Top
Image Alt

الصلوات المسنونة، والتطوع

  /  الصلوات المسنونة، والتطوع

الصلوات المسنونة، والتطوع

ومن راعى منه المعنى الشرعي قال: ليس يَنقلب شفعًا؛ لأن الشفع نفل قائم بذاته، والوتر أيضًا سُنّة مؤكّدة أو واجبة -كما قال الأحناف- وهي قائمة بذاتها، وليس هناك ما يَضمّ هذه إلى تلك.

الباب الثاني: رَكعتا الفَجر: حُكمُهما، صِفتهما، فَواتُهما، قَضاؤهما:

ركعتا الفجر هو الباب الثاني من الأبواب العشرة، باحتساب كتاب: الجنازة، أو الأبواب التسعة التي عدّها ابن رشد تحت “كتاب الصلاة” الثاني. وقد قسّمه ابن رشد -رحمه الله- إلى أربع مَسائل:

فبعد أن حكى الاتفاق على أنّ ركعتي سنّة الفجر سُنّة مؤكّدة، جاء بالمسائل الأربعة التي هي محلّ اختلاف بين الفقهاء، وهي: ما المستحَبّ مِن القراءة في هاتيْن الركعتين؟ وما صفة القراءة المستحبّة فيهما، هل تكون سرّية أو جهرية؟ وإذا فاتت هاتان الركعتان بسببٍ ما: تضييق الوقت، أو إدراك الإمام، أو إقامة الصلاة، فما العَمل؟ والرابعة: هل لهاتيْن الركعتين قَضاء أو لا؟

حُكم ركعتيِ الفجر:

يقول ابن رشد -رحمه الله-: إنّ الفقهاء قد اتّفقوا على أنّ ركعتَي الفجر -ركعتي النَّافلة- سُنّة، لمعاهدته صلى الله عليه وسلم على فِعلها أكثر منه على سائر النوافل -أي: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يحافظ عليهما أكثر مِن محافظته على سائر النوافل. وقد ورد ذلك في أحاديث كثيرة عند الجماعة إلَّا الترمذي، أيضًا ما روي: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يُرَغّب فيهما، كقوله صلى الله عليه وسلم: ((ركعتا الفَجر خيرٌ مِن الدنيا وما فيها))، رواه مسلم، والترمذي، والنسائي؛ ولأنه قد روي أيضًا: ((أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قضى هاتيْن الركعتيْن لمّا فاتته بعد طلوع الشمس حين نام عن الصلاة))، كما رواه الشيخان.

وبعد أن حكى ابن رشد هذا الاتفاق على أنّ ركعتَي الفجر سُنّة، وأوضح لنا أنها مؤكّدة مِن فِعل النبي صلى الله عليه وسلم، وحِرصِه على أدائها أكثر مِن سائر النوافل، وترغيبه صلى الله عليه وسلم فيها، وقضائها أيضًا بعد طلوع الشمس مِن النبي صلى الله عليه وسلم دلّ ذلك كلّه على أهمّيتها وتأكيد سنّيتها. ينقلنا ابن رشد -رحمه الله- إلى المَسائل التي اختَلف فيها الفقهاء في ذلك.

الباب الرابع: تحيّة المسجد:

جمهور العلماء: على أنّ هاتيْن الركعتيْن مندوب إليهما -أي: مستَحبّتان ومرغوبتان- وهما من النوافل التي يَتحصّل عليهما الثواب والأجر، ولم يوجب جمهور العلماء هاتيْن الركعتيْن.

أمّا أهل الظاهر: ابن حَزم، وداود بن علي، والظاهرية الذين يأخذون بظواهر الأحاديث والنصوص، فيقولون: بوجوب هاتيْن الركعتيْن. ما الذي أدّى إلى اختلاف العلماء إلى رأييْن على هذا النحو الذي رأيناه؟ ورود الأمر بهاتيْن الركعتيْن في حديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم رواه الجماعة، وفيه يقول: ((إذا جاء أحَدُكم المسجد، فلْيركعْ ركعتيْن)).

جمهور العلماء حَمَل هذا الحديث على الندب والاستحباب، والظاهرية حمَلوا هذا الحديث؛ -لأن فيه لام الأمر: ((فليرْكعْ ركعتيْن))، والأمر يدلّ على الوجوب، والحديث متّفق على صحّته.

ابن رشد يعلّق على هذا بأنّ: من تَمسّك بالأصل الذي قال به جمهور العلماء: أنّ الأصل: حَمْل الأوامر المطلَقة على الوجوب، حتّى يدلّ الدليل على الندب. ولم ينقدح عنده دليل -أي: عند الظاهرية- ينقل الحُكم مِن الوجوب إلى الندب؛ لذلك قال الظاهرية بوجوب هاتيْن الركعتيْن.

أمّا مَن انقدح عنده دليل آخَر على حمل هذا الأمر الوارد في هذا الحديث على الندب والاستحباب، وكان الدليل قويًّا، أو كان الأصل عنده: أنّ الأوامر ليست للوجوب وإنما تُحمَل على الندب حتّى يدلّ الدليل على الوجوب قال: ركعتا تحيّة المسجد غير واجبتيْن. وإنما ذهب الجمهور إلى حَمل هذا الأمر هنا في الحديث على الندب والاستحباب لمكان التعارض الواقع بين هذا الحديث، وبين أحاديث أخرى تنهى عن الصلاة في أوقات معيّنة، مثل: الصلاة بعد العصر، والصلاة بعد الفجر، والصلاة عند الزوال، وهكذا…

فهذه الأحاديث الناهية عن الصلاة في أوقات معيّنة تتعارض -وهي صحيحة- مع هذا الأمر في هذا الحديث بصلاة ركعتيْن لمَن يدخل المسجد.

جمهور العلماء على أنّه لا توجد صلوات مفروضة إلَّا الصلوات الخَمس المعروفة، كما جاء في حديث الأعرابي الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم، وكما جاء في أحاديث الإسراء والمعراج، وبالتالي، لا بدّ أن يُحمل هذا الأمر ((فلْيركعْ ركعتيْن)) على الندب والاستحباب؛ لأننا لو حمَلناه على الوجوب لَزِم أن تكون المفروضات أكثر مِن خَمس.

أمّا مَن أوجب هاتيْن الركعتيْن مِن الظاهرية، فإنّهم يقولون: إنّ هذا الوجوب متعلِّق بدخول المسجد، وليس وجوبًا مطلَقًا كسائر الفرائض؛ لِيفرّقوا بذلك بين تحيّة المسجد وبين الفرائض الخَمس. وللفقهاء أن يقيِّدوا وجوبها بالمكان، وهذا التقييد شبيه بتقييد وجوبها بالزمان، كما أنّ الفرائض الخَمس لها مواقيت، فهاتان الركعتان مقيَّدتان بدخول المسجد. ولأهل الظاهر أن يقولوا: إنّ المكان ليس مِن شَرط صحّة الصلاة المفروضة، والزمان مِن شَرط صحّة الصلاة المفروضة، وبالتالي يكون الركعتان الواجبتان في تحية المسجد مقيَّدتان بالمكان، وهو: دخول المسجد، وليستا مقيَّدتيْن بالزمان كالصلوات الخَمس.

أيضًا يورد ابن رشد قضيّة أخرى في هذا المَقام، تتعلّق بمن جاء إلى المسجد وكان قد صلّى ركعتي الفجر -أي: السُّنّة- في بيته، مِن باب: أنّ أداء السُّنن في البيوت أفضل مِن أدائها في المساجد، ثمّ بعد أداء ركعتَي الفجر في البيت ذهب إلى المسجد لأداء صلاة الصّبح في الجماعة، فهل يركع ركعتَي تحيّة المسجد عند دخوله أو لا يركع؟:

يورد ابن رشد اختلافًا في ذلك، فينقل عن الشافعي أنّه يركع الركعتيْن، أي: يكون قد صلّى ركعتَي الفجر في البيت، وركعتيْن تحية للمسجد عند دخوله؛ وهي أيضًا رواية عن الإمام مالك، رواها أشهب بن عبد العزيز.

أمّا أبو حنيفة فقال: لا يركع، وهي أيضًا رواية عن الإمام مالك، رواها ابن القاسم.

الباب الخامس: قيام رمضان:

وقيام رمضان يَشمل صلاة التراويح كما يشمل أيضًا التّهجّد أو قيام الليل.

فكلمة: “قيام” كلمة عامة تَشمل ما يكون في أوّل الليل أو في آخِره، ولكن دَرَج الناس على تسمية ما يكون في أوّل الليل في شهر رمضان بالتراويح؛ لأنّهم يستريحون أثناءها بعد كلّ أربع ركعات، أو بعد كلّ ثماني ركعات، أو نحو ذلك… فسُمِّيَت: التراويح، لهذا المعنى.

علماء الأمّة في الماضي والحاضر أجمَعوا على: أنّ القيام في شهر رمضان سُنّة، سَواء كان في أوّل الليل بالتراويح، أو بعد منتصف الليل بالتهجّد، أو بكلَيْهما. هو سُنّة وأمر مرغوب فيه، وبخاصّة في رمضان أكثر مِن سائر الأشهر؛ لأنّ النبي صلى الله عليه وسلم أعطى رمضان مَزيدًا من العِناية أكثر مِن غيره من الأشهر، فقال صلى الله عليه وسلم: ((مَن قام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غُفِر له ما تقدّم مِن ذنْبه))، والحديث متّفق على صحّته.

والتراويح كانت في بداية الأمر مِن رسول صلى الله عليه وسلم حيث صلّى في الليلة الأولى مِن شهر رمضان بِضع ركعات، وفي الليلة الثانية وجد الناس يُصلّون بصلاته، فلم يخرج إليهم في الليلة الثالثة. ولمّا سُئل عن ذلك قال: ((خشِيت أن تُفرَض عليكم)). لكن لمّا حَرص الناس على أداء هذه الصلاة تأسِّيًا بالنبي صلى الله عليه وسلم كانوا يؤدّونها متفرِّقِين في أركان المسجد وفي زواياه المتعدِّدة. فلمّا كان عَهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب  رضي الله عنه، وعن سائر الصحابة أجمعين- جمَع الناس على أدائها خلْف أبَيّ بن كعب؛ وهذا دليل على: أنّ صلاة التراويح مرَّغَب فيها.

ولكن اختلف العلماء، هل هي أفضل مِن القيام في آخِر الليل؟ أو أنّ القيام في آخِر الليل-وهي المعروفة بالتّهجّد. أفضل مِن صلاة التراويح في أوّل الليل؟:

جمهور العلماء: على أنّ الصلاة في آخِر الليل أفضل؛ لأنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان حريصًا عليها، وترَك التراويح التي كانت في أوّل الليل خوفًا أن تُفرَض على الأمّة، وقال للمسلمين: ((أفضل الصلاة: صَلاتُكم في بيوتكم إلَّا المكتوبة)). فريضة تؤدّى في المسجد، وإذا أدِّيَت في البيت كانت صحيحة ولكنّها يقلّ أجرها؛ فصلاتها في المسجد أوْلى، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((صلاة الجَماعة أفضل مِن صلاة الفذّ بسبع وعشرين درجة)).

وعمر بن الخطاب  رضي الله عنه قال عن صلاة آخِر الليل: والتي تنامون عنها أفضل. يعني: آخِر الليل في الثلث الأخير، وقت السّّحَر الذي نوّه الله -تبارك وتعالى- بفضله وبعظيم أجره في كثير من الآيات، كقوله تعالى: {أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ} [الزُّمَر: 9]، وقوله: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} [الإسراء: 79]، وقوله: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا} [السجدة: 16].

عَدد الركعات المطلوب أداؤها أو المطلوب التنفّل بها:

اختلف العلماء أيضًا في الأفضل مِن ذلك:

فجمهور العلماء من: الشافعية، والمالكية، والحنابلة، والظاهرية، على: أنّ القيام بعشرين ركعة -سوى الوتر- هو الأفضل، ثم يوتر بثلاث ركعات؛ فيكون المجموع: ثلاثًا وعشرين ركعة. هذا هو المختار والأفضل في رمضان؛ وهو قول عن الإمام مالك، وهو قول الشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد بن حنبل، وداود الظاهري.

أمّا القول الثاني عن الإمام مالك -رحمه الله- تعالى: فقد اختار فيه: أن تؤدّى صلاة التراويح ستًّا وثلاثين ركعة من غير الوتر، ويكون الوتر ثلاثًا؛ فيكون المجموع تسعًا وثلاثين ركعة. وقد سُئل الإمام مالك عن السبب في هذا العدد الزائد، فقال: لأنّ السابقِين كانوا بين الصلوات يطوفون بالكعبة المشَرّفة، ونحن هنا لا نطوف، فتكون الزيادة في الركعات عِوضًا عن ذلك الطواف؛ هكذا قال الإمام مالك فيما روي عنه.

والذي نميل إليه ونرجّحه: ما قاله جمهور الفقهاء من: أن تكون صلاة التراويح عشرين ركعة، والوتر ثلاث ركعات، فيكون المجموع: ثلاثًا وعشرين ركعة.

الباب السادس: صلاة الكسوف والخسوف:

الكسوف والخسوف شيء واحد، وكلاهما قد ورَدت به الأخبار، كسوف الشمس وخسوف القمر، أو كسوف الشمس والقمر، أو خسوف الشمس والقمر، يعني: كِلا اللفظيْن يؤدّي نفس المعنى، وكلاهما وردت به الأخبار. وجاء القرآن الكريم بلفظ: “الخسوف” في قوله تعالى في سورة (القيامة): {فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (7) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (8) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (9) يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ} [القيامة: 7- 10]. فسَواء قلنا: كسوف الشمس أو خسوفها، وسَواء قلنا: كسوف القمر أو خسوفه، فكلاهما -أي: الصلاة بسببهما سُنّة مِن السُّنن التي ندَبنا إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فينبغي للمسلمين إذا رأوا تغيّرًا في الشمس والقمر فاحتجَب ضوؤهما كلّيًّا أو جزئيًّا: أن يقوموا إلى الصلاة والدعاء، لعلّ الله سبحانه وتعالى يَكشف عنهم تلك الظُّلمة، ويرفع عنهم ذلك الحجاب.

حُكم صلاة الكسوف والخسوف:

وقد اتّفق الفقهاء على: أنّ هذه الصلاة سُنّة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والسُّنّة فيها: أن تؤدّى في جماعة، وإن كانت تصحّ بصورة فردية.

وقد اختلف الفقهاء في عِدّة مسائل تتعلّق بها، وسنُبيِّن هذه المسائل في هذه المحاضرة أو ما يتيسّر منها.

أمّا أنها سُنّة؛ فلثبوت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أكثر مِن حديث. تؤكّد هذه الأحاديث وتبيّن مشروعة الصلاة لكسوف الشمس. وأكثر أهل العِلم أيضًا على: أنّها مشروعة لخسوف القمر؛ وقد فعَله ابن عباس، وبه قال عطاء، والحسن، والنخعي، والشافعي، وإسحاق. لكنّ الإمام مالكًا قال: ليس لكسوف القمر سُنّة.

وحكى ابن عبد البرّ عن الإمام مالك، وعن أبي حنيفة أيضًا أنّهما قالا: يصلِّي الناس لخسوف القمر وحدانًا -أي: فُرادى- ركعتيْن ركعتيْن، ولا يُصلّون جماعة؛ لأنّ في خروجهم إليها مشقّة؛ لأنّ خسوف القمر -كما نعلم- يكون ليلًا، فيكون الخروج فيه مشقّة على الناس، فقال أبو حنيفة ومالك: يصلي كلّ واحد هاتيْن الركعتيْن بصوَر فردية.

أمّا ثبوت هذه السُّنّة بصورة جماعية، فما روي: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الشمس والقمر آيتان مِن آيات الله، لا يخسفان لموت أحَد ولا لِحياته؛ فإذا رأيتم ذلك فصلُّوا))، متفق عليه. فالأمر بالصلاة أمْر واحد للشمس والقمر؛ فتكون السُّنة لكليْهما، سَواء كان الكسوف أو الخسوف للشمس، أو كان للقمر. وقد صلّى ابن عباس بأهل البصرة في خسوف القمر ركعتيْن وقال: ((إنّما صلّيت؛ لأنّي رأيتُ رسولَ صلى الله عليه وسلم يُصلّي)).

وقُلنا: إنّ اللغة تجعلهما بمعنى واحد: الكسوف، والخسوف، فإذا ثبت الكسوف لأحدهما وكانت الصلاة سُنّة له، كان ذلك أيضًا في الآخَر؛ ولأنّ النبي صلى الله عليه وسلم ندبَنا إلى ذلك بقوله: ((فإذا رأيتموها -أي: الكسوف أو الخسوف- فصلّوا))، وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((فصلُّوا)) دعوة إلى الجماعة.

أمّا أنها تجوز بصورة فردية، نعم تجوز بصورة فرديّة كسائر النوافل؛ لأنها نافلة مِن النوافل، ولكنّ الجماعة دائمًا أفضل، لِما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه قال: ((صلاة الجماعة أفضل مِن صلاة الفذّ بسبع وعشرين درجة)).

والإمام ابن رشد -رحمه الله- يَذكُر لنا في صَدر هذا الموضوع: أنّ هناك جانِبًا اتفق عليه العلماء، وجوانب أخرى لم يتّفقوا عليها أو اختلفوا فيها:

أمّا الذي اتفق العلماء عليه من الكسوف والخسوف فهو: أنّها -أي: الصلاة بسبب ذلك- سُنّة، وأنّها أيضًا تكون في جَماعة -وإن كانت تصحّ فرديّة- هذا هو القَدر الذي اتّفق عليه العلماء.

أمّا ما عَدا ذلك مِن صلاة الكسوف أو الخسوف -سَواء في الكيفية، أو في عدد الركعات، أو في كيفية الركوع، أو في القراءة في الركعتيْن، أو عدد الركعات، والأوقات التي تجوز فيها، وهل يكون لها خطبة أو لا يكون؟ وهل خسوف القمر ككسوف الشمس -أي: أنّ الصلاة أيضًا له سُنة-؟

كلّ ذلك اختلف فيه الفقهاء.

وقَسّمه ابن رشد -رحمه الله- إلى عِدّة مَسائل، تناوَل في المسألة الأولى: صِفة صلاة الكسوف.

صفة صلاة الكسوف:

هل تكون صلاة الكسوف كالصلاة العاديّة -أي: ركعتيْن مثل ركعتَي الفجر، أو ركعتَي الصبح، أو ركعَتي العيد، أو ركعتَي الجمعة-؟ أو أنّها تختلف عن النوافل أو عن الفرائض في كيفية خاصة تنفرد بها؟ يذكر ابن رشد -رحمه الله- اختلاف العلماء في ذلك، كما يَذكره أيضًا ابن قدامة -رحمه الله-.

فجمهور العلماء: مِن: مالك، والشافعي، وأهل الحجاز، وأحمد، يرَوْن: أنّ صلاة الكسوف أو الخسوف أيضًا -كما ذكرنا ركعتان، ولكن في كلّ ركعة مِن الركعتيْن ركوعان، بمعنى: أننا نبدأ الصلاة فنقرأ “الفاتحة” وما يتيسّر من القرآن، ثم نركع ونُطيل الركوع. ثم نرفع فنقرأ “الفاتحة” ونقرأ ما يتيسّر من القرآن، ثم نركع مرّة ثانية. فإذا انتهينا من الركوعَين والقيامَين، هَويْنا إلى السجود فسجدْنا سجدتيْنا المعتادتَين. ونكثر في الركوع والسجود من الدعاء لله تعالى أن يرفع عنّا هذه الظّلمة.

فإذا انتهينا من السجدة الثانية، قُمنا وفَعلنا فيها مِثلما فعلْنا في الركعة الأولى، أي: نقف وقوفًا طويلًا، نقرأ “الفاتحة” وما يتيسّر من القرآن الكريم. ثم نركع ونطيل الركوع لنطيل الدعاء. ثم نرفع مِن الركوع ونظلّ واقفِين وقوفًا طويلًا، ولكنّه أقلّ مِن السابق؛ حيث نقرأ “الفاتحة” وما يتيسّر من القرآن. ثم نركع الركوع الثاني. وبعد الركوع الثاني نرفع، ثم نسجد السجدتيْن، ثم نتشهّد ثم نسلّم.

وبهذا تكون صلاة الكسوف والخسوف ركعتيْن قائمتيْن، وفي كلّ ركعة منهما ركوعان وقيامان. أمّا السجود فكالسجود المعتاد. هذا هو رأي مالك، والشافعي، وأحمد، وأهل الحجاز وهم: جمهور الفقهاء -كما علمنا.

أمّا أبو حنيفة والكوفيون: فيذهبون إلى أنّ صلاة الكسوف أيضًا ركعتان، لكنهما على هيئة صلاة العيد والجُمعة، يعني: كلّ ركعة فيها ركوع واحد وسجدتان؛ وبالتالي يكون الإمام أبو حنيفة مخالِفًا لِما عليه جمهور العلماء في ذلك.

الصّلاة للزّلزَلة، والرّيح، والظُّلمَة:

بَعد هذه المسألة الخامسة، أتى ابن رشد بقضيّة تتعلّق بالصلاة للزلزلة، والأعاصير، والظلام الشديد.

هل هناك صلاة تُشرع عند الزلازل؟ أو عند هبوب الرياح الشديدة، أو الأعاصير؟ أو عند وقوع الظلام الدامس على الناس؟ أو لا تشرع؟ وألحَق هذه الجزئية بصلاة الكسوف.

وقد بين -رحمه الله- أنّ:

الرأي الأول: بعض الفقهاء استحَبّ الصلاة للزلزلة، والريح، والظلمة، وغير ذلك من الآيات التي تقع، كما يحدث في زماننا هذا مِن تفجُّر البراكين، أو فَيضانات الأنهار أو السيول، أو غير ذلك… كلّ هذه آيات مِن آيات الله، فكما ندَبَنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى صلاة الكسوف والخسوف -وهما آيتان من آيات الله تعالى- أيضًا، فإنّنا مَدعوُّون كذلك لذكْر الله عز وجل وكثرة الدعاء، وكثرة القُرُبات، عند حدوث آيات أخرى، كالزلازل، والبراكين، والأعاصير، والظّلام، والسّيول، والفيضانات…

ولذلك استحَبّ فريق مِن العلماء إقامة الصلاة للزلزلة، والريح، والظلمة، وغير ذلك مِن الآيات… قياسًا على كسوف القمر والشمس، لِنصّ النبي صلى الله عليه وسلم على العلّة في ذلك، وهي: كونها آية؛ وهذه كلّها: الزلازل، والريح، والظلام، والأعاصير، والسيول، والفيضانات: آيات. وهي مِن أقوى أجناس القياس في هذا الباب؛ لأنّه قياس العلّة التي نُصّ عليها.

الرأي الثاني: لكن لم يَرَ هذا مالك، ولا الشافعي، ولا الجَماعة مِن أهل العلْم.

الرأي الثالث: هو رأي أبي حنيفة الذي يقول: إّن صلّى للزلزلة فقد أحسَن، وإن لم يُصلِّ فلا حَرَج عليه. وروي عن ابن عباس: أنّه صلّى لها -أي: للزلزلة- مِثل صلاة الكسوف؛ وقد رواه البيهقيّ وقال: قد صحّ عن ابن عباس رضي الله عنهما.

أصحاب الإمام أحمد بن حنبل يَرون الصلاة للزلزلة كصلاة الكسوف، ويَنسبون للإمام أحمد أنه نصّ على ذلك، وأنّ استحباب الصلاة لذلك هو: مذهب إسحاق وأبي ثور.

قال القاضي: ولا يصلّي للرّجفة، والريح الشديدة، والظلمة، ونحوها… وقال الآمدي: يصلّي لذلك، ولِرمْي الكواكب، والصواعق، وكثرة المطَر… وحكاه عن ابن أبي موسى. وقال أصحاب الرأي: الصلاة لسائر الآيات حَسَنة؛ لأنّ النبي صلى الله عليه وسلم علّل الكسوف بأنّه: آية مِن آيات الله تعالى يُخوِّف بها عِبادَه، وصلّى ابن عباس للزلزلة بالبصرة، رواه سعيد.

أمّا مالك والشافعي، فقالا: لا يصلّى لشيء مِن الآيات سوى الكسوف -أي: كسوف الشمس والقمر-؛ لأنّ النبي صلى الله عليه وسلم لم يُصلِّ لغيره، وقد كان في عصره بعض هذه الآيات، كذلك خلفاؤه.

ووجه الصلاة للزلزلة: فعْل ابن عباس، وغيرُها لا يُصلّى له؛ لأنّ النبي صلى الله عليه وسلم لم يصلِّ لها ولا أحد من أصحابه.

ولكن الذي نراه: أنّ الصلاة لكلّ هذه الآيات شيء مستحَبّ؛ لأنّ الصلاة ما هي إلَّا أقوال وأفعال وأدعية، تبدأ بتكبير الله تعالى، وتنتهي بتسليمه؛ فكلّها ذكْر لله، وكلها استعانة بالله، وطَلب لرحمة الله، ودعاء، وتَضرّع، وخضوع وخشوع؛ حتى يَرفع الله سبحانه وتعالى ما نَزل بالناس مِن هذا البلاء، سَواء كان زلازل، أو براكين، أو أعاصير، أو فيضانات، أو شِدّة الظلام، أو كسوف للشمس، أو كسوف للقمر.

واحتمال عَدم قيام النبيّ صلى الله عليه وسلم بالصلاة لغير الكسوف والخسوف: أنّه لم يَقع شيء مِن ذلك في زمانه، ولو وقع لنُقل إلينا، ولَفَعَله النبي صلى الله عليه وسلم. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو بلالًا ويقول له: ((أرِحْنا بالصلاة، يا بلال!))؛ فالصلاة راحة، والصلاة استعانة، والصلاة دعاء وتقرّب إلى الله -تبارك وتعالى. فلنفعلْ ذلك في جميع الآيات، كما فعلناه في الكسوف والخسوف.

حُكم الصلاة للزلزلة، والريح، والظُّلمة:

وقد استحَبّ جَماعة ذلك، ولم يستحِبّ ذلك آخرون. والذي نرجّحه ونميل إليه: استحباب الصلاة للزَّلزلة، والريح، والظلمة، والسيول، والفَيضانات، ونحو ذلك من الآيات؛ لأنّ هذا مِن باب القياس المعلَّل؛ لأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيّن في كسوف الشمس والقمر: أنّهما آية مِن آيات الله، وهذه الظواهر كلها من آيات الله -تبارك وتعالى- فلِم لا يُصلّى لها؟!.

وقد استحبّ بعض العلماء الصلاة للزلزلة، ولم يستحبّها للآيات الأخرى. أمّا الحنفية ورأيهم فهو الأفضل: إن صلّى فقد أحسَن، وإن لم يُصلِّ فلا حَرج عليه. 

الباب السابع: صلاة الاستسقاء: حُكمها، وقتها:

الباب السابع مِن أبواب “كتاب الصلاة” الثاني، هو الذي خصّصه ابن رشد-رحمه الله- لــ”صلاة الاستسقاء”:

معنى “صلاة الاستسقاء”:

أولًا كلمة: استسقاء، هي: استفعال، الألف والسين والتاء للطّلب، بمعنى: طَلب السقيا: صلاة نَطلب فيها مِن الله -تبارك وتعالى- أن يَسقينا، وأن يَروينا، وأن يُنزل المَطر علينا؛ لذلك ُسمّيَت: صلاة الاستسقاء، أي: طلب السقيا مِن الله عز وجل.

ويتمّ ذلك عن طريق: الخروج والبروز عن القرية، أو عن المدينة، أو عن العاصمة، إلى الصحراء، إلى العَراء؛ لنتجرّد إلى الله -تبارك وتعالى- ونُظهر أمامَه عز وجل ضَراعتنا وخُضوعنا وخُشوعنا، ونُكثر مِن دعائه والتقرّب إليه، حتى يُنزل علينا المَطر، ويُفيض علينا برحمته وبركته سبحانه وتعالى.

صلاة الاستسقاء سنّة مؤكَّدة، وهي ثابتة بسُنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه رضي الله عنهم؛ ولذلك قال ابن رشد -رحمه الله-: إنّ العلماء أجمَعوا على: أنّ الخروج إلى الاستسقاء، والبروز عن المِصر، والدّعاء إلى الله تعالى، والتضرع إليه بنزول المَطر: سُنّة سَنّها رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذا موضِع مجمَع عليه.

كيفيّة صلاة الاستسقاء:

أمّا كيف تؤدّى هذه الصلاة؟ فلم يَذكر ابن رُشد كيفيّة لهذه الصّلاة، ولا أشار إلى عَدد ركَعاتها، ولا إلى كيفيّة وقوف الإمام، أو وقوف المأمومين، ونحو ذلك…

بينما أشارت المَراجع الأخرى إلى: أنّ صلاة الاستسقاء محلّ خلاف بين الفقهاء:

  • فمنهم: مَن قال: إنّها ركعتان كركعتَي الجُمُعة، بلا تكبيرات قبل قِراءة “الفاتحة”.
  • ومِنهم: مَن جعلَها كصلاة العيديْن، تشتمل الركعة الأولى على سَبع تكبيرات قبل قراءة “الفاتحة”، وتَشتمل الركعة الثانية على خَمس تكبيرات قبل قراءة الركعة الثانية.

وقد بيّن العلماء: أنّ هذا القول الذي يشتمل على تكبيرات، هو قول سعيد بن المسيّب، وعمر بن عبد العزيز، وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وداود، والشافعي. وحكي عن ابن عباس، وذلك لقول ابن عباس في حديث: ((وصلّى ركعتيْن كما كان يصلّي في العيد)). وروى جعفر بن محمد، عن أبيه: ((أنّ النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر، وعمر، كانوا يصلّون صلاة الاستسقاء: يكبِّرون فيها سَبْعًا وخَمْسًا))، أي: سَبعًا في الركعة الأولى، وخَمسًا في الركعة الثانية.

والرواية الأخرى: أنّه يصلِّي ركعتيْن كصلاة التطوع، -أي: بدون تكبيرات-؛ وهو مذهب: مالك، والأوزاعي، وأبي ثور، وإسحاق؛ لأنّ عبد الله بن زيد قال: ((استسقى النبي صلى الله عليه وسلم فصلّى ركعتيْن، وقَلَب رداءه))، متّفق عليه.

وروى أبو هريرة نحوه، ولم يَذكر التكبير؛ وظاهره: أنّه لم يكبّر.

وكيفما فَعل الإمام كان جائزًا، وكان حسَنًا.

نحن أمام كيفيّتَين لصلاة ركعتَي الاستسقاء، على قول الجمهور: أنّهما سُنّة مِن سُنن رسول الله رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وكلا الرأييْن صحيح، وجائز، وحَسَن.

أمّا أبو حنيفة: فوجهة نَظَره: أنّه لا تُسنّ الصلاة للاستسقاء، ولا الخروج لها، لماذا؟ لأنّه استدلّ بحديث أنس بن مالك: ((أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم استسقى على المِنبر يوم الجمُعة، ولم يُصلِّ لها)). واستسقى عمر  رضي الله عنه بالعبّاس، ولم يُصلّ؛ وليس هذا بشيء؛ لأنه قد ثبت بما رواه عبد الله بن زيد المازنيّ، وابن عباس، وأبو هريرة، وعبّاد بن تميم: ((أنّه صلى الله عليه وسلم خرج وصلّى)). وما ذكروه لا يعارِض ما روَوه؛ لأنّه يجوز الدعاء بغير صلاة، وفعْل النبيّ صلى الله عليه وسلم لِما ذكروه لا يَمنع فِعْل ما ذكرناه؛ بل قد فَعل النبي صلى الله عليه وسلم الأمريْن: في إحدى المرّات صلّى ودعَا، وفي مرّة أخرى دعا على المنبر بغير صلاة.

قال ابن المنذر: ثبت: ((أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم صلّى صلاة الاستسقاء، وخَطَب))؛ وبه قال عوامّ أهل العِلم إلَّا أبا حنيفة؛ وخالَفه أبو يوسف ومحمد بن الحسن، فوافَقا سائر العلماء. والسنّة يُستغنَى بها عن كلّ قول.

ويُسنّ أيضًا في كيفيّة صلاة الاستسقاء: الجهر بالقراءة، لِما روى عبد الله بن زيد المازني قال: ((خَرج النبي صلى الله عليه وسلم يَستسقي، فتوجّه إلى القِبلة يَدعو. وحوّل رداءه، ثمّ صلى ركعتيْن جَهَر فيهما بالقراءة))، متفق عليه. وإن قرأ فيهما بـ{سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} [الأعلى: 1]، و{هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ} [الغاشية: 1] فحَسَن، لِقول ابن عباس: ((صلّى ركعتيْن كما كان يصلِّي في العيد)). و((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة العيدَين يُكثر مِن قراءة هاتيْن السورتيْن)). وروى ابن قتيبة في (غريب الحديث) بإسناده عن أنس: ((أنّ النبي صلى الله عليه وسلم خرج للاستسقاء، فتقدّم فصلّى بهم ركعتيْن يجهر فيهما بالقراءة. وكان يقرأ في العيديْن والاستسقاء في الركعة الأولى بـ”فاتحة الكتاب” و{سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} [الأعلى: 1]، وفي الركعة الثانية بـ”فاتحة الكتاب” و{هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ} [الغاشية: 1])).

ومِن تمام الفائدة في هذا المقام: أنّ صلاة الكسوف، وكذلك صلاة الاستسقاء، لا يُسنّ لها أذان ولا إقامة، ولا يوجد خِلاف بين العلماء في ذلك. وقد روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: ((خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا يستسقي، فصلّى بنا ركعتيْن بلا أذان ولا إقامة. ثم خَطَبنا ودعَا الله تعالى. وحوّل وجهه نحو القِبلة رافعًا يديْه. وقلَب رداءَه، فجعل الأيمن على الأيسر، والأيسر على الأيمن))؛ ولأنّ هذه الصلاة أيضًا -صلاة الاستسقاء، ومِثلها: صلاة الكسوف والخسوف- صلاة نافلة، فَلَم يؤذَّن لها كسائر النوافل؛ ولكن ينادَى لها: “الصلاة جامِعة”، كقولهم في صلاة العيد وفي صلاة الكسوف.

ومِن تمام الفائدة: أنّه ليس لصلاة الاستسقاء وقت معيّن، إلَّا أنّها لا تُفعل في وقت النهْي، بغير خلاف؛ لأنّ وقتها متّسع؛ فلا حاجة إلى فِعلها في الأوقات المنهيّ عن الصلاة فيها.

والأوْلى: فِعلها في وقت العيد، لِما روت عائشة: ((أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج حين بَدا حاجِبُ الشمس))، رواه أبو داود؛ ولأنّها تُشبهها في المَوضع والصّفة -أي: الخروج إلى العراء، والصفة أي: صلاة ركعتيْن- وعلى قول مَن قال بالتكبيرات، فهي تُشبه صلاة العيد في التكبيرات أيضًا؛ فكذلك ينبغي أن تُشبهها في الوقت؛ لأنّ وقتها لا يفوت بزوال الشمس؛ لأنّها ليس لها يوم معيّن، فلا يكون لها وقت معيّن.

قال ابن عبد البرّ: الخروج إليها عند زوال الشمس عند جماعة العُلماء، إلَّا أبا بكر ابن حزم، وهذا على سبيل الاختيار، لا أنّه يتعيّن فِعْلها فيه.

وبعد هذا البيان لكيفيّة صلاة ركعتَي الاستسقاء، باشتمالهما على بعض التكبيرات كصلاة العيدَين، أو عدم اشتمالها على ذلك، وعلى الجَهر في القراءة فيهما، وعلى معرفة الوقت الذي تؤدّى فيه هذه الصّلاة، نكون قد انتهَينا مِن الجزئيّة الأولى مِن صلاة الاستسقاء، وهي :”كيفية الصلاة”.                                                                   

خُطبَة الاستسقاء:

الجزئيّة الثانية في هذا الموضوع هي: هل تحتاج صَلاة الاستسقاء إلى خُطبة؟ أو لا تحتاج إلى خُطبة؟ أو هل من ُسنّتها الخُطبة، أو ليس مِن سنّتها الخُطبة؟

القائلون: بأنّ الصلاة مِن سُنّة الاستسقاء يقولون أيضًا: الخُطبة أيضًا مِن سُنّته؛ لِورود ذلك في الأثر الذي سَبق ذِكْره في كيفيّة خروج النبي صلى الله عليه وسلم وكيفيّة الصلاة. وقد حكى ابن المنذر ثبوت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

لكنّهم اختلفوا: هل تكون الخُطبة -بعد اعتبارها سنة- قبل الصلاة أو بعد الصلاة؟ لأنّ الآثار أيضًا مختلِفة في ذلك.

بعض الفقهاء رأى: أنّها تكون بعد الصلاة. ما دمنا قِسناها على صلاة العيدَين في الكيفيّة، وفي التكبيرات، وحتى في قراءة السورتَين: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} [الأعلى: 1]، و{هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ} [الغاشية: 1]، فإنّ الخُطبة تكون بعد الصلاة؛ وهذا هو الذي قال به: الشافعي، ومالك، وأحمد بن حنبل -رضوان الله عليهم.

وهناك قول آخَر: أنّها تكون قبل الصلاة؛ وبهذا قال الليث بن سعد، فقيه مصر -رحمه الله-. قال ابن المنذر: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((أنّه استسقى، فخَطَب قَبل الصلاة))، والحديث رواه البخاري. وروي عن عمر بن الخطّاب مثل ذلك. قال ابن المنذر: وبه نأخذ.

وقال القاضي: وقد خرّج ذلك أبو داود مِن طُرق. ومَن ذَكر الخُطبة فإنّما ذَكرها -في عِلمي- قَبل الصلاة.

وهذا يدلّ على اختلاف الفقهاء في الخُطبة مِن جهة، وفي مَوضع الخُطبة قبل الصلاة أو بعدها، مِن جهة أخرى.

هَيئة الإمام والمأمومين عند الاستسقاء:

وهناك جزئيّة أخرى وهي: هيئة الإمام الذي يصلّي بالناس صلاة الاستسقاء، وهل يَلزم ذلك سائر المصلين أو لا يلزمهم ذلك؟:

هي مسألة أيضًا اختلَف العلماء فيها على قولَين:

القول الأوّل: أنّ العلماء قد اتّفقوا على: أنّ مِن سنّة صلاة الاستسقاء: أن يَستقبل الإمام القِبلة وافقًا، ويدعو، ويحوِّل رداءه رافعًا يديْه -على ما جاءت به الآثار.

أما الاختلاف: ففي: كيفيّة ذلك. ومتى يكون ذلك؟:

وهذا هو محلّ الاختلاف.

أمّا عن الكيفية: فجمهور الفقهاء على: أنّه يَجعل ما على يمينه على شِماله، وما على شماله على يمينه. وقال الشافعي: بل يَجعل أعلاه أسفَله، وما على يمينه منه على يساره، وما على يساره منه على يمينه.

إذًا، هناك اتّفاق على: أنّ الإمام يَستقبل القِبلة، ويقف ويدعو، ويحوِّل رداءه. جمهور الفقهاء على: أنّ كيفيّة التحويل تكون: بجعل ما على اليمين على اليسار، وما على اليسار يكون على اليمين فقط. أمّا الشافعي فيقول: يُجعل أعلى الثوب أسفَله، وأسفل الثوب أعلاه، وما على اليمين على اليسار، وما على اليسار يُجعل على اليمين.

ابن قدامة -رحمه الله- فصّل في هذه الكيّفية بقوله: يُستحبّ للخطيب: استقبال القِبلة في أثناء الخطبة، لِما روي عن عبد الله بن زيد: ((أنّ النبي صلى الله عليه وسلم خرج يستسقي، فتوجّه إلى القِبلة يدعو))، رواه البخاري. وفي لفظ: ((فحوّل إلى الناس ظَهره، واستقبل القِبلة يدعو)). هذا عن الإمام. هذا موضع الاتّفاق بين العلماء.

ويُستحبّ: أن يدعو سرًّا حال استقباله، فيقول: “اللهم أمَرتَنا بدُعائك، ووعدْتَنا إجابتك، فقد دعوناك كما أمرتَنا، فاستجِب لنا كما وعدْتنا. اللهم فامنُن علينا بمغفرة ذنوبنا، وإجابتنا في سُقيانا، وسِعة أرزاقنا”. ثم يدعو بما شاء مِن أمر دِين ودنيا.

وإنّما يُستحبّ الإسرار؛ لأنّه أقرب مِن الإخلاص، وأبلغ في الخشوع، والخضوع، والتضرع، وأسرع في الإجابة. قال الله تعالى: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} [الأعراف: 55]. واستُحبّ الجَهر ببعضه؛ ليَسمع الناس فيؤمِّنوا على دعائه.

ويستحَبّ أن يحوّل ردائه في حال استقبال القبلة؛ لأنّ في حديث عبد الله بن زيد: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم: ((خرج يستسقي فحوّل إلى الناس ظهره، واستقبل القِبلة. ثمّ حوّل رداءه))، متّفق عليه، وهذا لفظ رواه البخاري. وفي لفظ رواه مسلم: ((فحوّل رداءه حين استقبل القِبلة)). وفي لفظ: ((وقَلب رداءه))، متّفق عليه.

هذا الكلام عن الإمام، فماذا عن المأموم؟ يُستحبّ تحويل الرداء للإمام والمأموم في قول أكثر أهل العِلم.

إذًا، على المأمومين أن يتبّعوا الإمام في تحويل الرداء، وفي استقبال القِبلة، وفي كثرة الدعاء، وإذا جَهر يؤمِّنون عليه. أمّا أبو حنيفة؛ فقال: لا يُسنّ ذلك للمصلِّين؛ لأنّه دعاء، فلا يستحبّ تحويل الرداء فيه كسائر الأدعية. والواقع: أنّ السنة النبوية أشارت إلى تحويل رسول الله صلى الله عليه وسلم لردائه، وسنّة رسول الله أحقّ أن تُتّبع.

وحكي عن سعيد بن المسيّب، وعروة، والثوري: أنّ تحويل الرداء مختصّ بالإمام دون المأموم؛ وهو قول: الليث، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن؛ لأنّه نُقل عن النبي صلى الله عليه وسلم دون أصحابه. والصحيح: أنّ على المأمومين أن يتّبعوا الإمام في ذلك، لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنما جُعل الإمامُ ليؤتَمّ به))؛ ولأنّ الجميع مُثابون في هذا الأمر، فهم مدعوُّون جميعًا إلى الدعاء، وإظهار التضرع، والخشوع لله -تبارك وتعالى- حتى يجيبَ دعاءهم، ويُنزل السّقيا عليهم.

error: النص محمي !!