Top
Image Alt

الشيعة الزيدية

  /  الشيعة الزيدية

الشيعة الزيدية

هذا ومن فرق الشيعة: الزيدية، وتُعدّ الزيدية إحدى الفرق الشيعية الكبرى إضافة إلى الإمامية الإثنا عشرية، والإسماعيلية، وتُنسب الزيدية إلى الإمام زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقد تلقَّى العلم عن والده زين العابدين علي بن الحسين، ثم عن أخيه الأكبر محمد الباقر، وتنقَّل في البلاد الشامية والعراقية بحثًا عن العلم أولًا، وعن تولي آل البيت الإمامة ثانيًا، وكان تقيًّا شجاعًا، ويقال: إنه اتصل برأس المعتزلة واصل بن عطاء، وتدارس معه العلوم، وتأثر به وبأفكاره التي نقل بعضًا منها إلى الفكر الزيدي، وبالمقابل تتلمذ أبو حنيفة على إمام زيد، وأخذ منه العلم.

لم يكن فقه الإمام زيد قد دُوّن في حياته، ومع ذلك فالزيدية ينسبون إليه كتابين يُعتبران عماد الفقه الزيدي، الأول: المجموع في الحديث والآخر المجموع في الفقه، وهما مجموعان في كتاب واحد اسمه (المجموع الكبير)، وراوي هذين الكتابين عن الإمام زيد تلميذه أبو خالد عمرو بن خالد الواسطي، وقد اتهمه أهل الحديث بالوضع والكذب.

أما مكان انتشارهم فتُعتبر اليمن أهم مكان لوجود المذهب الزيدي، ويرتبط دخول الزيدية إلى اليمن بالإمام الهادي يحيى بن الحسين الذي عكف على دراسة الفقه على مذهب زيد، ومذهب أبي حنيفة، ورحل إلى اليمن سنة مائتين وثمانين من الهجرة فوجدها أرضًا صالحة لبذر آرائه الفقهية، لكن الإمام الهادي عاد بعد ذلك إلى الحجاز ولم يكن قد دعا إلى إمامته في هذه المرحلة، وأحس أهل اليمن بالفراغ الذي تركه فراسلوه ليرجع إليهم، فأجابهم. وعاد إلى اليمن سنة مائتين وأربع وثمانين من الهجرة، واستقر في صعُدة بشمال اليمن، وأخذ منهم البيعة على إقامة الكتاب والسنة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واستمر حكم الأئمة الزيدين لليمن حتى قيام الثورة اليمنية سنة ألف وثلاث مائة واثنين وثمانين من الهجرة، ألف وتسعمائة واثنين وتسعين من الميلاد على أنقاض المملكة المتوكلية اليمنية، وهي أطول فترة حكم في التاريخ لآل البيت استمرَّت أحدى عشر قرنًا من الزمان.

ورغم عدم وجود إحصاء رسمي دقيق عن نسبة الزيدية في اليمن إلا أن بعض المصادر تشير إلى أنهم يُشكّلون حوالي ثلاثين إلى خمس وثلاثين في المائة من سكان اليمن الموحد؛ حيث إن الزيديين يتركّزون في المحافظات الشمالية من اليمن الشمالية مثل: صنعاء وصعدة وحجة وزمار، بينما ينتشر السنة الشافعية في المحافظات الوسطى والجنوبية مثل: تعز وإب والحديدة ومأرب وعدن وحضر موت، بل الجنوب بأكمله؛ حيث إن ما كان يعرف باليمن الجنوبي سكانه سنة على مذهب الإمام الشافعي، وكانت بعض المصادر تشير إلى أن نسبة الزيدية تُشكل خمسة وأربعين في المائة من اليمن الشمالي، وباحتساب عدد السكان في الشمال والجنوب تكون النسبة من ثلاثين إلى خمس وثلاثين في المائة في اليمن الموحد، هي نسبة واقعية ومقبولة ،مع ملاحظة أن الجنوب بالرغم من كبر مساحته هو أقل سكانًا من الشمال، وأن المحافظات السنية هي في الغالب أكثر سكانًا المحافظات التي يكثر فيها الزيدية، خاصة محافظة تعز التي يصل عدد سكانها إلى مليوني نسمة من أصل عشرين مليونًا أو أكثر قليلًا هم سكان اليمن شماله وجنوبه.

وبالإضافة إلى الوجود التاريخي للزيدية في اليمن، فإنه كانت هناك دعوات زيدية في طبرستان والجبل والديلم في بلاد فارس، وأسست لهم دول لكنها لم تعمر طويلًا، ومنها حركة الحسن بن زيد بن محمد الملقب الداعي إلى الحق، والذي ظهر سنة مائتين وخمسين هجرية في طبرستان ثم احتلَّ آمل وساري والري وجرجان، وكومس هازم بنى طاهر ثم تُوفي سنة مائتين وسبعين هجريًّا، واستمرت تلك الدولة خمسة وتسعين عامًا من مائتين وخمسين إلى ثلاثمائة وخمس وأربعين من الهجرة.

وكذلك دولة البوهيين من سنة ثلاث مائة وأربع وثلاثين إلى سنة أربعمائة سبع وأربعين من الهجرة في بلاد فارس، والتي سيطرت على بغداد عاصمة الخلافة العباسية قيل: إنها زيدية جارودية. أما فرق الزيدية فقد خرجت عن الزيدية ثلاث فرق طعن بعضها في الشيخين، كما مال بعضها عن القول بإمامة المفضول، وهذه الفرق هي الجارودية أصحاب أبي الجارودية زياد بن أبي زياد، وهم غالبية الزيدية اليوم في اليمن، اثنان السليمانية أصحاب سليمان بن جرير، ويقال لها أيضًا: الجريرية، ثلاثة البترية أصحاب النوى الأبتر والحسن بن صالح، ويقال لها: الصالحية.

أهم الأفكار لم كانت الزيدية إحدى فرق الشيعة، فإنها توافق بعض عقائد الشيعة الإثنا عشرية الذين يُشكلون العدد الأكبر من الشيعة اليوم، لكنهم أقرب الشيعة لأهل السنة لعدم غلوّهم. فالزيدية يتفقون مع الشيعة في أحقية الإمام أهل البيت دون النص على فرض معين، ويجوّزن البداء على الله، ويعينون ذكاة الخمس، وفي جواز التقية إذا لزم الأمر، ويقولون حي على خير العمل في الأذان، ويرسلون أيديهم في الصلاة، ويعدون صلاة التراويح بدعة، ويرفضون الصلاة خلف الفاجر، ولا يطعنون في الصحابة كالشيعة الإمامية، بل يتردون على الخلفاء والصحابة.

الإمامة عند الزيدية يُجيز الزيدية أن يكون الإمام في أولاد فاطمة سواء من نسل الحسن أم من الحسين، وليس كالشيعة الإمامية التي تحصر الإمامة في ذرية الحسين فقط، والإمامة عندهم ليست بالنص، وليست وراثية؛ بل تقوم على البيعة، ويتم اختيار الإمام من قِبَل أهل الحل والعقد. ويجيزون وجود أكثر من إمام واحد في وقت واحد في بلدين مختلفين، وتقول الزيدية بإمامة المفضول مع وجود الأفضل؛ إذ لا يشترط عندهم أن يكون الإمام أفضل الناس جميعًا، ومعظمهم يقرون بصحة خلافة أبا بكر وعمر وعثمان مع مؤاخذته على بعض الأمور.

ويميل الزيديون إلى مذهب الاعتزال فيما يتعلق بذات الله وصفاته والجبر والاختيار، ومرتكب الكبيرة يعتبرونه في منزلة بين المنزلتين كما تقول المعتزلة، ولكنه غير مخلّد في النار؛ إذ يعذب فيها حتى يطهّر من ذنبه ثم ينتقل إلى الجنة، كما قالوا بوجوب الإيمان بالقضاء والقدر مع اعتبار الإنسان حرًّا في طاعة الله أو في عصيانه، وفصلوا بين الإرادة وبين المحبة أو الرضا، وهو رأي أهل البيت من الأئمة.

ونتيجة للأوضاع التي عاش بها الإمام زيد أسس مذهبًا فقهيًّا يجمع بين فقه أهل البيت والاعتزال، وأسس قاعدة مشروعية الخروج على الحاكم الظالم، وهي القاعدة التي طبَّقها الزيدية جيلًا بعد جيلٍ، وقد قاد الإمام زيد ثورة ضدّ الأمويين زمن هشام بن عبد الملك سنة مائة واثنين وعشرين من الهجرية مدفوعًا من أهل الكوفة الذين سرعان ما تخلَّوا عنه، عندما علموا أنه لا يتبرأ من الشيخين أبي بكر وعمر ولا يلعنهما، وقد التقى بالجيش الأموي وما معه سوى خمسمائة فارس، وقيل مائتين فقط؛ حيث أصيب بسهم قضى عليه.

إذا الملامح الشيعية واضحة في المذهب الزيدي رغم اعتدالهم ومخالفتهم للإمامية في كثير من الأصول والفروع، كما أن فكر المعتزلة له أيضًا وجوده الواضح في حياة الزيدية وأفكارهم، كما هو بالنسبة للإمامية أو الشيعة. وأما نظرة الإثنا عشرية إلى الزيدية على الرغم أن الزيدية تعدّ إحدى فرق الشيعية إلا أن الزيدية كانتلها نصيب وافر من كره وحقد الإمامية، والإفتاء بكفرهم واعتبارهم نواصب، ذلك أن الشيعة يؤمنون بكفر الكل من لا يؤمن الأئمة الإثنى عشر. فروى الكوليني في كتابه (الكافي) حديثًا عن عبد الله بن المغيرة قال: قلت لأبي الحسن عليه السلام: “إن لي جارين أحدهما ناصب والآخر زيدي، ولا بد من معاشرتهم فمن أعاشر؟ قال: هما سيان من كذب بآية من كتاب الله فقد نبذ الإسلام من وراء ظهره، وهو المكذّب بجميع القرآن والأنبياء والمرسلين”. وقال: “إن هذا نصب لك، وهذا الزيدي نصب لك”.

ويقول إحدى علمائهم، وهو محمد الموسوي الشيرازي، الملقب بسلطان الواعظين في كتاب (ليالي بشاور): “إنما الشيعة مذهب واحد، وهم المطيعين لله وللرسول محمد صلى الله عليه وسلم والأئمة الإثنى عشر -عليهم السلام-، ولكن ظهرت مذاهب كثيرة لدواعي دنيوية وسياسية زعمت أنها من الشيعة، ونشروا كتبًا على هذا الأساس الباطل من غير تحقيق وتدقيق.

وأما المذاهب التي انتسبت إلى الشيعة عن جهلٍ أو عن عمد لأغراض سياسية ودنيوية، فهي أربع مذاهب أولية، وقد اضمحلّ منها مذهبان وبقي مذهبان، تشعبت منها مذاهب أخرى؛ والمذاهب الأربعة: هي الزيدية، الكيسيانية، القداحية، الغلاة. وفي المقابل كان علماء الزيدية إلا من شذّ منهم يعرفون ضلال الشيعة الروافض، ويحذرون منهم، ويتساوى في ذلك الإثنا عشرية والجارودية، والقسم من الزيدية عُرفوا بالغلو والميل إلى الرفض والتشيع، كما هو معلوم عنهم.

error: النص محمي !!