Top
Image Alt

الصحة والفساد

  /  الصحة والفساد

الصحة والفساد

الصّحّة لغةً: السّلامة، وعدم الاختلال.

ومعنى صحّة الشيء: كوْنه على حالته الأصليّة، لم يَحْدث فيه تغْيير يتنافى مع أصْله.

الصّحّة اصطلاحًا: كوْن الفِعْل -الذي يصحّ تَسميته موافقًا للشّرع أو مخالفًا له- موافِقًا للشرع.

وهذا القَدْر مُتّفَق عليه عند الجميع، ولكن اختلفوا في كوْنه مُوافقًا في نفْس الأمْر، أو بحسب ظنّ الفاعل، كما سيأتي تفصيله بمشيئة الله تعالى.

الصّحّة والفساد، هل هما حُكْمان شرعيّان أم لا؟

اختلف العلماء -رحمهم الله- في ذلك على ثلاثة أقوال:

الأول: الصّحّة حُكْم شرعيّ مطلقًا، سواء في العبادات أم في المعاملات؛ وهذا قول جمهور العلماء.

الثاني: الصّحّة في العبادات حُكْم عقليّ، وفي المعاملات حُكْم شرعيّ؛ وقال به ابن الحاجب وغيره…

الثالث: الصّحَّة، بمعنى موافقة أمْر الشارع: حُكم عقليّ، وبمعنى إسقاط القضاء: حُكم شرعيّ.

ثم إنّ الذين قالوا: إنّ الصّحّة حُكْم شرْعيّ، اختلفوا:

هل هي مِن قبيل الحُكم التّكليفيّ، أمْ مِن قبيل الحُكم الوضعي؟

أولًا: ذهب جمهور العلماء إلى أنّها مِن قبيل الحُكم الوضعيّ.

ووجْه ذلك: أنّ الصّحَّة والفساد لا يقتضي أيّ منهما الطّلب أو التّخيير، لا صراحة ولا ضمنًا؛ بل هما كوصف لِلحُكم التّكليفيّ.

ثانيًا: وذهب بعض العلماء، كالرازي والبيضاوي، إلى أنّهما مِن أقسام الحُكم التّكليفيّ.

وقد مرّ في تقسيم الحُكم الشّرعيّ إلى أنّ بعض العلماء يُنْكرون تَقسيمه إلى: تكليفيّ ووضعيّ، بل هو عندهم قِسم واحد، وهو: الحُكم التّكليفيّ. ومن هؤلاء العلماء: الرازي، والبيضاوي.

ووجْه قولهم: إنّ الصّحّة معناها: الإباحة، والفساد معناه: الحرمة، والإباحة والحرمة مِن أقسام الحُكم التّكليفيّ. والرّاجح هو: قول الجمهور.

الصّحّة في العبادات:

اختُلف في تفسير الصّحّة في العبادات، بين الفقهاء والمُتكلِّمين:

فقال الفقهاء: الصّحّة في العبادات هي: وقوع الفِعْل كافيًا في سقوط القضاء.

فالصّلاة المُكتمِلة الشّروط والأركان، والمُرتفِعة الموانع، تُعْتبَر صحيحة؛ لأنه لا يجب قضاؤها.

وقال المُتكلِّمون: الصّحّة هي: موافقة الأمْر في ظنّ المُكلَّف، لا في الواقع ونفْس الأمْر.

فتعريف المُتكلِّمين لِلصّحّة أعمّ مِن تعريف الفقهاء.

وإليك المثال التّالي الذي يتّضح به الفَرْق بيْن التّعريفَيْن:

صلاة المُحْدِث يَظنّ أنّه مُتطهِّر، تكون صحيحة على قول المُتكلِّمين، باطلة على قول الفقهاء.

فهذه الصلاة تكون عند المتكلِّمين صحيحة؛ لأن هذا موافق لأمْر الشّرع؛ لأنه أمَر أن يُصلّي صلاة يغلب على ظنّه الطّهارة فيها، وقد فَعَل؛ فهو موافِق للأمر.

وهي غير صحيحة عند الفقهاء؛ لأنها لمْ تقَعْ كافية في سقوط القضاء.

والنّزاع بيْن القوليْن لفْظيّ؛ لأنهم اتّفقوا على أنّ هذا المُصلّيَ مُثاب على صلاته، وأنّه يجب عليه القضاء، إذا عَلِم بالحَدَث دون ما إذا لمْ يعْلمْ.

ومذهب الفقهاء أوْفق للّغة؛ لأنّ العَرَب لا تُطلق على الشيء لفظ: “الصحيح” إلاّ إذا سَلِم مِن جميع جِهاته، كالآنية التي لا كَسْر فيها. وهذه الصلاة ليست سالِمة مِن كلّ جهة وعلى كلّ تقدير؛ بل هي بتقدير الذِّكر يتبيَّن فسادُها، ويجب قضاؤها بالاتّفاق.

تنبيه: المقصود بِلفْظ الفقهاء ولفظ المُتكلِّمين ليس ما اشتهر في كتب أصول الفقه مِن إطلاق لفظ الفقهاء على علماء أصول الفقه الأحناف، والمتكلِّمين على مَن كَتَب على طريقة الجمهور؛ بل المراد هنا بالفقهاء: علماء الفقهاء، وبالمتكلِّمين: علماء الكلام.

وذلك أنّ علماء أصول الفقه اعتمدوا في تفسير الصّحّة على علماء الفقه وعلى علماء الكلام، فميَّز علماء أصول الفقه بين موقف كلٍّ مِن الفريقَيْن.

الصّحّة في المعاملات:

الصّحّة في المعاملات تَرَتّب الآثار المقصودة بالمعاملة عليها، وذلك مثل: تَرَتُّب الملْك على البيع.

ويرى بعض العلماء: أنّه يُمكن إيجاد تعريف يشمل الصّحّة في العبادات وفي المعاملات، بدلًا مِن التفريق بينهما؛ فيقال مثلًا: “الصحة هي: تَرَتّب الأثَر المطلوب مِن الفِعْل عليه”.

فالأثر عند المُتكلِّمين: موافقة أمْر الشّرع، والأثر عند الفقهاء: إسقاط القضاء.

وفي المعاملات: تَرَتّب الأحكام المرادة مِن العقد، عليه.

– الصّحّة أعمّ مِن الإجزاء؛ إذ الإجزاء مختصّ بالعبادة، سواء كانت واجبة أو مستحبّة.

الباطِل والفاسِد:

الفساد والبُطلان يُقابِلان: الصّحة على رأْي الفقهاء، وعلى رأي المُتكلِّمِين.

فعلى رأي الفقهاء، يكون معنى البطلان: وقوع الفعْل غيْر كافٍ في سقوط القضاء.

وعلى رأي المتكلِّمين يكون معنى البطلان: مخالفة الأمْر.

مثال يوضِّح ذلك: لو صلّى المُتطهِّر، يظنّ أنّه مُحدِث، فالصّلاة باطلة، ويجب القضاء على القَوليْن.

لكن بطلانها عند الفقهاء، لفوات الشّرْط -وهو: العِلْم بالطّهارة- وعند المتكلِّمِين، لمخالفة الأمْر.

هل الباطل والفاسد بمعنى واحد؟

اختلف العلماء -رحمهم الله- في ذلك على قوليْن، هما:

القول الأول: الفاسد والباطل مترادفان، سواء في العبادات أم في المعاملات؛ وهذا قول جمهور العلماء.

فهما في العبادات عبارة عن: عدم تَرتُّب الأثر عليها، أو عدم سقوط القضاء، وفي المعاملات: عدم العقود.

فقولنا: هذه الصلاة أو هذا البيع فاسد أو باطل، كلاهما بمعنى واحد.

القول الثاني: ذهب الحنفيّة -رحمهم الله- إلى أنّ الفاسد والباطل بمعنى واحد في العبادات، وكذلك في النّكاح مِن المعاملات، وأمّا ما عدا ذلك، فهناك فَرْق بين الفاسد والباطل؛ فالفاسد درجة بيْن الصّحّة والبطلان.

فالباطل: هو ألاّ يكون الفعْل مشروعًا بأصله ولا بوصْفه، كبيْع الحرِّ، وبيْع الميْتة والدّم.

والفاسد: هو أنْ يكون مشروعًا بأصْله، ممنوعًا بوصْفه، كبيع درْهم بدرهميْن.

ومرادهم بالأصْل: ما يقوم مقام الرّكن، أو الشّرْط، أو محلّ العقْد.

ومرادهم بالوصْف: ما هو غيْر ذلك، ممّا لا يَبْطل الشيء بِبُطلانه.

فإذا تطرّق الخلَل إلى أحَد الأركان أو الشّروط، يَبْطل العمل، وإلاّ فيفسد.

فالبيع الرّبويّ فاسد عند الحنفيّة، وليس باطلًا؛ لأنّ الفساد لمْ يتوجّه إلى ما يقوم عليه أصْل البيْع، بل إلى أحد أوصافه؛ وبفساد الأوصاف لا يبطل البيع.

فالبيع الفاسد يُطلب مِن المكلّف رَفْع سَبب الفساد “كإلغاء الزيادة في البيع الرّبويّ”، فإذا زال في المجلس انقلب العقد صحيحًا، وتَرتَّبت عليه آثار الصّحّة، وإلاّ لمْ تَتَرتَّب عليه آثاره إلاّ بالتّقابض مع تعذّر الرّدّ.

والفاسد عندهم إذا اتّصل بالقبض، أفاد ملْكًا خبيثًا، والباطل لا يفيد شيئًا.

ما وجْه تفريق مُتأخِّري الحنفيّة بين العبادات وغيرها، في الفساد والبطلان؟

وجْه ذلك: أنّ المقصود في العبادات: التّعبّد، وهو لا يقع إلاّ بالطّاعة والامتثال، فإذا وقعت المخالفة فات المقصود؛ ولا وجْه حينئذٍ للتّفريق بيْن الفاسد والباطل، إذْ لا تبرأ الذمّة بصلاة فاسدة، كما لا تبرأ بصلاة باطلة.

أما المعاملات، فالمقصود الأوّل هو: مصالح العِباد الدّنيويّة، فيحاول تحقيقها ما أمكن، ولا يُحكم بإلغائها إلغاءً تامًّا، إلاّ إذا وصل الخلَل إلى أركانها، لانتفاء حقائقها الشّرعيّة حينئذٍ.

  1. فرّق الشّافعيّة بيْن الفاسد والباطل في بعض الفروع، وكذلك علماء الحنابلة، إلاّ أنّ هذا التّفريق لم يقصدوا به مقصد الحنفيّة.
  2. كل فاسد مُحرَّم، وليس كلّ مُحرَّم فاسد، إلاّ أنْ يعود التّحريم على ذات الشيء، أو على شَرْطه المختصّ.
  3. كانت العقود الفاسدة مُحرَّمة لثلاثة أمور:
  4. أنّه مِن تَعدِّي حدود الله.
  5. أنّه مِن اتّخاذ آيات الله هُزوًا.
  6. أنّ النبي صلى الله عليه  وسلم أنكر على مَن اشترط شروطًا ليست في كتاب الله، فقال: ((مَا بَالُ أقوامٍ يَشْترطون شروطًا ليْست في كتاب الله؟))، وقال: ((وَما كان مِن شَرْط ليس في كتاب الله فهو باطل)).
error: النص محمي !!