تمهيدًا لنزول القرآن بها، فالله سبحانه وتعالى جمع العرب على لغة قريش قبل أن ينزل القرآن، وكان شعراء الشمال وشعراء الجنوب جميعًا إذا اجتمعوا في الأسواق والمواسم ينشدون أشعارهم بلغة واحدة هي اللغة القرشية.

ولقد كانت هناك عوامل أدت إلى سيادة هذه اللغة، ترجع إلى مكانة قريش السياسية والدينية والاقتصادية في شبه الجزيرة العربية. فلا يجوز لأحد بعد ذلك أن يرفض الشعر الجاهلي؛ لأنه لا يُمثل اللهجات التي كانت موجودة في شبه جزيرة العرب.

ويمكن أن نقيس أمر العربية في القديم على أمرها في الحديث، فنحن الآن -مثلًا- نتكلم لغة عربية واحدة في الخليج العربي، وفي المغرب العربي، وفي مصر، وكل قطر له لهجته الخاصة به.

وأما ما يقال عن وضع الرواة ووضع القبائل؛ فقد أشار ابن سلَّام إلى حل هذه المشكلة متمثلًا في أن النقاد الأثبات أصحاب النظر يستطيعون أن يميزوا الدخيل والموضوع والمنحول من الأصيل، وبذلك تسلم للشعر العربي الجاهلي طائفةٌ كبيرة لا يمكن التشكك فيها ولا يمكن الادعاء بأنها منتحلة.

error: النص محمي !!