Top
Image Alt

الشُّبهة السابعة والرد عليها

  /  الشُّبهة السابعة والرد عليها

الشُّبهة السابعة والرد عليها

مما أثاره الشانئون حول أبي هريرة رضي الله عنه أنهم تكلموا على أنه مغمور النسب، وحجتهم في ذلك: أنه قد اختلف في اسمه في الجاهلية على أكثر من ثلاثين قولًا، كما وردت بذلك بعض الروايات.

وللرد على هذه الشبهة أقول: لا أدري – والله- أي شيء يضر الاختلاف في الاسم، وكيف ينقص ذلك من مكانة الرجل؟!

وقضية أنها ثلاثون اسمًا أو نحوها قد ردَّ عليها ابن حجر رحمه الله، فقال -وذلك ثابت في (الإصابة) وغيره: “فعند التأمل لا تبلغ الأقوال عشرة خالصة، ومرجعها من صحة النقل –أي: في الروايات الصحيحة التي نعتمد عليها- إلى ثلاثة؛ إلى عمير، وعبد الله، وعبد الرحمن.

وأيًّا ما كان الاختلاف! حتى لو قلنا: على مائة قول، ما الذي يضيره في ذلك؟ أم أنها ترهات يتشدق بها الشانئون والمبغضون من الروافض ومن سار في فلكهم.

إن كثيرًا من الصحابة رضي الله عنهم لا نعرف لهم تاريخًا قبل الإسلام، وليس المطلوب أن نعرف لهم تاريخًا قبل الإسلام، فالإسلام جاء وكل واحد على ما كان عليه من أمره في الجاهلية؛ سواء كان من قبيلة كبيرة، أو من قبيلة صغيرة، وسواء كان يفعل الكبائر، أو كان لا يفعل الكبائر، وسواء كان كذا أو كذا، فما يهمنا هو ما كان منه في الإسلام.

ونفصل الرد هنا من عدة وجوه:

أولًا: كما قلنا: هذا شأن الصحابة كلهم أو كثير منهم؛ لا نعلم تفاصيل حياتهم قبل إسلامهم، وهذا شيء لا يضرهم أبدًا؛ لأن علاقتهم بالإسلام بدأت منذ إسلامهم، فإن الجاهلية لم يكن لها منهج، ولم تكن لها شريعة حتى نقول: إنهم أخطأوا فيها أو أصابوا، أو ما شاكل ذلك، إنما كانت تحكمهم عادات وتقاليد وأخلاق أهل الجاهلية، بما فيها من طيب وغثٍّ، فلم تكن كلها سيئة، ولم تكن كلها طيبة؛ لأنها كانت تعتمد على الأعراف والتقاليد، ولا تعتمد على منهج من عند الله تبارك وتعالى.

وأيّا ما كان الأمر؛ فإن الاختلاف في اسم أبي هريرة لا يضره، واصطلح على اسمه بأنه عبد الرحمن بن صخر، واستقرت المسألة على هذا النحو، وصارت الكتب تعرفه بهذا الاسم.

ثانيًا: أبو هريرة من قبيلة دوس، وهي قبيلة عربية معروفة مشهورة تسكن اليمن، وهي ذات شرف ومكانة في الجاهلية، وهذا أمرٌ مقرر ويستطيع أي باحث أن يعرف تاريخ قبيلة دوس في الكتب التي تتعرض لتاريخ القبائل، ونحن حينما بدأنا الحديث عن أبي هريرة قلنا: إنه داخل في مدح النبي صلى الله عليه وسلم لأهل اليمن في الحديث الذي عند مسلم: ((أتاكم أهل اليمن؛ ألين قلوبًا، وأرق أفئدة، الإيمان يمان، والحكمة يمانية)). والحديث ورد بعدة روايات قريبة من هذا اللفظ، وكلها في فضائل أهل اليمن، وعند مسلم وغيره.

ثالثًا: أبو هريرة رضي الله عنه اشتُهر بكنيته: “أبو هريرة”، وكثير من الصحابة أيضًا اشتهروا بكنيتهم، وأصبحت الكنية كأنها عَلَم عليهم، لا يُذكرون إلا بها، بل إن كثيرًا من المسلمين الآن -بل من بعض طلاب العلم- لو سألناهم عن بعض أسماء الصحابة الذين اشتهروا بكناهم، فلن يستطيعوا أن يجيبوا، وذلك لا ينقص منهم؛ قد يكون عيبًا -وخصوصًا عند المتخصصين- لكن بشكل عام ذلك لا ينقص من قدرهم شيئًا؛ لأن الصحابة معروفون، فمثلًا أبي بكر الصديق: هناك كثيرٌ من المسلمين لا يعرفون بأن اسمه: عبد الله بن عثمان، وعثمان هو أبو قحافة.

وكذلك أبو أيوب الأنصاري، وأبو الدرداء، وأبو قتادة، وأبو أمامة الباهلي… كثيرٌ من الصحابة اشتهروا بكناهم، ولو سألنا بعض المسلمين -بل أقول بعض طلاب العلم- فإنه قد لا يعرف اسمه الأصلي، وهذا أمرٌ طبيعي، فحين يشتهر الإنسان بكنيته قد يغيب اسمه عن كثير من الناس.

إذًا أبو هريرة سجله ناصع، وتاريخه مشرّف، وكل شأنه في ذلك شأن كثير من الصحابة الذين لا نعرف تاريخهم قبل الإسلام، لكنهم منذ إسلامهم شرفهم الله تعالى بالإسلام، وأعلى شأنهم ورفع قدرهم به، وجاهدوا في سبيل الله وبلّغوا الدعوة، وأصبحوا قرّاء للقرآن، ورواة للسنة، وغير ذلك من وجوه الفضل التي أناطها الله -تبارك وتعالى- بالصحابة رضي الله عنهم، وأبو هريرة شأنه في ذلك شأن الصحابة الكرام العظام، ذاك الجيل المبارك.

error: النص محمي !!