Top
Image Alt

الصلة بين الإسلام والإيمان عند الأشاعرة، وهل يزيد الإيمان وينقص عندهم

  /  الصلة بين الإسلام والإيمان عند الأشاعرة، وهل يزيد الإيمان وينقص عندهم

الصلة بين الإسلام والإيمان عند الأشاعرة، وهل يزيد الإيمان وينقص عندهم

اعلموا أن الأشاعرة أو معظمهم حتى لا نظلم علماءهم الذين وافقوا السلف في مسألة الإيمان، اعلموا أنهم كما خالفوا أهل السنة والجماعة في مسمى الإيمان، حيث أخرجوا العمل من مسمى الإيمان، وقالوا: إن المراد بالإيمان مجرد التصديق، فكذلك خالفوا السلف فيما يتعلق بمسألة الصلة بين الإسلام والإيمان.

فكما مر معنا فإن مذهب السلف أن الإسلام والإيمان بينهما ارتباط وثيق، فلا بد مع الإسلام من إيمان يصدق به الإسلام، كما أنه لا بد في الإيمان من إسلام يصح به الإيمان، وأنهما إن اجتمعا افترقا، وإن افترقا اجتمعا، بمعنى: أن الإسلام إذا ذكر مع الإيمان في نص واحد كان الإسلام يعني الأعمالَ الظاهرةَ من صلاة، وحج، وزكاة، وتراويح، وصوم، وكان الإيمان يعني الأعمالَ القلبيةَ من إيمان بالله تعالى، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وإن ذكر أحدهما دون الآخر كانا مترادفين، فإن ورد ذكر الإسلام وحده كان متضمنًا الأعمال الظاهرة والقلبية، وكذلك إذا ذكر الإيمان وحده.

هذه هي عقيدة السلف الصالح.

أما عند الأشاعرة المتأخرين، فالإيمان خصلة من خصال الإسلام، وكل إيمان إسلام، وليس كل إسلام إيمانًا.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: فالذين نصروا مذهب جهم في الإيمان كالقاضي أبي بكر، وهذا لفظه، فإن قال قائل: وما الإسلام عندكم؟ قيل له: الإسلام الانقياد والتسليم، فكل طاعة انقاد العبد بها لربه، واستسلم فيها لأمره فهي إسلام، والإيمان خصلة من خصال الإسلام، وكل إيمان إسلام، وليس كل إسلام إيمانًا، فإن قال: فلم قلتم: إن معنى الإسلام ما وصفتهم؟ قيل: لأجل قوله تعالى: {قَالَتِ الأعْرَابُ آمَنّا قُل لّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـَكِن قُولُوَاْ أَسْلَمْنَا وَلَمّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات: 14]، {وَلَـَكِن قُولُوَاْ أَسْلَمْنَا}: فنَفَى عنهم الإيمان وأثبت لهم الإسلام، وإنما أراد بما أثبته الانقياد والاستسلام، ومنه قوله تعالى: {وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السّلَمَ} [النساء: 90]، وكل من استسلم لشيء فقد أسلم، وإن كان أكثر ما يستعمل ذلك في المستلم لله وللنبي.

قلت -والكلام لشيخ الإسلام ابن تيمية-: وهذا الذي ذكروه مع بطلانه، ومخالفته للكتاب والسنة هو تناقض، فإنهم جعلوا الإيمان خصلة من خصال الإسلام، فالطاعات كلها إسلام، وليس فيها إيمان إلا التصديق، والمرجئة وإن قالوا: إن الإيمان يتضمن الإسلام، فهم يقولون: الإيمان هو تصديق القلب واللسان.

وأما الجهمية فيجعلونه تصديق القلب، فلا تكون الشهادتان، ولا الصلاة، ولا الزكاة ولا غيرهن من الإيمان، وقد تقدم ما بينه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم من أن الإسلام داخل في الإيمان، فلا يكون الرجل مؤمنًا حتى يكون مسلمًا، كما أن الإيمان داخل في الإحسان، فلا يكون محسنًا حتى يكون مؤمنًا.

وأما التناقض، فإنهم إذا قالوا: الإيمان خصلة من خصال الإسلام، كان من أتى بالإيمان إنما أتى بخصلة من خصال الإسلام، لا بالإسلام الواجب جميعه، فلا يكون مسلمًا حتى يأتي بالإسلام كله، كما لا يكون عندهم مؤمنًا حتى يأتي بالإيمان كله، وإلا فمن أتى ببعض الإيمان عندهم لا يكون مؤمنًا، ولا فيه شيء من الإيمان، وكذلك يجب أن يقولوا في الإسلام، وقد قالوا: كل إيمانٍ إسلام، وليس كل إسلام إيمانًا.

وهذا إن أرادوا به أن كل إيمانٍ هو الإسلام الذي أمر الله به ناقض قولهم: إن الإيمان خصلة من خصاله، فجعلوا الإيمان بعضه، ولم يجعلوه إياه. وإن قالوا: كل إيمانٍ فهو إسلام أي: هو طاعة لله، وهو جزء من الإسلام الواجب، وهذا مرادهم، قيل لهم: فعلى هذا يكون الإسلام متعددًا بتعدد الطاعات، وتكون الشهادتان وحدَهما إسلامًا، والصلاة وحدها إسلامًا، والزكاة إسلامًا،بل كل درهم تعطيه للفقير إسلامًا، ثم المسلم إن كان لا يكون مسلمًا إلا بفعل كل ما سميتموه إسلامًا لزم أن يكون الفساق ليسوا مسلمين، مع كونهم مؤمنين، فجعلتم المؤمنين الكاملي الإيمان عندكم ليسوا بمسلمين، وهذا شر من قول الكرامية، ويلزم أن الفساق من أهل القبلة ليسوا مسلمين، وهذا شر من قول الخوارج والمعتزلة وغيرهم، بل وأن يكون مَن ترك التطوعات ليس مسلمًا إذ كانت التطوعات طاعة لله، إن جعلتم كل طاعة فرضًا، أو نفلًا إسلامًا.  انتهى كلامه.

وقال ابن أبي العز الحنفي -رحمه الله- في بيان أقوال الناس في مسمى الإسلام والإيمان مشيرًا إلى قول الأشاعرة، وتعريفهم للإيمان بأنه مجرد التصديق بالقلب: وقد صار الناس في مسمى الإيمان على ثلاثة أقوال: فطائفة جعلت الإسلام هو الكلمة، وطائفة أجابوا بما أجاب به النبي صلى الله عليه وسلم حين سئل عن الإسلام والإيمان؛ حيث فسر الإسلام بالأعمال الظاهرة والإيمان بالإيمان بالأصول الخمسة، أي: أركان الإيمان، وطائفة جعلوا الإسلام مرادفًا للإيمان، وجعلوا معنى قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة…)) الحديث، شعائر الإسلام، والأصل عدم التقدير، مع أنهم قالوا: إن الإيمان هو التصديق بالقلب، ثم قالوا: الإسلام والإيمان شيء واحد، فيكون الإسلام هو التصديق. وهذا لم يقله أحد من أهل اللغة، وإنما هو الانقيادُ والطاعةُ.

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((اللهم لك أسلمت، وبك آمنت))، وفسر الإسلام بالأعمال الظاهرة، والإيمان بالإيمان بالأصول الخمسة، فليس لنا إذا جمعنا بينهما أن نجيب بغير ما أجاب النبي صلى الله عليه وسلم.  انتهى كلامه.

وأما عن مذهب الأشاعرة في زيادة الإيمان ونقصانه، فللأشاعرة قولان رئيسان في زيادة الإيمان ونقصه مع ملاحظة أن الإيمان عندهم عبارة عن التصديق القلبي -كما مر معنا- أو هو مذهب بعضهم، أما محققوهم فيشترطون النطقَ والعملَ. مع ملاحظة أن الإيمان عندهم عبارة عن التصديق القلبي:

الأول: أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص؛ لأنه إذا قيل: إنه يزيد وينقص صار شكًّا.

الثاني: أنه يزيد وينقص تبعًا لكثرة النظر ووضوح الأدلة. وكما أشرت سابقًا فإن الإمام أبا الحسن الأشعري -رحمه الله- موافقٌ لأهل السنة في مسائل العقيدة، فهو لا يقول بهذا، ولا يرتضيه، بل قد صرح في كتابه الأخير (الإبانة) بالقول في زيادة الإيمان ونقصه على مذهب السلف، ولا ننسَى أن كل المنكرين لزيادة الإيمان ونقصه إنما ارتكزوا على القاعدة المعروفة عندهم: أن الإيمان شيء واحد إذا ذهب بعضه ذهب كله.

error: النص محمي !!