Top
Image Alt

الشُّبهة العاشرة والرد عليها

  /  الشُّبهة العاشرة والرد عليها

الشُّبهة العاشرة والرد عليها

قالوا: كان هناك خلاف بين أبي هريرة وبين الخلفاء الراشدين، وعلى رأسهم عمر، ويقولون: إن عمر رضي الله عنه قد ضربه بالدرة؛ لأنه أكثر الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقولون: إنه هدده بالنفي.

أقول: إن الشانئين مغرضون ومبغضون لكل شأن يتعلق بالسنة، ولأبي هريرة؛ لذلك فهم يحرفون الكلم عن مواضعه، ولا ينقلون الروايات بدقة وبأمانة.

فقد ذكروا رواية للسائب بن يزيد رضي الله عنه وهذه الرواية ذكرها ابن كثير رحمه الله في (البداية والنهاية) حين ترجم لأبي هريرة- قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول لأبي هريرة: “لتتركن الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو لألحقنك بأرض دوس.

ومع فرض صحة هذه الرواية – فكل الذي فعله عمر رضي الله عنه مع أبي هريرة أنه نهاه عن كثرة الحديث، فلم يكذبه؛ إذ من خصائص السنة في عصر الصحابة أنهم كانوا يقللون جدًّا من الرواية مخافة الخطأ؛ ثم إن الصحابة كانوا أيضًا يتثبتون؛ فحينما يقول فلان: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وكذا- يطلبون منه أن يأتي بشاهد على ما يقول، أو نحو ذلك.

ولم يحدث ذلك مع أبي هريرة فحسب، فقصة عمر مع أبي موسى الأشعري في قصة الاستئذان- مشهورة، إذ حين استأذن أبو موسى على عمر ثلاث مرات فلم يؤذن له فرجع، وأرسل عمر في إثره: لماذا رجعت وانصرفت؟ قال: سمعت حديث النبي صلى الله عليه وسلم: ((من استأذن ثلاثًا فلم يؤذن له فليرجع))، والحديث في الصحيحين؛ فقال عمر رضي الله عنه لأبي موسى: لتأتينني بأحد يشهد لك على هذا الحديث، أو لأفعلن بك كذا وكذا، فهل كان عمر كان يكذّب أبا موسى رضي الله عنه؟!

أيضًا، فَعل أبو بكر الصديق ذلك مع المغيرة بن شعبة، حين جاءت الجدة تسأل حقها في الميراث، وقال لها: لا أجد لك في كتاب الله شيئًا، ولا أعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى لك بشيء، وجاء المغيرة بن شعبة رضي الله عنه وشهد عند أبي بكر أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاها السدس، فطلب منه أبو بكر أن يأتي بشاهد آخر معه، فهل كان الصديق يكذّب المغيرة؟!

نحن نعلم أن من منهج الصحابة أنهم يعلمون أنهم جميعًا ثقات عدول بتعديل الله -تبارك وتعالى- لهم، وبتعديل النبي صلى الله عليه وسلم لهم، ولا يكذّب بعضهم بعضًا، ومرت بنا روايات كثيرة في هذا، إنما هذا منهج في التثبّت أسسوه للأمة من بعدهم، حفاظًا على السنة وصيانة لها.

إذًا لماذا تؤخذ الرواية المتعلقة بأبي هريرة، ثم تحرف وتشوه، ثم تفسر بالهوى، مع أن عمر رضي الله عنه أذن لأبي هريرة رضي الله عنه بعد ذلك في التحديث؟!

ففي (البداية والنهاية) أيضًا، وفي (سير أعلام النبلاء) في ترجمة أبي هريرة رضي الله عنه يقول: بلغ عمر حديثي فأرسل إليَّ فقال: كنت معنا يوم كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت فلان؟ قال: قلت: نعم، وقد علمت لمَ تسألني عن ذلك؟ قال: ولم سألتك؟ قلتُ: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يومئذ: ((من كذَب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار))، قال: أما إذًا فاذهب فحدِّث. فعمر رضي الله عنه يذكّره بموقف قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: ((من كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار))، فلما وجد أبا هريرة واعيًا مدركًا لهذا الحديث قال: اذهب فحدث إذًا.

وهذا يوضح جدًّا أن كل عتب عمر على أبي هريرة أو على غيره إنما هو كثرة التحديث التي قد تؤدي إلى الخطأ، لكن لما اطمأن إلى حفظه، وإتقانه سمح له بالتحديث، ولم يزد عمر على ذلك في موقفه مع أبي هريرة.

إذًا هو لم يضربه ولم يكذبه، ولم يردَّ عليه روايته… إلى آخر الكذب الذي ذكروه في هذا الأمر.

بل إن بعضهم يقول: إنه لم يهدده بالنفي إلى جبال دوس؛ فقد ورد عند الإمام أحمد- رحمه الله- بسنده أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: “أخذت الناس ريحٌ بطريق مكة -وعمر بن الخطاب حاجٌّ- فاشتدت عليهم، فقال عمر لمن حوله: من يحدثنا عن الريح؟ فلم يرجعوا إليه شيئًا فبلغني الذي سأل عنه عمر من ذلك، فاستحثثت راحلتي حتى أدركته، فقلت: يا أمير المؤمنين، أخبرت أنك سألت عن الريح، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((الريح من روح الله، تأتي بالرحمة وتأتي بالعذاب، فإذا رأيتموها فلا تسبوها، وسلوا الله خيرها، واستعيذوا به من شرها))”. ولم يكذّبه عمر، ولم يرد عليه روايته.

وأمر آخر معروف عند كثير من الصحابة، أنه لما مات النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: أين ندفنه؟ إذ لم يكن قد سمعوا في ذلك شيئًا من النبي صلى الله عليه وسلم؛ وكان الخبر عند أبي بكر رضي الله عنه فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((ما من نبي يموت إلا ويدفن في الموطن الذي مات فيه)). فوجدوا الإجابة عند أبي بكر رضي الله عنه.

وأيضًا حين بلغ عمررضي الله عنه وهو ذاهب إلى الشام خبر الطاعون توقَّف! ولما قال له أحد الصحابة: أتفر من قدر الله؟! قال: نفرُّ من قدر الله إلى قدر الله، إلى أن جاء عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وأخبرهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا وقع الطاعونُ بأرضٍ وأنتم بها؛ فلا تخرجُوا فرارًا منه، وإذا وقع بأرضٍ ولستم بها فلا تدخلوا عليه)).

أيضًا، قد ادعى النظّام من المعتزلة أن عثمان رضي الله عنه قد كذّب أبا هريرة، وأنه منعه من التحديث!

وكل الذي ورد في ذلك رواية رواها الرامهرمزي في (المحدث الفاصل) بسنده إلى السائب بن يزيد، يحدث قال: “أرسلني عثمان بن عفان إلى أبي هريرة رضي الله عنه يقول له: يقول لك أمير المؤمنين: ما هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد أكثرت! لتنتهين أو لألحقنك بجبال دوس”.

وهذه الرواية هي نفس التي ذكرناها عن عمر رضي الله عنه، فيحتمل أن يكون فيها لَبس، أو أن هذا الموقف قد حدث مع عمر ومع عثمان رضي الله عنها.

والأغلب أن الموقف حدث مع عمر رضي الله عنه ورددنا عليه منذ قليل.

وهذه الرواية حتى لو صحت عن عثمان، فنرد عليها نفس الرد، وهو أنه ليس فيها طعن على أبي هريرة، وليس فيها تكذيب له، إنما فقط ينهاه عن الإكثار من الرواية إذا لم تكن هناك حاجة إليها، ونفس منهج عثمان هو منهج عمر هو منهج أبي بكر، ومنهج الصحابة، في التثبت من رواية السنة، والتشدد في أمرها صيانة لها وحفاظًا عليها.

هذا، وأبو هريرة رضي الله عنه كان من المدافعين عن الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه يوم الدار.

أما بالنسبة لعلي رضي الله عنه فلا يوجد في مصدر موثوق به ما يدل على أنه كذّب أبا هريرة، أو نهاه عن التحديث، فالكلام في ذلك مردود على أصحابه، وعليّ كان بالكوفة بعد توليه الخلافة، وأبو هريرة كان بالمدينة.

فكل ذلك لصق زورًا وبهتانًا بالخلفاء، والثابت هو نهي عمر مع عدم تكذيبه، أو تهديده بإخراجه من المدينة، إنما كان ذلك تشددًا في أمر السنة، وقلنا: إن عمر قد فعل ذلك مع كثير من الصحابة، وكذلك أبو بكر وغيرهما، وكان القصد هو التشدد في أمر السنة والصيانة له.

وأبو هريرة رضي الله عنه لم يكن له موقف مع أبي بكر من الأصل؛ لأن خلافة أبي بكر كانت مدة وجيزة، وقد تكلمنا عن الخلفاء الثلاثة.

إذًا قضية أن الخلفاء هددوه، أو ردوا عليه حديثه دحضناها بالأدلة، ومن خلال أقوال العلماء، ولذلك لا نجد اهتمامًا بها في مصادرنا المعتمدة التي تكلمت عن الصحابة، مثل (الإصابة) ومثل (أسد الغابة) ومثل (الاستيعاب) وغيرها التي ترجمت للصحابة، وعرَّفت بمنزلة وقدر أبي هريرة رضي الله عنه.

error: النص محمي !!