Top
Image Alt

الصيام: وجوبه، وما يثبت به، وحكم النية في الفرض والنفل

  /  الصيام: وجوبه، وما يثبت به، وحكم النية في الفرض والنفل

الصيام: وجوبه، وما يثبت به، وحكم النية في الفرض والنفل

كتاب الصيام:

1. الصيام: معناه، وجوبه:

الصيام لغة واصطلاحًا:

قال النووي في (شرح مسلم) والحافظ ابن حجر في (فتح الباري): الصيام في اللغة: الإمساك. وفي الشرع: إمساك مخصوص في زمن مخصوص بشرائط.

وقال النووي في (شرح المهذب): هو في اللغة: الإمساك، ويستعمل في كل إمساك، يقال: صام: إذا سكت، وصامت الخيل: وقفت. وفي الشرع: إمساك مخصوص عن شيء مخصوص في زمن مخصوص من شخص مخصوص.

لا كراهة في قول: رمضان، بدون كلمة “شهر”:

ويُقَالُ: رمضان، وشهر رمضان، هذا هو الصحيح الذي ذهب إليه البخاري والمحققون؛ فقالوا: ولا كراهة في قول رمضان، وقال أصحاب مالك: يكره أن يقال: رمضان، بل لا يُقَال إلا: شهر رمضان، سواء إن كان هناك قرينة أم لا، وزعموا أن رمضان اسم من أسماء الله تعالى، قال البيهقي: وروي ذلك عن مجاهد، والحسن، والطريق إليهما ضعيف، واحتجوا بحديث رواه البيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لا تقولوا: رمضان؛ فإن رمضان اسم من أسماء الله تعالى، لكن قولوا: شهر رمضان” وهذا حديث ضعيف، ضعفه البيهقي وغيره، والضعف فيه بين فإن من رواته نجيح السندي، وهو ضعيف سيئ الحفظ.

وقد ثبتت أحاديث كثيرة في الصحيحين في تسميته رمضان من غير شهر في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ منها حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وصفدت الشياطين)) رواه البخاري ومسلم بهذا اللفظ، وفي رواية لهما: ((إذا دخل رمضان)) وفي رواية لمسلم: ((إذا كان رمضان)).

الصيام بين الوجوب والتطوُّع:

لا يجب صوم غير رمضان بأصل الشرع بالإجماع، وقد يجب بنذر وكفارة وجزاء الصيد ونحوه، ودليل الإجماع قوله صلى الله عليه وسلم حين سأله الأعرابي عن الإسلام فقال: ((وصيام رمضان، قال: هل علي غيره؟ قال: لا إلا أن تطوع)) رواه البخاري ومسلم من رواية طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه.

وروى أبو داود بإسناده عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: أحيل الصيام ثلاثة أحوال، وذكر الحديث، قال: “وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، ويصوم يوم عاشوراء فأنزل الله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} [البقرة: 183] فكان من شاء أن يصوم، ومن شاء أفطر ويطعم عن كل يوم مسكينًا ويجزئه ذلك، فهذا حول، فأنزل الله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الّذِيَ أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لّلنّاسِ وَبَيّنَاتٍ مّنَ الْهُدَىَ وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَىَ سَفَرٍ فَعِدّةٌ مّنْ أَيّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 185] فثبت الصيام على من شهد الشهر، وعلى المسافر أن يقضي، وثبت الطعام للشيخ الكبير والعجوز اللذين لا يستطيعان الصوم. هذا لفظ رواية أبي داود، وذكره في كتاب “الأذان” في آخر الباب الأول منه، وهو مرسل، فإن معاذًا لم يدركه ابن أبي ليلى، ورواه البيهقي بمعناه ولفظه: “فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم صام بعد ما قدم المدينة، فجعل يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، وصام عاشوراء فصام سبعة عشرة شهرًا: شهر ربيع إلى شهر ربيع إلى رمضان، ثم إن الله تعالى فرض عليه شهر رمضان، وأنزل عليه: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} [البقرة: 183] وذكر باقي الحديث.

قال البيهقي: هذا مرسل، وفي رواية له عن ابن أبي ليلى قال: حدثنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قالوا: “أحيل الصوم على ثلاثة أحوال، قدم الناس المدينة ولا عهد لهم بالصيام، فكانوا يصومون ثلاثة أيام من كل شهر حتى نزل شهر رمضان، فاستنكروا ذلك وشق عليهم، فكان من أطعم مسكينًا كل يوم ترك الصيام ممن يطيقه، رخص لهم في ذلك، ونسخه: {وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لّكُمْ} [البقرة: 184] فأمروا بالصيام.

2. باب ما يثبت به الصوم والفطر من الشهور:

الحديث الأول:

عن ابن عمر قال: ((تراءى الناس الهلال فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم أني رأيته، فصام وأمر الناس بصيامه)) رواه أبو داود والدارقطني، وقال: تفرد به مروان بن محمد عن ابن وهب، وهو ثقة.

وفي الباب عن ابن عباس وابن عمر أيضًا عند الدارقطني والطبراني في الأوسط من طريق طاوس قال: “شهدت المدينة وبها ابن عمر وابن عباس، فجاء زجل إلى واليها وشهد عنده على رؤية هلال شهر رمضان، فسأل ابن عمر وابن عباس عن شهادته، فأمراه أن يجيزه، وقالا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أجاز شهادة واحد على رؤية هلال رمضان، وكان لا يجيز شهادة الإفطار إلا بشهادة رجلين”. قال الدار قطني: تفرد به حفص بن عمر، وهو ضعيف.

والحديثان المذكوران في الباب يدلان على أنها تقبل شهادة الواحد في دخول رمضان، وإلى ذلك ذهب ابن المبارك، وأحمد بن حنبل، والشافعي في أحد قوليه، قال النووي: وهو الأصح، وبه قال المؤيد بالله، وقال مالك، والليث، والأوزاعي والنووي والشافعي في أحد قوليه: إنه لا يقبل الواحد بل يعتبر اثنان، واستدلوا بحديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب الذي فيه ((فإن شهد شاهدان مسلمان فصوموا وأفطروا)) وبحديث أمير مكة وفيه: “فإن لم نره وشهد شاهدا عدل” وظاهرهما اعتبار الشاهدين.

وتأولوا الحديثين المتقدمين لاحتمال أن يكون قد شهد عند النبي صلى الله عليه وسلم غيرهما، وأجاب الأولون بأن التصريح بالاثنين غاية ما فيه المنع من قبول الواحد بالمفهوم.

وحديثا الباب يدلان على قبوله بالمنطوق، ودلالة المنطوق أرجح، وأما التأويل بالاحتمال المرجوح فتعسف، وتجويز لو صح اعتبار مثله لكان مفضيًا إلى طرح أكثر الشريعة.

وحُكِي عن أبي حنيفة: أنه يقبل الواحد في الغيب؛ لاحتمال خفاء الهلال عن غيره إلى الصحن، فلا يقبل إلا جماعة لبعد خفائه.

قال النووي: وفي الشهادة التي يثبت بها هلال رمضان ثلاث طرق:

الصحيح منها: يثبت بعدل، وهو نص الشافعي في القديم، ومعظم كتبه في الجديد للأحاديث الصحيحة في ذلك.

والثاني: لا يثبت إلا بعدلين.

والثالث: حكاه الماوردي والسرخسي: إن ثبتت الأحاديث ثبت بعدل وإلا فقولان:

 أحدهما: يشترط عدلان كسائر الشهور.

والثاني: يثبت بعدل للاحتياط، وهذا الطريق محتمل، ولكن الأحاديث قد ثبتت، فالحاصل أن المذهب ثبوته بعدل.

3. باب ما جاء في يوم الغيم والشك:

عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فاقدروا له)) أخرجاه هما والنسائي وابن ماجه، وفي لفظ: ((الشهر تسع وعشرون ليلة فلا تصوموا حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين)) رواه البخاري، وفي لفظ: ((أنه ذكر رمضان فضرب بيديه فقال: الشهر هكذا وهكذا وهكذا ثم عقد إبهامه في الثالثة، صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فاقدروا ثلاثين)) رواه مسلم، وفي رواية أنه قال: ((إنما الشهر تسع وعشرون، فلا تصوموا حتى تروه، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فاقدروا له)) رواه مسلم، وأحمد، وزاد: “قال نافع: وكان عبد الله إذا مضى من شعبان تسع وعشرون يومًا يبعث من ينظر، فإن رأى فذاك، وإن لم ير ولم يحل دون منظره سحاب ولا قتر أصبح مفطرًا، وإن حال دون منظره سحاب أو قطر أصبح صائمًا.

قوله في الحديث: ((إذا رأيتموه)) الضمير هنا يعود على الهلال، وهو عند الإسماعيلي بلفظ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لهلال رمضان: ((إذا رأيتموه فصوموا)) وكذا أخرجه عبد الرزاق في (مصنفه)، وظاهر الحديث إيجاب الصوم حين الرؤيا متى وجدت ليلًا أو نهارًا، لكنه محمول على صوم اليوم المستقبل، وهو ظاهر في النهي عن ابتداء صوم رمضان قبل رؤية الهلال؛ فيدخل فيه صورة الغيم وغيرها، ولو وقع الاقتصار على هذه الجملة لكفى ذلك لمن تمسك به، ولكن اللفظ الذي رواه أكثر الرواة أوقع للمخالف شبهة، وهو قوله: ((فإن غم عليكم فاقدروا له)) فاحتمل أن يكون المراد التفرقة بين الصحو والغيم، فيكون التعليق على الرؤية متعلقًا بالصحو، وأما الغيم فله حكم آخر، ويحتمل ألا تفرقة، ويكون الثاني مؤكدًا للأول، وإلى الأول ذهب أكثر الحنابلة، وإلى الثاني ذهب الجمهور فقالوا: المراد بقوله: ((فاقدروا له)) أي قدروا أول الشهر واحسبوا تمام الثلاثين، ويرجح هذه الروايات المصرحة بإكمال العدة ثلاثين.

قوله: ((فإن غُمّ)) بضم المعجمة وتشديد الميم أي: حال بينكم وبينه سحاب أو نحوه، قوله: ((فاقدروا له)) قال أهل اللغة: يقال: قدرت الشيء أقدره وأقدره بكسر الدال وضمها، وقدرته وأقدرته كلها بمعنى واحد، وهي من التقدير كما قال الخطابي، ومعناه عند الشافعية والحنفية وجمهور السلف والخلف: فاقدروا له تمام الثلاثين يومًا لا كما قال أحمد بن حنبل وغيره أن معناه: فذروه تحت السحاب، فإنه يكفي في رد ذلك الروايات المصرحة بالثلاثين كما تقدم، ولا كما قال جماعة منهم ابن شريح ومطرف بن عبد الله وابن قتيبة أن معناه: قدروه بحساب المنازل، قال في (الفتح): قال ابن عبد البر: لا يصح عن مطرّف، وأما ابن قتيبة فليس هو ممن يعرج عليه في مثل هذا، ولا كما نقله ابن العربي عن ابن شريح أن قوله: ((فاقدروه له)) خطاب لمن خصه الله بهذا العلم، وقوله: ((فأكملوا العدة)) خطاب للعامة؛ لأنه كما قال ابن العربي أيضًا: يستلزم اختلاف وجوب رمضان؛ فيجب على قوم فحساب الشمس والقمر، وعلى آخرين بحساب العدد. قال: وهذا بعيد عن النبلاء.

قوله: ((الشهر تسع وعشرون)) ظاهره حصر الشهر في تسع وعشرين، مع أنه لا ينحصر فيه، بل قد يكون ثلاثين، والمعنى: أن الشهر يكون تسعة وعشرين أو اللام للعهد، والمراد: شهر بعينه، ويؤيد الأول ما وقع في رواية لأم سلمة من حديث الباب بلفظ: ((الشهر يكون تسعة وعشرين)) ويؤيد الثاني قول ابن مسعود: “صمنا مع النبي صلى الله عليه وسلم تسعًا وعشرين أكثر مما صمنا معه ثلاثين” أخرجه أبو داود والترمذي، ومثله عن عائشة عند أحمد بإسناد جيد قوله: “فلا تصوموا حتى تروه” ليس المراد تعليق الصوم بالرؤية في كل أحد، بل المراد بذلك رؤية البعض، إما واحد على رأي الجمهور أو اثنان على رأي غيرهم كما تقدم، وقد تمسك بتعليق الصوم بالرؤية من ذهب إلى إلزام أهل البلد برؤية أهل بلد غيرها.

قوله: ((الشهر هكذا وهكذا)) قال النووي: حاصله أن الاعتبار بالهلال لأن الشهر قد يكون تامًّا ثلاثين، وقد يكون ناقصًا تسعة وعشرين، وقد لا يرى الهلال فيجب إكمال العدة ثلاثين، قالوا: وقد يقع النقص متواليًا في شهرين وثلاثية وأربعة، ولا يقع أكثر من أربعة، وفي هذا الحديث جواز اعتماد الإشارة.

قوله: ((قتر)) بفتح القاف والتاء الفوقية وبعدها راء هو الغبرة على ما في (القاموس).

قوله: ((أصبح صائمًا)) فيه دليل على أن عمر كان يقول بصوم يوم الشك.

قال الشيرازي: ولا يجب صوم رمضان إلا برؤية الهلال، فإن غم عليهم وجب عليهم أن يستكملوا شعبان ثم يصوموا؛ لما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا العدة، ولا تستقبلوا الشهر استقبالًا)) قال النووي في شرحه هذا الحديث: رواه هكذا النسائي بإسناد صحيح، ورواه مسلم من رواية ابن عباس ولفظه: ((إن الله قد أمده لرؤيته، فإن أغمي عليكم فأكملوا العدة)) ورواه الترمذي ولفظه: ((لا تصوموا قبل رمضان صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن حالت دونه غيابة فأكملوا ثلاثين يومًا)) قال الترمذي: حديث حسن صحيح، والغيابة هي السحابة، وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غمّ عليكم فاقدروا له)) رواه البخاري ومسلم، وفي رواية لمسلم ((فاقدروا ثلاثين)) وفي رواية له: ((فإذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن أغمي عليكم فاقدروا له)) وفي رواية: ((فإن غمّ عليكم فصوموا ثلاثين يومًا)) وفي رواية: ((فإن غبي عليكم فأكملوا العدة)) وفي رواية: ((فإن أغمي عليكم الشهر فعدوا ثلاثين)) وهذه الروايات كلها في (صحيح مسلم) كما قال النووي، وفي رواية البخاري: ((فإن غبي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين)) وعن عائشة رضي الله عنها قالت: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من غيره، ثم يصوم لرؤية رمضان، فإن غم عليه عد ثلاثين يومًا ثم صام)) رواه أبو داود والدار قطني وقال: إسناده صحيح.

وعن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تصوموا الشهر حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة، ثم صوموا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة)) رواه أبو داود والنسائي والدار قطني وغيرهم بإسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم.

واختلف العلماء في معنى قوله صلى الله عليه وسلم: ((فإن غمّ عليه فاقدروا له)) كما سبق، قال أحمد بن حنبل وطائفة قليلة معناه: ضيقوا له وقدروه تحت السحاب، وأوجب هؤلاء صيام ليلة الغيم، وقال مطرف بن عبد الله وابن قتيبة وآخرون: معناه قدروه بحساب المنازل، وقال مالك وأبو حنيفة والشافعي وجمهور السلف والخلف: معناه قدروا له تمام العدد ثلاثين يومًا، قال أهل اللغة: يقال: قدرت الشيء بتخفيف الدال أقدره وأقدره بضمها وكسرها وقدرته بتشديدها، وأقدرته بمعنى واحد، وهو من التقدير، قال الخطابي وغيره: ومنه قوله تعالى: {فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ} [المرسلات: 23].

واحتج الجمهور بالروايات التي ذكرت، وكلها صحيحة صريحة: ((فأكملوا العدة ثلاثين واقدروا له ثلاثين)) وهي مفسرة لرواية: ((فاقدروا له)) المطلقة، قال الجمهور: ومن قال بتقدير: “تحت السحاب” فهو منابذ لصريح باقي الروايات، وقوله مردود، ومن قال بحساب المنازل فقوله مردود بقوله صلى الله عليه وسلم في الصحيحين: ((إنا أمة أمية لا نحسب ولا نكتب الشهر هكذا وهكذا …)) الحديث. قالوا: ولأن الناس لو كلفوا بذلك ضاق عليهم؛ لأنه لا يعرف الحساب إلا أفراد من الناس في البلدان الكبار، فالصواب ما قاله الجمهور، وما سواه فاسد مردود بصرائح الأحاديث السابقة.

وقوله صلى الله عليه وسلم: ((فإن غمّ عليكم)) معناه: حال بينكم وبينه الغيم، يقال: غم وغمّي وغمي بتشديد الميم وتخفيفها والغين مضمومة فيهما، ويقال: غبي بفتح الغين وكسر الباء، وقد غامت السماء وغيمت وأغامت وتغيمت وأغمت.

وقوله صلى الله عليه وسلم: ((صوموا لرؤيته)) المراد رؤية بعضكم، وهل هو عدل أم عدلان؟ فيه الخلاف المشهور السابق، قال النووي: قال أصحابنا وغيرهم: ولا يجب صوم رمضان إلا بدخوله، ويُعلم دخوله برؤية الهلال فإن غمى وجب استكمال شعبان ثلاثين ثم يصومون، سواء كانت السماء صافية أو بها غيوم، سواء كان الغيم قليلًا أو كثيرًا، وقد ثبت في صحيح البخاري ومسلم عن أبي بكرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((شهرا عيد لا ينقصان: رمضان وذو الحجة)) معناه: لا ينقص أجرهما والثواب المرتب، وإن نقص عددهما، وقيل: معناه لا ينقصان معًا غالبًا من سنة واحدة، وقيل: لا ينقص ثواب ذي الحجة عن ثواب رمضان؛ لأن فيه المناسك والعشر، حكاه الخطابي، وهو ضعيف باطل، والصواب الأول، ومعناه: أن قوله صلى الله عليه وسلم: ((من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه)) ((ومن صام رمضان وأتبعه بست من شوال كان كصيام الدهر)) ونظائر ذلك، فكل هذه الفضائل تحصل سواء تم عدد رمضان أو نقص، قال صاحب (التتمة): وإنما خص هذين الشهرين لتعلق العبادة بها، وهما الصيام والحج.

وإن أصبح الناس يوم الثلاثين وهم يظنون أنه من شعبان فقامت البينة أنه من رمضان لزمه قضاء صومه؛ لأنه بان أنه من رمضان، وهل يلزمهم إمساك بقية النهار؟ قال الشيرازي: فيه قولان:

أحدهما: لا يلزمهم لأنهم أفطروا بعذر فلم يلزمهم إمساك بقية النهار، كالحائض إذا طهرت والمسافر إذا أقام.

والثاني: يلزمهم لأنه أبيح لهم الفطر بشرط أنه من شبعان وقد بان أنه من رمضان فلزمهم الإمساك، وإن رأوا الهلال بالنهار فهو لليلة المستقبلة لما روى شقيق أم سلمة قال: أتانا كتاب عمر رضي الله عنه: أن الأهلة بعضها أكبر من بعض فإذا رأيتم الهلال نهارًا فلا تفطروا حتى يشهد رجلان مسلمان أنهما رأياه بالأمس.

4. باب: الهلال إذا رآه أهل بلدة هل يلزم بقية البلاد الصوم؟

الحديث الأول:

عن كريب أن أم الفضل بعثته إلى معاوية بالشام، فقال: “فقدمت الشام فقضيت حاجتها، واستهل علي رمضان وأنا بالشام، فرأيت الهلال ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر، فسألني عبد الله بن عباس ثم ذكر الهلال فقال: متى رأيتم الهلال؟ فقلت: رأيناه ليلة الجمعة، فقال: أنت رأيته؟ فقلت: نعم، ورآه الناس، وصاموا وصام معاوية، فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه، فقلت: ألا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: لا هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم” رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه.

وقول كريب في هذا الحديث: “واستُهل علي رمضان” هو بضم التاء من استهل، قاله النووي.

قوله: “أفلا تكتفي” شك أحد رواته: هل هو بالخطاب لابن عباس أو بنون الجمع للمتكلم؟ أي نكتفي، وقد تمسك بحديث كريب هذا من قال أنه لا يلزم أهل بلد رؤية أهل بلد غيرها.

قوله: فرأيت الهلال ليلة الجمعة، أي: ورآه الناس كما رأيته.

واستقر رمضان بالشام وأصبح الناس هناك صائمين يوم الجمعة.

قوله: في آخر الشهر، “أل” للعهد -أي آخر شهر رمضان- ثم ذكر الهلال، فقال: متى رأيتم الهلال -يعني بالشام-؟ وهذا كله توضيح للسؤال نفسه، والخطاب في “رأيتم” مقصود به كريب وأهل الشام. فقوله: رأيناه أي أنا وغيري. قوله: أنت رأيته استفهام حقيقي للتثبت من الرأي، قوله: فلا نزال نصوم -أي سنظل نصوم حسب رؤيتنا.

وهذا الحديث -أعنى حديث كريب- صريح في أن الصحابة اعتمدوا وعملوا باختلاف المطالع، وأن لكل إقليم مطلعه ورؤيته؛ فهو إذ يحكي أن معاوية وأهل الشام صاموا يوم الجمعة، على أنه أول رمضان بناءً على رؤيتهم الهلال، وأن أهل المدينة صاموا يوم السبت على أنه أول رمضان؛ بناءً على رؤيتهم، وأن ابن عباس قرر أن لأهل المدينة رؤيتهم، وحين قيل له ألا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؛ رد الكلام على رؤية أهل المدينة، وقال: لا، هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

5. باب: وجوب النية من الليل في الفرض دون النفل:

عن عائشة رضي الله عنها قالت: ((دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هل عندكم من شيء؟ فقلنا: لا، فقال: فإني إذن صائم، ثم أتانا يومًا آخر، فقلنا: يا رسول الله، أهدي لنا حيس، فقال: أرنيه فلقد أصبحت صائمًا فأكل)) رواه الجماعة إلَّا البخاري، وزاد النسائي: ((ثم قال: إنما مثل صوم المتطوع مثل الرجل يُخرج من ماله الصدقة، فإن شاء أمضاها وإن شاء حبسها)). وفي لفظ له أيضًا قال: ((يا عائشة إنما منزلة من صام في غير رمضان أو في التطوع بمنزلة رجل أخرج صدقة ماله فجاد منها بما شاء فأمضاه وبخل منها بما شاء فأمسكه)) قال البخاري وقالت أم الدرداء: كان أبو الدرداء يقول: عندكم طعام؟ فإن قلنا لا، قال: فإني صائم يومي هذا.

قال: وفعله أبو طلحة وأبو هريرة وابن عباس وحذيفة رضي الله عنهم هذا الحديث الذي روته عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها والتي تحكي فيه دخول النبي صلى الله عليه وسلم عليها ذات يوم وهو يسألها: عندكم شيء؛ يعني: من طعام؟ فقوله صلى الله عليه وسلم هل عندكم من شيء؟ استفهام إخباري والمستفهم عنه طعامٌ لإفطار ولا يصح أن يكون للغذاء أو العشاء؛ لقوله بعد ذلك فإني إذن صائم.

وقوله: ((فإني إذن صائم)) أي نويت صيام ذلك اليوم.

قوله: “أهدي لنا حيس” الحيس بفتح الحاء المهملة، وسكون المثناة التحتية بعدها سين مهملة هو طعام يتخذ من التمر والأقط والسمن، وقد يجعل مكان الأقط الدقيق والفتيت، قاله ابن الأثير في (النهاية).

قوله: ((بمنزلة رجل أخرج صدقة ماله فجاد منها بما شاء فأمضاه، وبخل منها بما شاء فأمسكه)) فيه دليل على أن صدقة التطوع صاحبها بالخيار إن شاء أمضاها وتصدق بها وإن شاء أمسكها ولم يتصدق.

وهذا الحديث الذي معنا استدلوا به على أنه يجوز للمتطوع بالصوم أن يفطر ولا يلزمه الاستمرار على الصوم، وإن كان أفضل بالإجماع. وظاهره أيضًا أن من أفطر في التطوع لم يجب عليه القضاء وإليه ذهب الجمهور.

وقال أبو حنيفة ومالك والحسن البصري ومكحول والنخعي: أنه لا يجوز للمتطوع الإفطار ويلزمه القضاء إذا فعل، واستدلوا على وجوب القضاء بما وقع في رواية للدارقطني والبيهقي من حديث عائشة بلفظ: “واقضي يومًا مكانه” ولكنهما قالا: هذه الزيادة غير محفوظة.

قوله: “كان أبو الدرداء” هذا الأثر وصله ابن أبي شيبة وعبد الرزاق. قوله: وفعله أبو طلحة وأبو هريرة وابن عباس وحذيفة. أما أثر أبي طلحة فوصله عبد الرزاق وابن أبي شيبة. وأما أثر أبي هريرة فوصله البيهقي عند عبد الرزاق وأما أثر ابن عباس فوصله الطحاوي. وأما أثر حذيفة فوصله عبد الرزاق وابن أبي شيبة أيضًا.

error: النص محمي !!