Top
Image Alt

الصحائف، ويمثلها صحيفة همام بن منبه

  /  الصحائف، ويمثلها صحيفة همام بن منبه

الصحائف، ويمثلها صحيفة همام بن منبه

يجدر بنا في هذا الدرس أن نتكلم عن بعض الأنواع من التأليف التي نشأت في هذه الفترة، والتي هي موجودة بين أيدينا، وتُعطي صورةً لبدايات تدوين السنة التدوين الشامل، فهناك الصحف والجوامع، وهناك المؤلفات في السير والمغازي، وهناك التصنيف في أحد الأبواب.

ونقف عند نموذج لكل نوع:

أما بالنِّسبة للصحف، فقد رأينا في هذا العصر صحفًا مستقلة، وإن كنا نراها الآن مبثوثة بين كتب الحديث، ومما روي مستقلًّا منها حتى عصرنا هذا ونشرت نشرًا مستقلًّا، صحيفة همام بن منبه الصنعاني، وهذه الصحيفة كتبها همام بن منبه عن الصحابي الجليل أبي هريرة رضي الله عنه وهي تعطي صورة للصحائف التي نشأت منذ عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أنها تعطي صورةً لكتابة السنة في عهد الصحابة وفي عهد التابعين، بالإضافة إلى ما قلنا قبلُ من أنه وُجدت صحف للصحابة أنفسهم؛ كصحيفة سمُرة بن جندب التي كتبها لبنيه، وهي عبارة عن أكثر من مائة حديث في موضوعات مختلفة، ورواها البزّار في موضع واحد من مسنده الذي يسمى (البحر الزخار) وصحيفة جابر التي روى مسلم جزءًا منها، وهو حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحيفة علي بن أبي طالب التي كتبت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

نقول: إنّ صَحيفة همام تعطي نموذجًا لهذه الصحف:

أولًا: معنى الصحيفة هنا ليس معنى صحيفة الكتاب كما نتواضع عليه الآن، وإنما معنى الصحيفة: الأوراق المكتوبة؛ ففي صحيفة “همام بن منبه” مائة وتسع وثلاثون حديثًا، هذا كم كبير من الأحاديث يستغرق أكثر من صحيفة، فالصحيفة هنا بمعنى الكُتيِّب، وصحيفة همام بما فيها من هذه الأحاديث الكثيرة -إلى حدٍّ ما- في موضوعات مختلفة، وبدون ترتيب؛ فمرة نجد حديثًا في الصلاة ومرة نجد حديثًا في الزكاة، ومرة نجد حديثًا في الإيمان، وكذا وكذا… إلى آخره، وربما هناك أحاديث في موضع واحد تفرقت على مدى الصحيفة، فهذا أيضًا يمكننا أن نقول فيه: إنه لم تكن الصحف في ذلك العهد لها ترتيب خاص، وهذا شيء طبيعي؛ لأن التنظيم والترتيب والتبويب إنما نشأ بعد ذلك، وإذا كان (الموطأ) قد قدمه الإمام مالك على صورة من التبويب والترتيب والتنظيم الفقهي في أغلبه، فإن الإمام مالكًا إنما أتى بعد ذلك، وإن كان أيضًا يعتبر تأليفًا في فترة الإمام مالك -القرن الثاني بهذه الصورة المنظمة- يعتبر مبكرًا، وربما لا يوجد في أي أمة من الأمم هذا التنظيم في بداية التأليف عند هذه الأمة أو تلك.

على كل حال، صحيفة همام بن منبه تحتوي على أحاديث كثيرة -كما قلنا- وهي غير مرتبة، فهي في موضوعات شتى، وهي فوق ذلك تدحض المزاعم كما أشرنا قبل التي يزعمها المستشرقون، بل وبعض المصنفين من أن السنة لم تدوّن إلا في نهاية القرن الأول وبداية القرن الثاني، وإذا كنا نريد الدقة ينبغي أن نفرق بين الكتابة وبين التدوين:

الكتابة: هي كتابة السنة على نحو ما، وهذا نشأ في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم.

والتدوين: هو وضع الأحاديث في دواوين؛ يعني في كتب وفي مصنفات، وهذا هو الذي نشأ في عهد عمر بن عبد العزيز الذي نُسمّيه “التدوين الرسمي” للسنة، وإذا كنا نطلق هذا على ذاك -الكتابة على التدوين أو التدوين على الكتابة- فإنما هناك تجاوز كبير في ذلك، لكن في كتابات ابن حجر مثلًا ما يبين أن فترة عهد عمر بن عبد العزيز إنما كانت فترة الجمع، يعني: هناك أشياء متفرقة ومكتوبة كصحيفة همام التي هي ماثلة الآن أمام أعيننا، ويستفيد منها الدارسون، وطبعت في أكثر من طبعة، فهي تعطينا مثالًا واضحًا على أن السنة كتبت في عهد مبكر جدًّا، أولًا.

ثانيًا: أننا إذا اعتبرنا هذه الأحاديث أصولًا أو جذورًا، تفرعت منها ما يسمى بالمتابعات، يعني: روى غير همام هذه الأحاديث عن أبي هريرة، وهناك أيضًا شواهد هي عبارة عن هذه الأحاديث ولكن رواها صحابي آخر، فإن الأحاديث المائة والتسع والثلاثين يمكن أن تتضاعف إلى مئات، بل إلى آلاف، وكلها يمكننا أن نقول: إن جذوره وأصوله كُتبت في عهد أبي هريرة -رضي الله عنه.

error: النص محمي !!