Top
Image Alt

الصِّراع بين الإنسان وأخيه الإنسان

  /  الصِّراع بين الإنسان وأخيه الإنسان

الصِّراع بين الإنسان وأخيه الإنسان

كلّ شيء في جِسم الإنسان له طَاقة تَتحرّك بقَدر، ولا تَستوعب أكثر من قُدراتها، ولا تَتجاوز المَوازين الدَّقيقة التي خَلقها الله لأداء مَهامِّها في الجسم. فالأكل والشّرب والتّنفس له حُدود لا يتعدّاها. والكُرات الدموية والخلايا، والأنسجة والأعصاب، ومُعدّلات السُّكر والضَّغط ودقّات القلب، لها نِسب مُعيّنة مُنضبطة لا تَزيد ولا تَنقص. أمّا آمال الإنسان وطُموحاته وأحلامه فليس لها حدٌّ تَقف عِنده. ولقد وصف الرسول صلى الله عليه وسلم طَبيعة النفس البشرية، في الحِرص على المال وجَمْعه والاستزادة منه، فقال: ((لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ لَابْتَغَى ثَالِثًا، وَلَا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ، وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ)) رواه البخاري.

قال تعالى: {زُيّنَ لِلنّاسِ حُبّ الشّهَوَاتِ مِنَ النّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذّهَبِ وَالْفِضّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوّمَةِ وَالأنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَاللّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ} [آل عمران: 14].

وقال تعالى: {اعْلَمُوَاْ أَنّمَا الْحَيَاةُ الدّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأمْوَالِ وَالأوْلاَدِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفّارَ نَبَاتُهُ ثُمّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الاَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مّنَ اللّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدّنْيَآ إِلاّ مَتَاعُ الْغُرُورِ} [الحديد: 20].

فالدنيا تَتزيّن للناس بمباهِجها، وتَستثيرهم بزخارفها، وتَحثّهم على التَّكالُب عليها والتَّنافس والتَّصارع في الاستحواذ عَليها.

وكلّما شَعر الإنسان أنّ حَياته في هذا الكَون قَصيرة، وأنَّ عُمره في الدنيا محدود، وأنّ آماله وأطماعه ليس لها حَدّ، اشتد لَهيب العِراك والتقاتل بين البَشر.

ولقد كانت قَطرات الدّم الأولى في تاريخ البشرية، حينما امتدت يَد قابيل لِقتل أخيه هابيل حَسدًا وبَغيًا وظلمًا، هي بداية النَّزيف الدَّموي بين بني الإنسان من خلال التنافس على الدنيا، واستغلال الإنسان لأخيه الإنسان، واستعباده وانتهاك عِرضه وسَلب وأمواله. وأصبح هذا سِمةً من سِمات الدنيا، ومَعلَمًا واضحًا في تاريخ البشرية، ولا سيما حينما تَبتعد عن وحي السماء، ورسالات الأنبياء، وسلوك عباد الله الأتقياء.

وإنّ ما شَهده العالَم في القرن الماضي من حَربيْن عالَميّتيْن أزهقتا أرواح ما يزيد عن الخَمسين مليونًا من البَشر، وما تَشهده البَشرية مَطلع هذا القَرن من افتراس الدّول القَويّة الكُبرى للدّول والشُّعوب الضَعيفة، ما هو إلاّ بسبب تَخلِّي أمّة الدَّعوة إلى الله عن رسالتها، وتهاونها فيما شرّفها الله به وكرّمها بحَمْله.

فالمسلمون وحْدهم دون غَيرهم من أمم الأرض وشعوب الدنيا، مطالبون شرعًا وعقلًا أن يَمسحوا آلام البشريّة، وأن يُوقفوا نَزيف الدماء المستمر، وأن يَهْدوا العُقول الحائرة، والقُلوب الضالة، وأن يرُدّوا النفوس التائهة والشاردة إلى فطرة الله التي فطر الناس عليها، كما قال الله تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللّهِ الّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللّهِ ذَلِكَ الدّينُ الْقَيّمُ وَلَـَكِنّ أَكْثَرَ النّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} [الروم: 30].

وإنّ المستضعَفين في العالَم والمُضطهَدين من الأفراد والجَماعات، ليتطلّعون إلى أمّة الدّعوة أن تدعُوَهم إلى الإيمان، وتبلّغ إليهم الإسلام، وتَشرح لهم عقائده وعباداته وأخلاقه، وأن تخلِّص العالَم من كابوس الكُفر والجَهل. قال تعالى مُخاطبًا أمّة الدعوة ومعاتبًا لها الرّكونَ إلى الأرض، والتخاذلّ عن نجدة المقهورين والمغلوبين: {وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرّجَالِ وَالنّسَآءِ وَالْوِلْدَانِ الّذِينَ يَقُولُونَ رَبّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هَـَذِهِ الْقَرْيَةِ الظّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لّنَا مِن لّدُنْكَ وَلِيّاً وَاجْعَلْ لّنَا مِن لّدُنْكَ نَصِيراً} [النساء: 75].

فصراع الإنسان مع الشيطان، ومع نَفسه، وبينه وبين غيره من بني جنسه، يَستوجب ضَرورة وبقاء الدّعوة إلى الله، ويُلزم الدّعاة أن يَبلِّغوا دين الله ويَدْعُوا إليه مهما كانت الصِّعاب والمَوانِع والعوائِق؛ وهذا أمْر لم يَخْلُ مِنه عَصرٌ من العُصور، ولم يَتوقف إلى قيام الساعة، قال تعالى: {فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأرْضِ إِلاّ قَلِيلاً مّمّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتّبَعَ الّذِينَ ظَلَمُواْ مَآ أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ (116) وَمَا كَانَ رَبّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىَ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} [هود: 116، 117].

فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أولى دعائم الإصلاح، والقاعدة التي يُبنى عليها إلى يوم القيامة.

error: النص محمي !!