Top
Image Alt

الصداق

  /  الصداق

الصداق

الصداقة لغة: الصداق في اللغة فيه لغات أولها وأكثرها بفتح الصاد: صَداق، والثانية بِكَسرها: صِداق، وهاتان تُجمعان على صُدُق بضَمّتين، واللغة الثالثة -لغة أهل الحجاز: صَدُقة، بفتح الصاد وضم الدال، وتُجمع على صَدُقات، وبها جاء التنزيل الحكيم؛ حيث يقول ربنا -جل جلاله: {وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} [النساء: 4]، وسُمي صداقًا؛ أخذًا من الصدق ضد الكذب؛ لأن دخوله بينهما دليل على صدقهما في موافقة الشرع، أي: دخول الصداق بين الزوج الذي سيقوم بدفعه، وبين الزوجة التي ستتولى قبضه، ويكون ملكًا خالصًا لها، ودخوله بينهما دليل على صدقهما في موافقة الشرع.

والمَهرُ -بفتح الميم- أفصح صداق المرأة، ويُجمع على مُهورة، كبعل وبُعولة، وكما جاء لفظ الصداق في القرآن الكريم، جاء لفظ المهر في السنة النبوية، فقد نهى صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وحلوان الكاهن، والمقصود بمهر البغي: ما تأخذه الزانية في مقابل الزنا من مال، ويقال: مَهرتُ المرأة، وأمهرتها، أي: أعطيتها المَهر؛ لكن الثُّلاثي: مَهر، لغة تميم، وهي أكثر استعمالًا.

تعريف الصداق في اصطلاح الفقهاء: ما يعطى للزوجة في مقابلة الاستمتاع بها.

حكم الصداق:

الصداق شرط جواز عند الأحناف، أي: إنه لا يجوز انعقاد النكاح بدونه، وهو رُكنٌ عند المالكية؛ فلو تَمّ العقد بدونه كان عقدًا باطلًا؛ لفقده أحد أركانه، بينما ذهب الشافعية إلى عدم اشتراط الصداق؛ بل هو مستحبٌّ، والعقد بدونه صحيح عندهم، ودليل الصداق الكتاب، والسنة، والإجماع.

أولًا: القرآن الكريم: قول الحق سبحانه وتعالى: {وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً}، وقوله تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ} [النساء: 24].

وجه الدلالة: الخطابُ في الآية الأولى للأزواج، وقد أمرهم سبحانه وتعالى  أن يعطوا زوجاتهم مهورهنّ نحلة منهم لهن؛ فهذا دليل على اعتباره واشتراطه، كما أفادت الآية الثانية تسمية المهر أجرًا؛ لأنه يكون في مقابلة الاستمتاع بالبضع، وما يُقابل المنفعة يُسمى أجرًا، كما أن الله سبحانه وتعالى  قيدَ الإحلال ببذل المال، بقوله تعالى: { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ}؛ فقد أباح سبحانه وتعالى  الفروج بالأموال ولم يفصل؛ فدلّ على أن الزواج إذا حصل بغير مال لا يكون مباحًا؛ لأنه حصلَ على غير الشرط المأذون فيه، والمنصوص عليه شرعًا؛ وهو الإحلال بالأموال.

ثانيًا: السنة: إن كثيرًا من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم في شأن الزواج، قد ورد فيها ذكر الصداق؛ فلو لم يكن الصداق معتبرًا، ومشترطًا في العقد، لما ذكره صلى الله عليه وسلم وكرره؛ فمن ذلك، قوله صلى الله عليه وسلم لامرأة تزوجت على صداق قدره نعلان: ((أرضيت من نفسك، ومالك بنعلين؟ قالت: نعم، فأجازه)).

ومنها دعاؤه صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن عوف بالبركة، حينما أخبره بأنه تزوج على وزن نواة من ذهب؛ فهذا وذاك دليلٌ على اعتبار الصداق في النكاح، وأنه لا يتم بدونه، وإلا لما سأل صلى الله عليه وسلم المرأة هل رضيت بنعلين، أو لا؟؛ إذ يُفهم منه أنها لو لم ترض بذلك، لما أجاز صلى الله عليه وسلم نكاحها بهذا القدر من الصداق، وكذلك في حديث عبد الرحمن بن عوف: “لو كان الصداق غير معتبر، لما دعا له صلى الله عليه وسلم بالبركة وسكت”؛ لأنه في مقام التشريع.

ثالثًا: الإجماع: أجمع علماء المسلمين سلفًا، وخلفًا على مشروعية الصداق، ولم يزوج أحد من الصحابة بناته من غير أن يقبض لهن صداقًا، قال الصحابي الجليل أبو هريرة رضي الله عنه: ((كان صداقنا؛ إذ كان فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر أواق)).

رابعًا: المعقول: وهو أنّ في الصداق إظهار لكرامة المرأة؛ إذ يشعر الرجل بأنه لا يكون في مقدوره أن يستمتع بامرأة حلالًا، إلا إذا بذل في سبيلها عصب الحياة، وهو المالُ؛ فيكون ذلك أدعى له على أن يحرص على العشرة معها، وأن يُعالج باستمرار ما ينتاب حياتهما من تصدع وشقاق، بعقلية متزنة حصيفة؛ لأنه يعرف أنه إذا انتهت الحياة بينهما بالطلاق، فإنه لا يستطيع الحصول على غيرها إلا ببذل ما بذله أولًا، وهذا فيه من المشقة ما فيه؛ لأن المال غالٍ، والحصول عليه لا يتيسر في كل الأوقات.

ذكر المهر ليس شرطًا في صحة العقد:    

ذكر المهر في العقد ليس شرطًا في صحته؛ إذ يصح بدونه، ودليل ذلك الكتاب، والأثر.

أما الكتاب: فقوله سبحانه: {لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً} [البقرة: 236]،  دلت الآية على أنه لا حرج على الزوج إذا طلق زوجته قبل الدخول والمس، سواء فرض لها مهرًا، أو لا، والطلاق لا يكون إلا بعد عقد صحيح.

وأما الأثر: فما روي أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما سُئل عن امرأة مات عنها زوجها من غير أن يفرض لها مهرًا، أو يدخل، وكان ابن مسعودٍ رضي الله عنه يتردد في القضاء، وقال: “لم أجد ذلك في كتاب الله، ولا في ما سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن أجتهد برأيي؛ فإن كان صوابًا فمن الله، وإن كان خطأ فمني، ومن الشيطان، والله ورسوله منه بريئان، أرى لها مثل نسائها لا وكس، ولا شطط، ثم قال رجل -يقال له: معقل بن سنان: إني أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في بروع بنت واشق الأشجعية مثل قضائك هذا؛ ثم قامَ أناسٌ من أشجع، وقالوا: إنّا نَشهدُ بمثل شهادته؛ ففرح ابن مسعود رضي الله عنه فرحًا لم يفرح مثله في الإسلام؛ لموافقة قضائه قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم”، وهذا الجواز -صحة العقد بغير ذكر المهر- بشرط ألا يشترط في العقد أن لا مهر لها؛ فإن شرط ذلك فهو نكاح مفسوخ.

error: النص محمي !!