Top
Image Alt

الصيد؛ حكمه، محله، آلته، وأنواع الحيوان الجارح وشروطه، وشروط الذكاة المختصة بالصيد

  /  الصيد؛ حكمه، محله، آلته، وأنواع الحيوان الجارح وشروطه، وشروط الذكاة المختصة بالصيد

الصيد؛ حكمه، محله، آلته، وأنواع الحيوان الجارح وشروطه، وشروط الذكاة المختصة بالصيد

كتاب الصيد:

معنى الصيد وتقسيماته:

ننتقل مع ابن رشد إلى كتاب الصيد،  وقبل أن نبدأ في تقسيمات ابن رشد لكتاب الصيد نعرِّف به كما جاء عند ابن قدامة ونبين حكمه الشرعي، يقول -رحمه الله-: الأصل في إباحة الصيد الكتاب والسنة والإجماع:

أما الكتاب: فقول الله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} [المائدة: 96] وقال سبحانه: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ} [المائدة: 2] وقال سبحانه: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللّهُ فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُواْ اسْمَ اللّهِ عَلَيْهِ} [المائدة: 4] هذا كله عن الصيد.

وأما السنة: فروى أبو ثعلبة الخشني قال: ((أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، إنا بأرض صيد، أصيد بقوسي، وأصيد بكلبي المعلم، وأصيد بكلبي الذي ليس بمعلم، فأخبرني ماذا يصلح لي؟ قال: أما ما ذكرت أنكم بأرض صيد؛ فما صدت بقوسك، وذكرت اسم الله عليه فكل، وما صدت بكلبك المعلَّم وذكرت اسم الله عليه فكل، وما صدت بكلبك الذي ليس بمعلم فأدركت ذكاته فكل)) وعن عدي بن حاتم قال: ((قلت: يا رسول الله، إنا نرسل الكلب المعلّم فيمسك علينا. قال: كُل. قلت: وإن قَتل؟ قال: كل ما لم يشركه كلب غيره)) قال: وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيد المعراض -وهو آلة كالرمح لكن بدون حديدة- فقال عن المعراض: ((ما خرق فكل، وما قتل بعرضه فلا تأكل)) متفق عليهما. ثم قال بعد الكتاب والسنة: وأجمع أهل العلم على إباحة الاصطياد والأكل من الصيد.

وقد قسم ابن رشد -رحمه الله- هذا الكتاب أربعة أبواب:

الباب الأول: في حكم الصيد وفي محل الصيد؟.

الباب الثاني: في ما يكون به الصيد؟ أي الآلات أو الحيوانات أو الوسائل التي يُصاد بها؟.

الباب الثالث: في صفة زكاة الصيد؛ بمَ تكون زكاة هذا الصيد؟ وما الشرائط المشترطة في عمل الزكاة في الصيد؟.

الباب الرابع ففي من يجوز صيده؟.

الباب الأول: في حكم الصيد ومحله:

يقول -رحمه الله- كما عرفنا عند ابن قدامة: إن الصيد حلال أو الأصل فيه الإباحة؛ ولذلك قال: الجمهور على أنه مباح مع أننا وجدنا عند ابن قدامة أن أهل العلم أجمعوا على إباحة الاصطياد، وكلام ابن قدامة هو الأصح؛ لأن الصيد مجمع على إباحته وليس الجمهور فقط.

ابن قدامة ذكر إجماع أهل العلم على إباحة الاصطياد والأكل من الصيد، ولكن ابن رشد يقول: الجمهور على أنه مباح وليس الإجماع كما هي عادته في المسائل المجمع عليها، واستدل لذلك بقوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا}  [المائدة: 96] وقوله تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ} [المائدة: 2] ثم قال: واتفق العلماء على أن الأمر بالصيد  هاهنا -أي: في قوله تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ} [المائدة: 2]- لا يدل على الوجوب؛ وإنما اتفق العلماء على أن الأمر بالصيد في هذه الآية بعد النهي عنه من قبل في حالة الإحرام يدل على إباحته في حالة الحلال: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ}  أي: انتهيتم من الإحرام: { فَاصْطَادُواْ } فإن الصيد يكون مباحًا لكم. وقد ذكر هنا اتفاق العلماء كما ذكر ابن قدامة إجماع العلماء.

كما اتفقوا على ذلك في قوله تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ } [الجمعة: 10] أي: أن المقصود به الإباحة وليس الوجوب، أي: ليس الانتشار من المساجد بعد أداء الصلاة واجبًا ولكنه مباح، فمن شاء فليذهب ومن شاء فليمكث في المسجد لوقوع الأمر به بعد النهي؛ فالأمر بعد النهي يدل على الإباحة؛ لأنه بالنهي كان حرامًا، وبالأمر به يصبح مباحًا وإن كانوا -أي العلماء- قد اختلفوا هل الأمر بعد النهي يقتضي الإباحة أو لا يقتضيه؛ وإنما يقتضي الوجوب، وكره مالك الصيد الذي يُقصد به السرف والزيادة عن الحاجة التي يحتاجها الصائد، والسرف، أي: الإسراف والمتعة وليس للأكل أو الطعام.

وللمتأخرين من أصحابه في ذلك تفصيل محصول قولهم فيه -أي: الصيد- أن منه ما هو في حق بعض الناس واجب حينما يضطر الإنسان إلى ذلك ليبقي على نفسه وحياته، وفي حق بعضهم حرام أي: حينما يكون الشخص محرمًا، وفي حق بعضهم مندوب لإطعام الفقراء أو المساكين، وفي حق بعضهم مكروه إذا كان يشغله أو يعطله عن بعض الواجبات، وهذا النظر في الشرع تغلغل في القياس وبعد عن الأصول المنطوق بها في الشرع، فليس يليق بكتابنا هذا؛ إذ كان قصدنا فيه إنما هو ذكر المنطوق به من الشرع أو ما كان قريبًا من المنطوق به.

وكأن ابن رشد يريد أن يقول: إن علماء المذهب والمتأخرين منهم أغرقوا في مسائل الصيد وذكروا تفاصيل واختلفوا فيها، وليس عليها دليل ولذلك نأى بكتابه عنها ولم يسترسل في ذكرها.

وأما محل الصيد فإنهم أجمعوا على أن محله من الحيوان البحري –”المحل” أي: ما الذي يصطاد؟ أو ما الحيوان أو الطير الذي يباح صيده؟- يبين ابن رشد -رحمه الله- أن العلماء قد أجمعوا على أن الحيوان البحري وهو السمك وأصنافه هو محل للصيد جميع أنواع السمك، أما من البر فالحلال الأكل غير المستأنس يعني الذي يصاد هو الحيوان البري الحلال الأكل غير المستأنس، وإنما يعيش في الصحراء كالغزال والنعام والبقر الوحشي ونحو ذلك.

واختلفوا فيما استوحش من الحيوان المستأنس كالإبل إذا استوحشت، أو البقر إذا استوحش صار وحشيًّا، والمفروض أنه مستأنس فلم يقدر على أخذه ولا ذبحه ولا نحره كيف يكون العمل؟ هل يصاد، أو يزكى؟ فقال مالك: لا يؤكل إلا أن يُنحر من ذلك ما ذكاته النحر كالإبل، ويُذبح ما ذكاته الذبح، أو يفعل به أحدهما إن كان مما يجوز فيه الأمران جميعًا كالبقر. وقال أبو حنيفة والشافعي وأحمد: إذا لم يُقدر على زكاة البعير الشارد فإنه يقتل كالصيد، يعني: بأي كيفية تم ذلك.

إذن محل الصيد هو الحيوان البحري بكل أشكاله، والحيوان البري غير المستأنس الحلال الأكل، وذلك محل اتفاق بين العلماء، أما ما توحش من الحيوانات المستأنسة كالبقر أو الإبل أو الضأن وهام على وجهه في الصحراء، ولم نستطع إمساكه ولا ذبحه ولا نحره؛ فإن العلماء اختلفوا في كيفية تزكيته؛ فقال مالك: لا بد من ذكاته الأصلية وهي نحر الإبل والذبح للغنم وما يجوز فيه الأمران كالبقر والجاموس يُنحر أو يذبح. وجمهور العلماء على أنه ينطبق عليه ما ينطبق على الحيوانات غير المستأنسة؛ فما دام لم يقدر على ذكاته فإنه يقتل كالصيد.

وفي سبب اختلافهم على هذا النحو يقول ابن رشد -رحمه الله-: سبب اختلافهم: معارضة الأصل في ذلك للخبر؛ وذلك أن الأصل في هذا الباب هو أن الحيوان الإنسي لا يُؤكل إلا بالذبح أو النحر -كما سبقت الإشارة إليه وبيانه- وأن الوحشي يؤكل بالعَقر هذا هو الأصل، وأما الخبر المعارض لهذه الأصول؛ فحديث رافع بن خديج وفيه قال: فندّ منها بعير، وكان في القوم خيل يسيرة؛ فطلبوه فأعياهم، فأهوى إليه رجل بسهم فحبسه الله تعالى به. يعني: ضربه رجل بسهم فحبسه الله تعالى، أمسكه إليهم وتوقف، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش -أي: من هذه البهائم المستأنسة ما يصبح متوحشًا كأوابد الوحش- فما ندَّ عليكم –يعني: بعُد عنكم وهرب منكم- واستوحش فاصنعوا به هكذا)) أي: كما يُفعل في صيد الحيوانات الوحشية.

وقد علق ابن رشد -رحمه الله- على هذا الحديث بقوله: القول بهذا الحديث أولى لصحته؛ إذ رواه الجماعة؛ لأنه لا ينبغي أن يكون هذا مستثنى من ذلك الأصل، مع أن لقائل أن يقول: إنه جارٍ مجرى الأصل في هذا الباب، وذلك أن العلة في كون العقر زكاة في بعض الحيوان ليس شيئًا أكثر من عدم القدرة عليه. يعني: الحيوان المستأنس حتى في الحضر إذا لم نقدر عليه وعلى تزكيته نعقره من أي مكان، لا لأنه وحشي فقط؛ فإذا وجد هذا المعنى من الإنسي -أي: عدم القدرة على تزكيته- جاز أن تكون ذكاته زكاة الوحشي فيتفق القياس والسماع، وهذا هو الأولى والصحيح.

بذلك يكون ابن رشد -رحمه الله- قد بيَّن لنا في هذا الباب الأول حكم الصيد، وبيَّن لنا أن الأصل فيه الإباحة، وأن أدلة إباحته من القرآن الكريم والسنة كثيرة، وقد أجمع العلماء واتفقوا على ذلك.

الباب الثاني: عما يكون به الصيد:

وفي الباب الثاني يتكلم ابن رشد عما يكون به الصيد، أي: الوسائل التي يُصاد بها وهي الآلات والحيوانات الجوارح، ماذا من الآلات وماذا من الحيوانات؟ يقول -رحمه الله-: والأصل في هذا الباب آيتان وحديثان: الآية الأولى قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ } [المائدة: 94] انظر: { تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ } الآية الثانية: {قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ} [المائدة: 4]؛ فالآية الأولى تحدثت عن وسيلة أو أكثر الأيدي والرماح، والآية الثانية تحدثت عن الجوارح المعلمة من الحيوانات أو الطيور.

أما الحديثان فأحدهما حديث علي بن حاتم وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: ((إذا أرسلت كلابك المعلمة وذكرت اسم الله عليها؛ فكل مما أمسكن عليه)) فذكر الكلاب المعلمة: ((وإن أكل الكلب فلا تأكل)) إذن يُشترط في الكلب حتى يكون معلمًا ألا يأكل فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه أي الكلب لم يمسك لك، وإنما أمسك لنفسه ((وإن خالطها كلاب غيرها فلا تأكل))؛ لأنك لا تعلم هل هي معلمة مثل كلبك أو ليست معلمة ((فإنما سميت على كلبك ولم تسمِّ على غيره)) وبعد أن بيَّن رسول الله صلى الله عليه وسلم الصيد بالكلب المعلم وبيَّن أن من شرطه ألا يأكل حتى لا يكون قد أمسك على نفسه وألا يكون معه كلاب أخرى؛ لأن صاحب الكلب لم يسمِّ إلا على كلبه.

بعد هذا سأله عدي بن حاتم عن المعراض، والمعراض سهم لا ريش له، يعني: لا نصل له، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إذا أصاب بعرضه فلا تأكل)) لأنه حينئذ كالمثقل لم يرق دمًا ولم يخرق لحمًا فلا تأكل ((فإنه وقيذ)) أي: مضروب، وهذا الحديث أصل في أكثر ما في هذا الكتاب.

والحديث الثاني حديث أبي ثعلبة الخشني، وفيه من قوله صلى الله عليه وسلم: ((ما أصبت بقوسك فسم الله ثم كل -فهذا هو السهم- وما صدت بكلبك المعلم فاذكر اسم الله ثم كل -فهذا على الكلب المعلَّم- وما صدت بكلبك الذي ليس بمعلم وأدركت ذكاته -أي وذكيته- فكل)) وهذان الحديثان اتفق أهل الصحيح على إخراجهما.

ومن مجموع هاتين الآيتين وهذين الحديثين نعلم أن الصيد يتم بعمل من الإنسان بيديه كالقوس والسهم والرمح والمعراض: { تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ }، وكذلك يتم الحيوانات المعلمة كالكلب المعلم والجوارح، {وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ} فالقوس والمعراض والرمح والكلب المعلم والجوارح المعلمة كل ذلك مع ذكر الله تعالى يأكل منه المسلم، وما وجده حيًّا بعد هذا يمكن أن يزكيه: ((وما صدت بكلبك الذي ليس بمعلم وأدركت ذكاته فكل)).

بعد هذه النصوص الأربعة الآيتين والحديثين، قال ابن رشد في التعليق على هذا: والآلات التي يصاد بها منها ما اتفقوا عليها بالجملة، ومنها ما اختلفوا فيها وفي صفاتها، وهي ثلاث: حيوان جارح، وآلة محددة، ومثقل.

فأما المحدد فاتفقوا عليه كالرماح والسيوف والسهام؛ للنص عليها في الكتاب والسنة، وكذلك بما جرى مجراها مما يعقر ما عدا الأشياء التي اختلفوا في عملها في زكاة الحيوان الإنسي، وهي السن والظفر والعظم، وقد سبق بيان ذلك. هذا عن المحدد.

أما المثقل فاختلفوا في الصيد به مثل المعراض -أي: الذي لا حديدة له- والحجر، فمن العلماء من لم يجز من ذلك إلا ما أدركت ذكاته وزكي، ومنهم من أجازه على الإطلاق -يعني: أدركنا ذكاته أو لم نزكه- ومنهم من فرق بين ما قتله المعراض أو الحجر بثقله أو بعرضه، وما قتله بحده إذا خرق جسد الصيد، وهؤلاء الذين فرقوا بين الحالين أجازوا ما خرقه المعراض، ولم يجيزوا غير ذلك، وبهذا القول قال مشاهير فقهاء الأمصار؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعدي بن حاتم: ((إذا أصاب بعرضه فلا تأكل؛ فإنه وقيذ)) وبهذا القول قال مشاهير فقهاء الأمصار -الشافعي، ومالك، وأبو حنيفة، وأحمد، والثوري وغيرهم- وهو راجع إلى أنه لا زكاة إلا بمحدد.

أما سبب اختلافهم في المثقل فهو معارضة الأصول في هذا الباب بعضها بعضًا، ومعارضة الأثر لها، وذلك أن من الأصول في هذا الباب أن الوقيذ محرم بالكتاب والإجماع: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ} [المائدة: 3] فالوقيذ أو الوقيذة محرم بالكتاب والإجماع، ومن أصول هذا الباب أن العقر زكاة الصيد، فمن رأى أن ما قتل المعراض وقيذ منعه على الإطلاق، ومن رآه عقرًا مختصًّا بالصيد، وأن الوقيذ غير معتبر فيه أجازه على الإطلاق، ومن فرق بين ما خرق من ذلك أو لم يخرق فمصيرًا إلى حديث عدي بن حاتم الذي سبق وهو الصواب.

إذن ابن رشد -رحمه الله- كلمنا في هذا الباب الثاني عن الآلات التي يكون بها الصيد، وبيَّن لنا الآيات والأحاديث التي أُخذ منها اعتبار هذه الآلات، وقسمها ثلاث أنواع: حيوان جارح لم نتحدث عنه بعد، ومحدد له حديدة كالرماح والسيوف والسهام، ومثقل كالمعراض وذكر اختلاف العلماء في ذلك وأسباب اختلافهم.

الحيوان الجارح وما يشترط فيه من الشروط:

يقول الحقُّ تعالى: {وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللّهُ} [المائدة: 4]، وتحت هذا العنوان يقول ابن رشد:

وأما الحيوان الجارح؛ فالاتفاق والاختلاف فيه، منه متعلق بالنوع والشرط، ومنه ما يتعلق بالشرط، والمقصود بالنوع نوع الحيوانات الجارحة التي يمكن أن تعلم، ويمكن أن تصطاد. هل هي كل الحيوانات الجارحة أم أنواع منها؟ وما شروط هذه الأنواع التي تقوم بعملية الصيد والتعليم؟:

فأما النوع الذي اتفقوا عليه من الحيوانات الجارحة؛ فهو الكلاب ما عدا الكلب الأسود؛ فإنه كرهه قوم منهم: الحسن البصري، وإبراهيم النخعي، وقتادة، وقال أحمد: ما أعرف أحدًا يرخص فيه إذا كان بهيمًا. أي: أسود كامل السواد، وبه قال إسحاق، وأما جمهور العلماء فعلى إجازة صيده كل كلب حتى ولو كان أسود، صيده جائز ما دام معلمًا، وسبب اختلافهم هو معارضة القياس للعموم؛ ذلك أن عموم قوله تعالى: {وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ} يقتضي تسوية جميع الكلاب في ذلك الأسود وغيره، وأمره صلى الله عليه وسلم بقتل الكلب الأسود البهيم، وهو الذي لا بياض فيه، وهذا الأمر يقتضي في ذلك القياس ألا يجوز اصطياده على رأي من يرى أن النهي يدل على فساد المنهي عنه.

وأما الذي اختلفوا فيه من أنواع الجوارح غير الكلب. يعني: الكلب اتفقوا على جواز صيد جميع الكلاب المعلمة إلا الكلب الأسود فاختلفوا فيه، فالجمهور على جواز صيده لعموم الدليل، وبعض الفقهاء على أن صيد الكلب الأسود لا يجوز. هذه جزئية.

أما الجزئية الثانية فهي ما عدا الكلاب هل يجوز تعليمه واصطياده، أو لا يجوز؟ كذلك جوارح الطير ما يجوز منها وما لا يجوز؟ من العلماء من أجاز جميع الحيوانات وجميع الطيور حتى السنَّور وهو القط الأهلي والبري، وهو مذهب مالك وأصحابه، وبه قال فقهاء الأمصار. يعني: جميع الحيوانات المعلمة التي يمكن أن تصطاد جائزة بشروط التعليم، وهو مروي عن ابن عباس، يعني: أن ما قبل التعليم من جميع الجوارح فهو آلة بزكاة الصيد، وهذا هو رأي الجمهور وهو الصحيح، وقال قوم: لا اصطياد بجارح ما عدا الكلب للآية الكريمة: {مُكَلِّبِينَ} فلا اصطياد بجارح ما عدا الكلب -فقط هو الذي يصطاد لا باز ولا صقر ولا غير ذلك. والباز نوع من الصقور الكبيرة- إلا ما أدركت ذكاته، يعني: إذا أمسكت هذه الجوارح الحيوان، وأدركه الصائد، وزكَّاه بيده إلا ما أدركت ذكاته فهو جائز، وهو قول مجاهد وابن عمر، واستثنى بعضهم من الطيور الجارحة الباز فقط؛ فإنه يجوز صيده وحده.

وفي سبب اختلاف الفقهاء في هذا الباب على هذا النحو قال ابن رشد: وسبب الاختلاف بين جنس الكلاب والكلب الأسود أو عموم الجوارح ومنها الكلب، أو ليس إلا الكلب فقط ومن الطيور الباز والصقر، أو ليس إلا الباز فقط شيئان:

أحدهما: قياس سائر الجوارح على الكلاب؛ لأن الآية تقول: {وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ} جمع جارحة، وذلك أنه قد يظن أن النص إنما ورد في الكلاب أعني قوله تعالى: {وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ} إلا أن يتأول أن لفظة: { مُكَلِّبِينَ } مشتقة من كلَّب الجارح، أي: علَّمها، لا من لفظ الكلب، ويدل على هذا عموم اسم الجوارح الذي في الآية؛ فعلى هذا يكون سبب الاختلاف: الاشتراك الذي في لفظة: { مُكَلِّبِينَ } هل هي مشتقة من الكلب أو من التكليب، أي: التعليم؟.

الثاني: هل من شرط الإمساك: إمساك الجارحة على صاحبها أم لا؟ وإن كان من شرطه؛ فهل يوجد في غير الكلب إمساك أو لا؟:

السؤال الأول: هل من شرط الإمساك: {فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} [المائدة: 4] إمساك الجارحة أو الجوارح على صاحبها، وهل يوجد هذا الشرط في غير الكلب أو لا يوجد؟ للإجابة عن هذا يقول ابن رشد -رحمه الله-: فمن قال: لا يقاس سائر الجوارح على الكلاب، وأن لفظة: { مُكَلِّبِينَ } مشتقة من اسم الكلب لا من اسم غير الكلب، أو أنه لا يوجد الإمساك إلا في الكلب –يعني: يمسك على صاحبه وأن ذلك شرط- قال: لا يصاد بجارح سوى الكلب.

ومن قاس على الكلب سائر الجوارح، ولم يشترط في الإمساك: الإمساك على صاحبه، قال: يجوز صيد سائر الجوارح إذا قبلت التعليم. إذن هذا عن سائر الجوارح وعن الكلب وسبب الاختلاف بين الفقهاء في ذلك.

النقطة الثانية: الاختلاف في البازي والصقر، وأما من استثنى من ذلك البازي فقط فمصيرًا إلى ما روي عن عدي بن حاتم أنه قال: ((سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيد البازي فقال: ما أمسك عليك؛ فكل)) خرجه الترمذي؛ إذن هذه هي أسباب اتفاقهم واختلافهم في أنواع الجوارح، وتلك هي المسألة الأولى من مسائل هذا الفصل من الآلات وهو الحيوان الجارح.

شروط الحيوان الجارح:

هل التعليم له شروط أو لا؟ وهل هذه الشروط معتبرة في جميع الجوارح أو في بعضها؟ أما الشروط المشترطة في الجوارح فإن منها ما اتفقوا عليه وهو التعليم بالجملة؛ لقوله تعالى: {وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ} وقوله صلى الله عليه وسلم: ((إذا أرسلت كلبك المعلم)) لكن ما هي صفة التعليم؟ وما شروطه؟ اختلفوا في صفة التعليم وشروطه، فقال قوم التعليم: ثلاثة أصناف:

أحدها: أن تدعو الجارح فيجيبك تطلبه فيأتيك.

الثاني: أن تشليه فينشلي، بمعنى: أن ترسله فيستجيب للإرسال ويسترسل.

الثالث: أن تزجره فيزدجر، يعني: تنهره وتمنعه من الأكل من هذا الصيد أو غيره فينزجر ويزدجر، فهذا هو دليل التعليم.

ولا خلاف بينهم في اشتراط هذه الثلاثة في الكلب؛ وإنما اختلفوا في اشتراط الانزجار في سائر الجوارح، وجمهور العلماء على اشتراطها في ذوات المخلب.

وكذلك اختلفوا في شرط آخر: وهو أكل الجارح من الصيد؛ هل يشترط للتعليم ألا يأكل الجارح، أو لا مانع أن يأكل الجارح من الصيد؟

من العلماء من اشترطه على الإطلاق، يعني: لا يجوز للجارح أن يأكل من الصيد الذي صاده، ولو أكل لم يكن معلمًا، ومنهم من اشترط عدم الأكل في الكلب فقط، وقال مالك: إن هذه الشروط الثلاثة شرط في الكلاب وغيرها. وقال ابن حبيب من أصحابه: ليس يشترط الانزجار فيما ليس يقبل ذلك من الجوارح، مثل البزاة والصقور؛ لأنها لا تقبل. وهو مذهب مالك.

وجمهور العلماء على جواز أكل صيد البازي والصقر وإن أكل؛ لأن تضريته إنما تكون بالأكل، فالخلاف في هذا الباب راجع إلى موضعين: أحدهما هل من شرط التعليم أن ينزجر إذا زجر؟ والثاني هل من شرطه ألا يأكل؟ وسبب الخلاف في اشتراط الأكل أو عدمه شيئان: أحدهما: اختلاف الآثار في ذلك، والثاني: هل إذا أكل فهو ممسك على صاحبه أم لا؟.

أما الآثار فمنها حديث عدي بن حاتم السابق وفيه: ((فإن أكل فلا تأكل؛ فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه)) أي: أمسك لنفسه وليس لك، وهذا يشترط عدم الأكل.

الحديث الآخر معارض لهذا وهو حديث أبي ثعلبة الخشني، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل. قلت: وإن أكل منه يا رسول الله؟ قال: وإن أكل)) إذن الحديثان متعارضان من العلماء من جمع بينهما، ومن العلماء من أخذ بأحدهما، فمن جمع بين الحديثين بأن حمل حديث عدي بن حاتم على الندب ((فإن أكل؛ فلا تأكل)) استحبابًا، وحمل الآخر على جواز الأكل؛ ليس من شرطه أن لا يأكل، ومن رجح حديث عدي بن حاتم؛ لأنه هو الحديث المتفق عليه، وحديث أبي ثعلبة الخشني مختلف فيه، فيكون العمل بحديث عدي وهو اشتراط عدم الأكل، وقال: من شرط الإمساك ألا يأكل، بدليل الحديث المذكور، فمن قال بذلك قال: إن أكل الصيد أو أكل الجارح الصيد لم يؤكل. وبه قال الجمهور: الشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد، وإسحاق، والثوري، وهو قول ابن عباس.

ورخص في أكل ما أكل الكلب مالك وسعيد بن مالك وابن عمر وسليمان، وقالت المالكية المتأخرة: إنه ليس الأكل بدليل على أنه لم يمسك لسيده، ولا الإمساك لسيده بشرط في الذكاة؛ لأن نية الكلب غير معلومة، وقد يمسك لسيده ثم يبدو له فيمسك لنفسه.

وقد رد ابن رشد على هؤلاء المتأخرين، وقال: هذا الذي قالوه خلاف النص في الحديث، وخلاف ظاهر الكتاب وهو قوله تعالى: {فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} [المائدة: 4] وللإمساك على سيد الكلب طريق تعرف به وهو العادة؛ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: ((فإن أكل فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه)). هذا عن شرط الأكل.

أمَّا عن الازدجار، وأن ينزجر إذا زجر؛ فاختلافهم في الازدجار ليس له سبب إلا اختلافهم في قياس سائر الجوارح من ذلك على الكلب؛ لأن الكلب ينزجر، أما غيره فقد لا ينزجر؛ لأن الكلب الذي لا يزدجر لا يسمى معلمًا باتفاق. فأما سائر الجوارح إذا لم تنزجر هل تسمى معلمة أم لا؟ في ذلك تردد وهذا هو سبب الاختلاف بين العلماء.

الذكاة المختصة بالصيد وشروطها:

بعد أن عرفنا فيما مضى من كتاب الذبائح أن الذكاة الشرعية تكون بقطع الحلقوم والمرّيء والودجين، وأقوال الفقهاء فيما يجوز من هذه الأربعة أو فيما يكفي منها –نتعرف على الذكاة المختصة بالصيد، وهل تختلف عن الذكاة الخاصة بالذبائح، الأنعام، الحيوانات المستأنسة، أو لا تختلف عنها؟:

إن العلماء -كما يقول ابن رشد، رحمه الله- اتفقوا على أن الذكاة المختصة بالصيد ليست الذبح كما هو معروف في الغنم والبقر، وليست النحر كما سبق أن بيّنا في الذبائح في الإبل؛ وإنما هي العقر، والعقر أي: الإصابة في أي جزء من أجزاء الجسم -جسم المُصْطَاد- مع إراقة الدم، سواء كان هذا العقر بمعنى العض أو الإمساك من الخلف أو من الأمام أو من الصدر أو من الظهر أو من أي مكان آخر في هذا الصيد.

هذا الجزء الذي هو العقر الذي هو ذكاة الصيد محلّ اتفاق بين العلماء، ولكنهم اختلفوا في شروط هذه الذكاة اختلافًا كثيرًا، وعن هذا الاختلاف يقول ابن رشد: إذا اعتبرت أصول هذه الشروط التي هي أسباب الاختلاف واستثنيت الشروط المشترطة في الآلة وفي الصائد -وجدت محلّ الخلاف ثمانية شروط: اثنان منها يشتركان في الذكاتين -يعني: ذكاة المصيد وغير المصيد- وهي: النية، والتسمية. وستة منها تختص بهذه الذكاة -أي: ذكاة الصيد، ثم استعرض ابن رشد -رحمه الله- تلك الشروط الستة، وبيّن إجمالًا أقوال الفقهاء فيها، ثم بدأ بعد ذلك في تفصيلها، فقال:

الشرط الأول: أنها إن لم تكن الآلة أو الجارح الذي أصاب الصيد -والمقصود بالآلة هي: السهام، أو النبال، أو الرماح، أو الشبكة، والحبائل، أو نحو ذلك من كل محدد أو مثقّل، والجارح كما علمنا أيضًا: ما يجوز الصيد به من كل حيوان أو طير معلم كما هو قول الجمهور- هذه الآلة أو هذا الجارح الذي أصاب الصيد إن لم يكن قد أنفذ مقاتله فإنه يجب أن يذكى بذكاة الحيوان الإنسي، أي: بقطع حلقومه ومريئه والودجين أو قطع بعض ذلك. ومحلّ هذه التذكية إذا قدر عليه أُمسك الصيد قبل أن يموت مما أصابه من الجارح أو من الآلة، وأما إن كان قد أنفذ مقاتله -أي: أصيبت- فليس يجب ذلك، أي: لا تجب التذكية بقطع الحلقوم والمريء والودجين، وإن كان قد يستحب ما دام قد أصبح هذا الحيوان المُصطاد بين أيدينا ومقدورًا عليه وما تزال حياته حياة مستقرة.

الشرط الثاني: أن يكون الفعل الذي أصيب به الصيد، سواء كان قذفًا برمح أو سهم أو رميًا بنبل أو رمح أو معراض -أن يكون الفعل الذي أصيب به الصيد مبدؤه من الصائد نفسه وليس من غيره، يعني: لا من الآلة كالحال بالحبالة، أي: الحبل الذي يشد لإعاقة الحيوانات من الجري وصيدها، يسمى الحبالة؛ لأنها مأخوذة من الحبل ولا من الجارح كالحال فيما يصيب الكلب الذي ينشلي من ذاته، والمعنى: أن الكلب إذا استرسل بذاته ولم يرسله الصائد، أو أن الحبالة هي التي أمسكت الصيد وأصابته، وليست الإصابة أو ليس الفعل مبدؤه من الصائد: هل يكون هذا الحيوان المصطاد حلالًا أو ليس حلالًا؟ هذا أيضًا محلّ اختلاف بين العلماء -كما سيتضح بعد ذلك.

الشرط الثالث: أيضا اختلف الفقهاء في الشروط الباقية ومنها: ألا يشاركه في العقر من ليس عقره ذكاة، يعني: الحيوانات التي ليست جوارح أو المعراض إذا أصاب المصطاد بعرضه وليس بحده، وهذا الشرط وإن كان قد ذكره ابن رشد -رحمه الله- ضمن شروط الذكاة في الصيد إلا أنه محل إجماع بين العلماء -كما سنعرف بعد ذلك.

الشرط الرابع: ألا يشكّ في عين الصيد الذي أصابه، يعني: الصائد لا يكون عنده شك في أن هذا الحيوان الذي أخذه هو الحيوان الذي نوى اصطياده وسلّط الكلب الجارح عليه أو أرسل الآلة عليه، وذلك عند غيبته عن عينه، فإذا كان الصائد غائبًا فقد يتطرق الشك: هل إصابته هي التي أصابته أو أصابه غيري؟.

الشرط الخامس: ألا يكون الصيد مقدورًا عليه، أي: غائبًا متفلتًا بعيدًا هاربًا شاردًا غير مقدور عليه في لحظة إرسال الجارح أو الآلة إليه، أما إن كان مقدورًا عليه فالأولى بل الأوجب تذكيته بالذكاة الشرعية كالذبائح المعروفة؛ لأن الصيد إنما يكون لغير المقدور عليه.

الشرط السادس: ألا يكون موته من رعب من الجارح أو بصدمة منه، فأحيانًا يكون الجارح ثقيلًا فيصدم الصيد ويقتله بصدمته، أو يخاف منه الصيد فيموت قبل أن يمسه الحيوان الجارح، هذا شرط: ألا يكون موت الصيد من رعب من الجارح أو بصدمة منه.

كل هذه الشروط الستة محل اختلاف بين الفقهاء؛ ولذلك قال -رحمه الله-: فهذه هي أصول الشروط التي من قِبَل اشتراطها أو عدم اشتراطها عرض الخلاف بين الفقهاء، فمن اشترطها قال عند عدم وجودها: لا يحل هذا الصيد، ومن لم يشترطها قال: يحلّ، وربما اتفقوا على وجوب بعض هذه الشروط -كما ذكرنا-: ألا يشاركه في العقر من ليس عقره بذكاة، ويختلفون في وجودها في نازلة النازلة أي: في واقعة واقعة، كاتفاق المالكية على أن من شرط الفعل أن يكون مبدؤه من الصائد، واختلافهم إذا أفلت الجارح من يده أو خرج بنفسه وليس من الصائد، ثم بعد خروجه أغراه: هل يجوز ذلك الصيد أم لا يجوز؟ اختلفوا في ذلك لتردد هذه الحال بين أن يوجد لها هذا الشرط أو لا يوجد.

ومن أمثلة ذلك أيضًا اتفاق أبي حنيفة ومالك على أن من شرطه -أي: الصيد- إذا أُدرك غير منفوذ المقادر أن يذكّى الذكاة الشرعية إذا قدر عليه قبل أن يموت، واختلافهم -أي: أبو حنيفة ومالك- بين أن يخلّصه حيًّا؛ فيموت في يده قبل أن يتمكن من ذكاته أو لا؟ أبو حنيفة منع هذا، ومالك أجازه ورآه مثل الأول، يعني: سواء قدر على تخليصه من الجارح أو لم يقدر، فكلاهما حلال؛ لتردد هذه الحال بين أن يقال: أدركه غير منفوذ المقاتل وفي غير يد الجارح؛ فأشبه المفرط أو لم يشبه؛ فلم يقع منه تفريط، فالمسألة محل اختلاف بين أبي حنيفة ومالك.

وإذا كانت هذه الشروط هي أصول الشروط المشترطة في الصيد مع سائر الشروط المذكورة في الآلة والصائد نفسه، فيجب أن يذكر منها ما اتفقوا منه عليه وما اختلفوا فيه وأسباب الخلاف في ذلك وما يتفرع عنها من مشهور مسائلهم.

هذا ما ذكره ابن رشد في مسائل معرفة الذكاة المختصّة بالصيد. وكان قد عرفنا في البداية أن اثنين من هذه الشروط يشتركان في الذكاتين -أي: ذكاة الحيوانات المستأنسة كالأنعام، وذكاة الصيد- وهما: النية، والتسمية. وستة تختص بذكاة الصيد.

بدأ -رحمه الله- في تفصيل ذلك بقوله: أما التسمية والنية؛ فقد تقدم الخلاف فيهما وسببه في كتاب الذبائح، وقد عرفنا هناك أن من الفقهاء من يشترط التسمية ومنهم من لم يشترطها إلا في حال الذكر وتسقط في حال النسيان، ومنهم من لم يشترطها مطلقًا، والجمهور على اشتراطها عند الذكر وعلى سقوطها عند النسيان.

كذلك الأمر في النية، ومن قِبَل اشتراط النِّيَّة في الذكاة، فمن اشترط كلًّا من النِّيَّة والتسمية إذا أرسل الجارح على صيد وأخذ آخر؛ فإنه يشترط ذلك أيضًا في الصيد، ومن لم يشترط النِّيَّة ولا التسمية في الذبائح لم يشترطها أيضًا عند إرسال الجارح على صيد أو غيره.

قال: ومن قِبَل اشتراط النِّيَّة في الذكاة لم يجز عند من اشترطها إذا أرسل الجارح على صيد وأخذ الجارح آخر لم يجز ذكاة ذلك الصيد الذي لم يرسل من البداية عليه؛ لأنه لم يكن محل النية، وبهذا قال مالك. أما جمهور العلماء فقالوا: ذلك جائز ويؤكل، يعني: من لم ينوِ ذلك الصيد وجاء الجارح به فهو صيد ويجوز أكله، سواء قصده الصائد أو لم يقصده؛ لعموم قوله تعالى: {فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} [المائدة: 4] ولم يقل: “مما نويتم صيده”.

ومن قِبَل هذا أيضًا اختلف أصحاب مالك في الإرسال على صيد غير مرئي غائب، كالذي يرسل على ما في غيضة أو من وراء أكمة، يعني: مجموعة أشجار فيها صيد وهو غير مرئي، ولا يدري هل هناك شيء أم لا؛ لأن القصد في هذا يشوبه شيء من الجهل. إذن وجهة نظر الإمام مالك أو المالكية أنه لا بد من نية الصيد وقصده وتحديده، وإذا لم يتحقق ذلك لم يجز أكله، أما الجمهور فعلى جواز ذلك لعموم الآية الكريمة.

هذان -النية، والتسمية- هما الشرطان المشتركان بين الذبائح الإنسية والصيد. أما الشروط الستة الأخرى الخاصة بذكاة الصيد فقد بدأ -رحمه الله- في بيانها على النحو التالي:

الشرط الأول -الخاص بذكاة الصيد-: أن عقر الجارح له إذا لم ينفذ مقاتله، إنما يكون ذكاة إذا لم يدركه المرسِل حيًّا، أما إن أدركه حيًّا فعليه أن يذكيه الذكاة الشرعية المعروفة. بهذا الشرط قال جمهور العلماء؛ لما جاء في حديث عدي بن حاتم في بعض رواياته أنه قال صلى الله عليه وسلم: ((وإن أدركته حيًّا فاذبحه)) إذن لا بد أن يدرك الصيد ميتًا منفوذ المقاتل، أما إن أدرك حيًّا لم يكن العقر ذكاة له، وكان لا بد من تذكيته الذكاة الشرعية، هذا هو قول جمهور العلماء استنادًا إلى حديث عدي بن حاتم.

أما النخعي -رحمه الله- فكان يقول: “إذا أدركته حيًّا ولم يكن معك حديدة فأرسل عليه الكلاب حتى تقتله” يعني: ليس بالضروري الذكاة الشرعية بالذبح، ولعلّ ذلك منه لموقع الضرورة حيث قال: “ولم يكن معك حديدة”، وبه قال الحسن البصري مصيرًا لعموم قوله تعالى: {فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ}.

من قِبَل هذا الشرط قال مالك: لا يتوانى المرسِل في طلب الصيد، يعني: بمجرد أن يمسكه أو أن يصل إليه فلا يتركه حتى يموت، فإن توانى فأدركه ميتًا، فإن كان منفوذ المقاتل بسهم حلّ أكله؛ لأن السهم هو الذي أماته، وإلا لم يحلّ، من أجل أنه لو لم يتوانى لكان يمكن أن يدركه حيًّا غير منفوذ المقاتل. ومقتضى قول الإمام مالك -رحمه الله-: أن الصائد لا يجوز أن يتوانى في الصيد؛ حتى لا يموت الصيد، فإن توانى كان مسئولًا عن موته وعن عدم الأكل منه إذا كان قد مات بغير السهم، أما إن كان قد مات بالسهم وأصاب السهم مقاتله حلّ أكله، وإن أدركه حيًّا كان لا بد من ذكاته.

الشرط الثاني -الخاص بذكاة الصيد-: وهو أن يكون الفعل مبدؤه من القانص ويكون متصلًا هذا الفعل حتى يصيب الصيد، فمن قبل اختلافهم فيه اختلفوا في ما تصيبه الحبالة والشبكة إذا أنفذت المقاتل بمحدد فيها: هل يحلّ هذا الصيد أو لا يحل؟ قال مالك: لا يحل، منع ذلك مالك والشافعي والجمهور، ورخّص فيه الحسن البصري وأبو حنيفة.

هذا الشرط الذي هو أن يكون الفعل مبدؤه من القانص محلّ اختلاف بين الجمهور وأبو حنيفة، ومن هذا الأصل لم يُجِز مالك الصيد الذي أرسل عليه الجارح فتشاغل الجارح بشيء آخر ثم عاد إليه من قبل نفسه.

الشرط الثالث -الخاص بذكاة الصيد-:  وهو ألا يشاركه في العقر من ليس عقره ذكاة له؛ فهو شرط مجمع عليه، كأن يشترك مثلًا كلب مع فيل، ربما يكون الفيل هو الذي قتل؛ فإذن يشترط في الصيد -صيد الحيوان أو الجارح- ألا يشاركه في العقر من ليس عقره ذكاة له، وهذا شرط مجمع عليه -كما قال ابن رشد.

الشرط الرابع -الخاص بذكاة الصيد-: وهو: ألا يشك في عين الصيد، الصائد لا يشك: هل هذا هو الصيد الذي اصطدته وأرسلت إليه سهمي أو الكلب المعلَّم أو هذا صيد آخر؟ لأن الشك يؤدي إلى التحريم، كما لا يجوز أن يشكّ في قتل جارحه له، فمن قِبَل هذا الشرط اختلفوا في أكل الصيد إذا غاب مصرعه، يعني: قُتل دون أن يراه الصائد، أو يرى حيوانه الجارح ممسكًا به، أو يرى سهمه واصلًا إليه، اختلفوا في ذلك؛ فقال مالك مرة: لا بأس بأكل الصيد إذا غاب عنك مصرعه؛ إذا وجدت به أثرًا من كلبك، أو كان به سهمك ما لم يبِت، فإذا بات فإني أكرهه. وبالكراهية قال الثوري، يعني: في الصيد الغائب الذي قُتل بسهمك وبات. وقال عبد الوهاب: إذا بات الصيد من الجارح لم يؤكل، أما إذا بات من السهم ففيه خلاف. وقال ابن الماجشون: يؤكل فيهما جميعًا؛ إذا وجد منفوذ المقاتل. وقال مالك في (المدونة): لا يؤكل فيهما جميعًا إذا بات وإن وجد منفوذ المقاتل. إذن في المذهب المالكي أكثر من رأي في الصيد الذي مات بعيدًا عن الصائد وبات.

وقال الشافعي وأحمد: القياس ألا تأكله إذا غاب عنك مصرعه. وقال أبو حنيفة: إذا توارى الصيد والكلب في طلبه؛ فوجده المرسل مقتولًا جاز أكله؛ ما لم يترك الكلب الطلب؛ لأنه ربما قتله كلب آخر، فإن تركه كرِهْنا أكله.

ما سبب اختلاف الفقهاء في الصيد الذي غاب مصرعه على هذا النحو بين من يحلّ أكله ومن لا يحلّ أكله؟:

قال ابن رشد: سبب اختلافهم شيئان:

السبب الأول: الشك العارض في عين الصيد، وقد عرفنا أنه من الشروط ألا يشك في عين الصيد.

السبب الثاني: اختلاف الآثار في هذا الباب، فقد روي عن مسلم والنسائي والترمذي وأبو داود عن أبي ثعلبة، عن النبي صلى الله عليه وسلم في الذي يدرك صيده بعد ثلاث قال: ((كلْ ما لم ينتن)) هذا تصريح بالأكل بعد يوم وبعد يومين وما لم ينتن، وعن مسلم عن أبي ثعلبة أيضًا، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا رميت سهمك فغاب عنك مصرعه؛ فكل ما لم يبِتْ)) فقيد الأكل هنا في اليوم وعدم المبيت، وفي حديث عدي بن حاتم أنه قال صلى الله عليه وسلم: ((إذا وجدت سهمك فيه، ولم تجد فيه أثر سبع، وعلمت أن سهمك قتله؛ فكل)). إذن الأحاديث متعارضة.

شروط القانص:

يقول ابن رشد: شروط القانص هي شروط الذابح نفسه، وهي كما اتفق عليه العلماء: البالغ، الذكر، العاقل، المحافظ على الصلاة، المسلم. أما من عدم هذه الشروط الخمسة فهو محل اختلاف -كما ذكرنا ذلك في كتاب الذبائح.

فيشترط في الصائد أن يكون مسلمًا، بالغًا، عاقلًا، ذكرًا، محافظًا على الصلاة، هذا هو المتفق عليه.

أما المختلف فيه: فأهل الكتاب، والمرأة، والصبي، والمجنون، والسكران، والسارق، والغاصب.

ويخص الاصطياد في البر شرط زائد وهو: ألا يكون الصائد محرمًا، ولا خلاف في ذلك لقوله تعالى: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} [المائدة: 96] فإن اصطاد محرِمٌ، هذه مسألة أو تفريع على تلك القضية: إن اصطاد محرم هل يحلّ ذلك الصيد، للحلال -أي: غير المحرم- أم يكون ميتة لا يحلّ لأحد أصلًا لا للمحرم ولا للحلال؟.

اختلف الفقهاء في ذلك؛ فذهب مالك وأحمد إلى أن صيد المحرم يعتبر ميتة، فلا يحلّ للمحرم ولا لغير المحرم وذهب الشافعي وأبو حنيفة وأبو ثور إلى أنه يجوز لغير المحرم أكله، وسبب اختلافهم هو الأصل المشهور وهو: هل النهي يعود بفساد المنهي عنه أم لا؟ وكذلك ذبح السارق والغاصب.

وأضاف أيضًا: واختلفوا من هذا الباب في كلب المجوسي المعلم: هل يجوز للمسلم أن يصيد به أو لا يجوز؟ وما العمل إذا اشترك كلب المجوسي مع كلب المسلم في صيد حيوان مباح الأكل؟ قال مالك: الاصطياد بكلب المجوسي المعلم جائز؛ لأن المعتبر الصائد وليس الآلة، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة وغيرهم؛ لأن العبرة هاهنا بالمسلم الذي أرسل كلب المجوسي المعلم؛ فالمسلم هو الصائد وليس الكلب، وهذا هو قول الجمهور وكرهه جابر بن عبد الله والحسن وعطاء ومجاهد والثوري؛ لأن الخطاب في قوله تعالى: {وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ} يعود إلى المؤمنين ولا يعود إلى غيرهم؛ قال: { وَمَا عَلَّمْتُم } ثم قال: {تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللّهُ} [المائدة: 4].

وقد اكتفى ابن رشد -رحمه الله- بهذا القدر من كتاب الصيد، ونضيف ما قاله ابن قدامة في هذه الجزئية وهو: أن يكون الصائد من أهل الذكاة؛ فإن كان وثنيًّا أو مرتدًّا أو مجوسيًّا أو من غير المسلمين وأهل الكتاب أو مجنونًّا -لم يبَح صيده.

error: النص محمي !!