Top
Image Alt

الشنفرى ولاميّة العرب

  /  الشنفرى ولاميّة العرب

الشنفرى ولاميّة العرب

الشنفرى: قيل: إنه لقبٌ بمعنى غليظ الشفتين، وقيل: إنه اسمٌ للرجل، وفي اسمه خلافٌ، ويقال: إن اسمه عمرو وهو من بني الحارث بن ربيعة من الأزد، جاهلي، أحد صعاليك العرب وعدائيهم، يُضرب به المثل في سرعة العدو، فيقال: أعدى من الشنفرى، وهو ابن أخت الشاعر الصعلوك تأبط شرًّا، وقصيدته التي سنتوقف معها لامية، يقال لها: “لامية العرب”، ومطلعها:

أَقيموا بَني أُمّي صُدورَ مَطِيّكُم

*فَإِنّي إِلى قَومٍ سِواكُم لَأَمَيلُ

وفيها يقدم الشنفرى صورة واضحة نموذجية لحياة الصعاليك، وما كانوا يتسمون به من قيم في مجتمعهم الخاص، وهو في مطلع قصيدته يخبر أنه راغب عن قومه إلى قوم سواهم، سيعاشرهم ويتخذ منهم قومًا يُساكنهم ويعيش معهم بدلًا من قومه، ذلك أنه يرى أن الأرض واسعة، وأنه إذا استشعر الذل أو المهانة في مكان؛ فإنه من الواجب عليه أن يرحل عنه:

وَفي الأَرضِ مَنأى لِلكَريمِ عَنِ الأَذى

*وَفيها لِمَن خافَ القِلى مُتَعَزَّلُ

لَعَمرُكَ ما بالأَرضِ ضيقٌ على اِمرئٍ

*سَرى راغِبًا أَو راهِبًا وَهوَ يَعقِلُ

ثم يسمي قومه الذين سيعيش معهم ويعاشرهم، فيقول:

وَلي دونَكُم أَهلَونَ سيدٌ عَمَلَّسٌ

* وَأَرقَطُ زُهلولٌ وَعَرفاءُ جَيأَلُ

“السيد”: الذئب، و”عملس”: سريع، و”الأرقط”: الذي فيه سواد وبياض، و”ذهلول” أي: خفيف، و”عرفاء”: الضبع الطويلة العرف، و”جيأل” من أسمائها؛ فهو يقول لقومه: إن لي غيركم أهلًا هم هؤلاء: الذئب، والضبع، يقول:

هُمُ الأهل لا مُستَودَعُ السِرَّ ذائِعٌ

*َلدَيهِم وَلا الجاني بِما جَرَّ يُخذَلُ

يفضلهم على قومه بهذا: أن مستودع السر عندهم لا يذيع، وأن الجاني عندهم لا يُخذل بسبب جريرته.

ثم يقول:

وكلٌّ أبيٌّ باسلٌ غير أنني

*إذا عرضت أولى الطرائدِ أبسل

وهنا يُفضل الشنفرى نفسه في الشجاعة على من ذكر من الذئب والضبع، فذكر أن كلًّا منهما باسل لكنه أبسل منهما.

وَإِن مُدَّتِ الأَيدي إِلى الزادِ لَم أَكنُ

*بِأَعجَلِهِم إِذ أَجشَعُ القَومِ أَعجَلُ


يقول: إنه عفيفٌ يستطيع أن يتحكم في نفسه، وإن مُدت الأيدي إلى الزاد لا يكون عجولًا؛ لأن أجشع القوم هو أعجلهم.

وَما ذاكَ إِلاّ بَسطَةٌ عَن تَفَضُّلٍ

*عَلَيهِم وَكانَ الأَفضَلَ المُتَفَضَّلُ

وَإِنّي كَفانِي فَقدُ مَن لَيسَ جازِيًا

*ِبحُسنى وَلا في قُربه مُتَعَلَّلُ

ثَلاثَةُ أَصحابٍ فُؤادٌ مُشَيَّعٌ

*وَأَبيَضُ إِصليتٌ وَصَفراءُ عَيطَلُ

يقول: إنه يغنيه عن الذين يتركهم أولئك الذين لا يجازون بالحسنى حسنى، ولا يكون في قربهم فائدة، استعاض عنهم بثلاثة أصحاب هم: قلبه الجريء القوي، وسيفه المجرد من غمده، وقوسه الطويلة.

ثم أخذ في وصف القوس خاصة، فقال:

هَتوفٌ مِنَ المُلسِ المُتونِ يَزينُها

*رَصائِعُ قَد نيطَت إلَيها وَمِحمَلُ

“الهتوف”: المصوتة، و”المُلس”: التي لا عُقد فيها، و”الرصائع”: سيور تزين بها القوس، و”نيطت” أي: علقت. و”المحمل”: ما تحمل به.

إِذا زَلَّ عَنها السَهمُ حَنَّت كَأَنَّها

*مُرَزَّأَةٌ عَجلى تُرِنُّ وَتُعوِلُ

هذا في وصف القوس، يقول: إذا خرج منها السهم؛ سمعت لها صوتًا وحنينًا يُشبه صوت المرأة الكثيرة المصائب، التي تعول من الحزن.

ثم ينفي الشنفرى عن نفسه صفاتٍ سيئة؛ مفتخرًا بأنه بريء من هذه الصفات التي تنقص من شأن الرجال، فيقول:

وَلَستُ بِمِهيافٍ يُعَشّي سَوامَهُ

*مُجَدَّعَةً سُقبانَها وَهيَ بُهَّلُ

 “المهياف”: الذي يبعد بإبله لطلب المرعى على غير علم؛ فيعطشها. و”الثقبان”: الصغار من الإبل، و”المجدعة”: السيئة الغذاء؛ يصف نفسه بأنه لا يُعذب إبله بالإبعاد بها في المرعى؛ لأنه غير خبير.

وَلا جُبأَ أَكهى مُرِبٌّ بِعِرسِهِ

*يُطالِعُها في شَأنِهِ كَيفَ يَفعَلُ

الجُبَّأ: الجبان، والأكهى: الكدر الأخلاق، والأكهى: أيضًا البليد، والمرب: المقيم، يقول: إنه ليس كذلك ليس جبانًا، وليس كدر الأخلاق، وليس بليدًا، ولا يُقيم بجانب امرأته يستشيرها في ما يفعل.

وَلا خَرِقٍ هَيِّقٍ كَأَنَّ فُؤادَهُ

*يَظَلُّ بِهِ المُكَّاءُ يَعلو وَيَسفِلُ

ينفي عن نفسه أن يكون كذلك؛ الخرق: الأحمق، والهيق: الجبان، ويصف هذا الهيق بأن فؤاده يعلو ويسفل في صدره من الخوف.

وَلا خالِفٍ دارِيَّةٍ مُتَغَزَّلٍ

*يَروحُ وَيَغدو داهِنًا يَتَكَحَّلُ

“الخالف”: المتخلف والفاسد، و”الدارية”: الذي لا يفارق البيوت، و”متغزل”: الذي يغازل النساء، وكل هذه من الصفات التي ينفيها عن نفسه؛ لأنها لا تليق بمثله من الرجال الكرام.

وَلَستُ بِعَلٍّ شَرُّهُ دونَ خَيرِهِ

*أَلَفَّ إِذا ما رُعتَهُ اِهتاجَ أَعزَلُ

“العل”: الذي لا خير عنده، والصغير الجسم يشبه القراد، وكلمة “ألف”، معناها: عاجز لا يقوم بحرب، ولا يكرم ضيفًا، والأعزل: الذي لا سلاح معه؛ فهو ينفي عن نفسه أن يكون كذلك.

وَلَستُ بِمِحيارِ الظَلامِ إِذا اِنتَحَت

*هدى الهَوجِل العِسّيفِ يَهماءُ هَوجَلُ

المحيار: من الحيرة، وانتحت، أي: قصدت واعترضت، والهوجل: البليد، والعسيف: الماشي على غير هدى، و”يهماء” أي: لا علم بها، و”الهوجل”: الشديد المسلك، ينفي عن نفسه أن يكون متحيرًا في الصحراء إذا تحير غيره. ثم يقول الشنفرى -مثبتًا لنفسه صفات النُّبل:

أَديمُ مِطالَ الجوعِ حَتّى أُميتَهُ

*وَأَضرِبُ عَنهُ الذِكرَ صَفحًا فَأَذهَلُ

“أديم” تقديره: أنا أديم؛ فهي جملة في موضع الخبر والمبتدأ محذوف. و”أديم مطال الجوع” أي: أصبر عليه حتى أميته وأذهل عنه ولا أفكر فيه.

وَأَستَفُّ تُربَ الأَرضِ كَي لا يَرى لَهُ

*عَلَيَّ مِنَ الطَولِ اِمُرؤ مُتَطَوَّلُ

يقول: إنه لا يسمح لأحد أن يتفضل عليه بطعام، وأنه يفضل أن يستف التراب على أن يتفضل عليه أحد.

ثم يقول:

وَلَولا اجتِنابُ الذَّاَم يُلفَ

*مَشرَبٌ يُعاشُ بِهِ إِلّا لَدَيَّ وَمَأكَلُ

يقول: لولا أنه يتجنب الذم واللوم لاستطاع أن يكون عنده كل مشرب يلتذه الناس، وأن يكون عنده كل مأكل يحرص عليه الناس… يستطيع أن يكون غنيًّا؛ لكنه لا يريد أن يكسب الغنى إلا عن طريق شريفة، لا يكون مذمومًا بسببها.

وَلَكِنَّ نَفسًا مُرَّةً لا تُقيمُ بي

*عَلى الذَّامِ إِلّا رَيثما أَتَحَوَّلُ

هذا استدراك معناه: زيادة صفة على الصفات المتقدمة؛ فنفسه العفيفة التي لا تقيم به على الذام -أي: على الملام والذم- تحول بينه وبين الحال التي يمكن أن يذم بسببها:

وَأَطوي عَلى الخُمصِ الحَوايا

*كَما اِنطَوَت خُيوطَةُ مارِيٍّ تُغارُ وَتُفتَلُ

“الخمص”: الجوع، و”الحوايا”: ما يحوى في البطن. و”الخيوطة”: الخيط، و”الماري”: الفاتل، و”تغار” أي: تُفتل وتُحكم.

وَأَغدو عَلى القوتِ الزَهيدِ كَما غَدَا

*أَزَلُّ تَهاداهُ التَنائِفُ أَطحَلُ

“الزهيد”: القليل، و”الأذل”: صفة من صفات الذئب. و”التنائف”: واحدتها تنوفة، وهي الأرض أو الصحاري والبيداء، و”الأطحل”: الذي في لونه كدرة. يقول: إنه يغدو -أي: يصبح- مكتفيًا بالقوت الزهيد.

ثم يصف الذئب الذي شبه به نفسه في قوله: “كَما غَدَا أَزَلُّ…”؛ يصف هذا الذئب وحياته مع رفاقه من الذئاب، فيقول:

غَدا طاوِيًا يُعارِضُ الريحَ هافِيًا

*يَخوتُ بِأَذنابِ الشِعابِ وَيَعسَلُ

 الطاوي: الجائع، وهافيًا، أي: يذهب يمينًا وشمالًا من شدة الجوع، و”يخوت” أي: يخطف، و”الشعاب”: مسايل صغار، وأذنابها: أواخرها، ويعسل أي: يمر مرًّا سهلًا سريعًا.

فَلَمّا لَواهُ القوتُ مِن حَيثُ أَمَّهُ

*دَعا فَأَجابَتهُ نَظائِرُ نُحَّلُ

الضمير راجع إلى هذا الذئب الذي ذكره قبل، لواه أي: دفعه، وأمَّه أي: قصده، ونُحل: ضوامر، “أجابته نظائر”: أجابته ذئاب مماثلة له.

ثم يصف هذه الذئاب التي وصفها في البيت السابق بأنها نحل، فيقول:

مُهَلهَةٌ شِيبُ الوُجوهِ كَأَنَّها

*قِداحٌ بِكَفَّي ياسِرٍ تَتَقَلقَلُ

“مهلهة” أي: رقيقة اللحم، و”الياسر”: الذي يضرب بالقداح.

مُهَرَّتَهٌ فوهٌ كَأَنَّ شُدوقَها

*شُقوقُ العِصِيَّ كَالِحاتٌ وَبُسلُ

“مهرتة فوه” أي: مشقوقة الفم، و”البسل”: الكريهة المرأى، و”الشجاع”: باسل، و”مهرتة”: نعت لنظائر، أو خبر مبتدأ محذوف، أي: هي، و”كالحات” و”بسل”: نعتان لفوه، وفوه: معناها واسعة الأفواه.

ثم يقول الشنفرى -عن هذا الذئب ورفاقه:

فَضَجَّ وَضَجَّت بِالبَراح كَأَنَّها

*وَإِيّاه نوحٌ فَوقَ عَلياءَ ثُكَّلُ

“البراح”: الأرض الواسعة، و”العلياء”: البقعة، والفاعل في “ضج”: ضمير مستتر يعود على “الأزل”، بمعنى الذئب الذي ذكر في بيت سابق، والضمير في “ضجت” للذئاب النظائر النُّحل التي جاءت لهذا الذئب، كأنها: كأن هذه الذئاب، وإياه: وهذا الذئب؛ كأنهم نساء ثكل ينحن، شبه صوت الذئاب بصوت نساء تنوح، وهذه الذئاب تضج من الجوع.

ثم يقول:

وَأَغضى وَأَغضَت وَاتَّسى وَاتَّسَت بِهِ

*مَراميلُ عَزّاها وَعَزَّتهُ مُرمِلُ

“المراميل”: الذين لا أقوات لهم، وأغضى وأغضت مثل: ضج وضجت، واتسى -بالتشديد: افتعل من الأسوة، وهي الاقتداء.

شَكا وَشَكَت ثُمَّ اِرعَوى بَعدُ وَاِرعَوَت

*وَلَلصَّبرُ إِن لَم يَنفَع الشَكوُ أَجمَلُ

شكا هو الجوع، أي: الذئب، ونظائره شكت أيضًا، ثم ارعوى وارعوت، وصبر وصبرت؛ لأن الصبر -كما يقول: “إن لم ينفع الشكو أجمل”.

وَفاءَ وَفاءَت بادِراتٌ وَكُلُّهَا

*عَلى نَكَظٍ مِمّا يُكاتِمُ مُجمِلُ

“النكظ”: شدة الجوع، و”بادرات” أي: مُستعجلات، وكلمة “كلها” مبتدأ، وخبرها قوله: مُجْمِل، “وفاء وفاءت بادرات”: بادرات: حال، والفاعل في “فاء” للذئب، وفي “فاءت” للذئاب، وكلها على نقذ مما يكاتم مجمل: وكل من هذه الذئاب على الرغم مما يعانيه من الجوع متجمل ومتحمل وصابر… والشنفرى في هذه الأبيات يتحدث عن نفسه وعن رفاقه من الصعاليك أمثاله؛ فالذئاب معادل موضوعي للصعاليك.

ثم رجع بالحديث إلى نفسه، فقال:

وَتَشرِبُ أَسآرِيَ القَطا الكُدرُ بَعدَما

*

سَرَت قَرَبًا أَحناؤُها تَتَصَلصَلُ

و”أحناؤها” أي: جوانبها، والضمير يعود إلى القطع، و”تتصلصل” أي: تصوت، يقول: إن هذه القطا ترد الماء بعد أن يرد هو؛ فإذا تسابقا إلى الماء سبقها.

هَمَمتُ وَهَمَّت وَاِبتَدَرنا وَأَسدَلَت

*وَشَمَّرَ مِنّي فارِطٌ مُتَمَهَّلُ

أسدلت أي: كفت عن العدو، أي: هذه الطيور -طيور القطا- كفت عن العدو؛ لأنها رأته يسبقها، وفارط القوم: المتقدم عليهم، و”همت” فعل ماض، والضمير فيه راجع إلى القطا، يعني: أنه وإياها قصدا الورد -أي: الشُّرب- فسبقها إليه.

فَوَلَّيتُ عَنها وَهَي تَكبو لِعَقرِهِ

*ُتباشِرُهُ مِنها ذُقونٌ وَحَوصَلُ

يقول: إنه غادر القطا وهي تتساقط إلى الماء لتشرب.

ثم يقول الشنفرى:

فَإِن تَبتَئِس بِالشَنفَرى أُمُّ قَسطَلٍ

*لَما اِغتَبَطَت بِالشَنفَرى قَبلُ أَطوَلُ

“تبتئس” أي: تلقى بؤسًا من فراقه، و”القسطل”: الغبار، و”أم القسطل” المراد: الحرب، وقوله: “لما اغتبطت”: جواب قسم محذوف، يقول: إن تبتئس الحرب لفراقي إياها وقتًا؛ فقد اغتبطت كثيرًا بي قبل ذلك.

ثم يخبر عن نفسه فيقول:

طَريدُ جِناياتٍ تَياسَرنَ لَحمَهُ

*عَقيرَتُهُ لأَيَّها حُمَّ أَوَّلُ

“تياسرن” أي: اقتسمن لحمه، و”عقيرته”: نفسه، و”طريد الجنايات”: يعني نفسه بذلك.

تَنامُ إِذا ما نامَ يَقظى عُيونُها

*حِثاثًا إِلى مَكروهِهِ تَتَغَلغَلُ

“تنام” الفاعل فيه يعود إلى الجنايات، و”حثاثًا” أي: سراعًا، يقول: إذا قصر الطالبون عني بالأوتار؛ لم تقصر الجنايات؛ فجناياته تطلبه.

وَإِلفُ هُمومٍ ما تَزالُ تَعودُهُ

*عِيادًا كَحُمّى الرَبعِ أَو هِيَ أَثقَلُ

يقول: إنه إلف أو آلف للهموم، متعود عليها، تعوده وتزوره كحمى الربع -نوع من الحمى- أو هي -هذه الهموم- أثقل من هذه الحمى.

يقول:

إِذا وَرَدت أَصدَرتُها ثُمَّ إِنَّها

*تَثوبُ فَتَأتي مِن تُحَيتٍ وَمِن عَلُ

يقول -عن الهموم: إنها إذا وردت عليه أذهبها، ثم إنها ترجع إليه بعد ذلك من تحت ومن فوق.

ثم يقول الشنفرى:

فَإِمّا تَرَيني كَاِبنَةِ الرَملِ ضاحِيًا ُ

*عَلى رِقَّةٍ أَحفى وَلا أَتَنَعَّل

فَإِنّي لَمَولى الصَبرِ أَجتابُ بَزَّهُ

*عَلى مِثلِ قَلبِ السِمعِ وَالحَزمَ أَفعَلُ

“ابنة الرمل”: البقرة الوحشية، و”ضاحيًا” أي: بارزًا للبرد والحر، و”الرقة”: يريد رقة الحال، و”أحفى” أي: أسير بلا نعلين. وقوله: “لا أتنعل”: وصف مؤكد. وقوله: “إني لمولى الصبر”: المولى: هو الولي، أي: صاحب الصبر، وأجتاب: أقطع، والسمع: ولد الذئب من الضبع، وأجتاب: من جبت القميص: إذا قطعته لتلبسه، أي: ألبس الصبر شديد النفس، و”الحزم أفعل”، أي: أفعل الحزم.

وَأُعدِمُ أَحيانًا وَأَغنى وَإِنَّما

*يَنالُ الغِنى ذو البُعَدةِ المُتَبَذَّلُ

فَلا جَزعٌ مِن خَلَّةٍ مُتَكَثَّفٌ

*وَلا مَرحٌ تَحتَ الغِنى أَتَخَيَّلُ

يقول: إنه يجرب الفقر أحيانًا، ويأتيه الغنى أحيانًا، ولا ينال الغنى إلا ذو الهمة البعيدة، ويثني على نفسه بأنه لا يجزع عند الفقر، ولا يختال ولا يتبطر عند الغنى.

وَلا تَزدَهي الأَجهالُ حِلمي وَلا أُرى

*سئولًا بِأعقابِ الأَقاويلِ أَنمُلُ

“الأجهال”: جمع جهل، وأنمل أي: أنم، يترفع بنفسه عن أن يكون خفيفًا يستخفه الأجهال، أو أن يكون سئولًا وأن يكون نمامًا.

ثم يصف الشنفرى مغامرة له في ليلة شاتية قاسية البرد، وصفها بقوله:

وَلَيلَةِ نَحسٍ يَصطَلِيَ القَوسَ رَبُّها

*وَأَقطُعَهُ اللائي بِها يَتَنَبَّلُ

يقول: إنها ليلة باردة صاحب القوس؛ أشعل فيها النار ليتدفأ عليها؛ لكنه يخبر عن نفسه في هذه الليلة، فيقول:

دَعَستُ عَلى غَطشٍ وَبَغشٍ وَصُحبَتي

* سُعارٌ وَإِرزيزٌ وَوَجرٌ وَأَفكُلُ

“الإرزيز” أي: الثبوت، والوجر: الخوف، والأفكل: الرعدة.

ثم يصف فعله في هذه المؤامرة، فيقول:

فَأَيَّمتُ نِسوانًا وَأَيتَمتُ إلَدَةً

*وَعُدتُ كَما أَبدَأتُ وَاللَيلُ أَليَلُ

ويستمر الشنفرى إلى آخر هذه القصيدة العجيبة يصف حياته وحياة إخوانه من الصعاليك وصفًا دقيقًا مؤثرًا، ويثبت له ولهم شجاعة وإقدامًا ونبلًا منقطع النظير.

بهذا نكون قد انتهينا من النصوص الجاهلية التي تساعدك على تصور الحياة العربية في العصر الجاهلي بكل جوانبها واتجاهاتها وعادات الناس فيها وأخلاقهم، السيئ منها والحسن.

error: النص محمي !!