Top
Image Alt

الضاد وتفسير وصفه عند العرب والخلط بينها وبين الضاد الجارية على لسان المصريين وبين الظاء

  /  الضاد وتفسير وصفه عند العرب والخلط بينها وبين الضاد الجارية على لسان المصريين وبين الظاء

الضاد وتفسير وصفه عند العرب والخلط بينها وبين الضاد الجارية على لسان المصريين وبين الظاء

. الضاد وتفسير وصفه عند العرب والخلط في هذا الوصف:

ننتقل إلى صوت الضاد، والضاد النظير المجهور للطاء فلا فرق بينهما، إلا أن الطاء صوت مهموس والضاد صوت مجهور، كما أنه لا فرق بين الدال والضاد، إلا أن الضاد مطبق مفخم والدال لا إطباق فيه، فالضاد إذًا صوت صامت أسناني لثوي, وقفة انفجارية مجهور, مطبق- أي: مفخم- كما يوصف وفقًا لمعايير تصنيف الأصوات.

وهذا الوصف للضاد يختلف عما ذكره علماء العربية لهذا الصوت في أمرين أساسيين:

الأمر الأول: يتعلق بموضع النطق.

الأمر الثاني: يختص بكيفية مرور الهواء عند النطق.

أما فيما يتعلق بموضع النطق فقد نسبها سيبويه وتبعه ابن جني وغيره إلى منطقة تلي منطقة الجيم والشين والياء. أما الخليل فقد نسبها إلى حيز الجيم والشين، لا إلى حيز تالٍ لمخرجهما، وسمى الأصوات الثلاثة الأصوات الشجرية، والملاحظ أنه لم يذكر الياء في هذه المجموعة، وإنما ذكرها مع الواو والألف بحسبانها جميعًا حروف علة، وهذه الأصوات الثلاثة- كما قرروا- تخرج من وسط الحنك، وبضم هذه الحقيقية إلى ما ذكروه من وصف لمخرج الضاد يمكن القول بأنها على رأيهم تخرج من منطقة قريبة من وسط الحنك، أو هي بتعبير حديث لثوية حنكية، وهذا في الحق يختلف عما نمارسه اليوم من نطق الضاد؛ إذ هي الآن تخرج من نقطة الدال والتاء والطاء، وهذه الأصوات الأربعة أسنانية لثوية.

أما تفسير ما ذهب إليه هؤلاء العلماء فيمكن إرجاعه إلى واحد من احتمالين:

الاحتمال الأول: يرى بعضهم أنه ليس من البعيد أن يكون لغويو العرب قد أخفقوا في تحديد الموضع الدقيق لنطق الضاد، ولكن هذا الاحتمال بعيد في رأينا؛ إذ تناقضه الشواهد الكثيرة الواردة عنهم.

الاحتمال الثاني: يبدو أن سيبويه وغيره من علماء العربية والقراء كانوا يتكلمون عن ضاد غير تلك الضاد التي نعرفها ونمارسها نطقًا اليوم في مصر، وهناك من النصوص الواردة عنهم ما يؤيد هذا الاحتمال، فهناك أولًا ذلك النص المشهور الذي ساقه سيبويه متضمنا الإشارة إلى موضع نطق هذا الصوت، يقول: لولا الإطباق لصارت الطاء دالًا، والصاد سينًا، والظاء ذالًا، ولخرجت الضاد من الكلام؛ لأنه ليس من موضعها شيء غيرها، وهكذا نرى أنه نسب الضاد إلى موضع لا يشترك معها فيه غيرها، على حين أن ضادنا الحالية تخرج من النقطة التي تخرج منها التاء والدال والطاء، ويؤيد هذا الاستنتاج ما أشار إليه في النص نفسه من أن الطاء لا الضاد هي النظير المطبق المفخم للدال على عكس الموجود في نطقنا الحاضر، إذ فيه تقع الضاد موقع النظير المفخم لصوت الدال، ومما يرجح هذا الاحتمال وصفهم لكيفية نطقها وحالة ممر هوائها عند هذا النطق.

يقول ابن جني في هذا الشأن: “فإن شئت تكلفت من الجانب الأيمن وإن شئت من الجانب الأيسر أو من كليهما”. ومعنى هذا الكلام أن الهواء في أثناء النطق بالضاد يخرج من أحد جانبي الفم، أو منهما معًا كما يحدث ذلك في نطق اللام، فكأن الضاد بهذا الاحتمال صوت جانبي كـ”اللام” تمامًا.

وهذا النص الأخير يصل بنا إلى نقطة الخلاف الثانية بيننا وبين العرب القدامى في وصف الضاد، وهذه النقطة تتمثل في أن الضاد عندهم ليست شديدة- أي: ليست وقفة انفجارية- وإنما هي رخوة- أي: احتكاكية بالتعبير الحديث- وهم لهذا السبب لم يذكروها ضمن أصوات “أجدت طبقك” وهي الأصوات الشديدة في نظرهم.

ويبدو- على كل حال- أن الضاد القديمة في نطقها كانت تجمع بين الظاهرتين: ظاهرة خروج هوائها من جانبي الفم كـ”اللام”، وظاهرة الاحتكاك، وبتطبيق هاتين الظاهرتين مضمومتين إلى نقطة النطق، نشعر بصعوبة بالغة في نطق هذه الضاد، وقلما استطاع واحد منا أن يأتي بنطق مثالي يوائم ما قدمه لها العرب من خواص وسمات، وليس أمامنا من توضيح لنطق هذا الصوت أكثر من القول: لعلها كانت تشبه ذلك الصوت الذي هو وسط بين الضاد والظاء في بعض اللهجات في البلاد العربية كالعراق والكويت، أو بعبارة أدق: لعل ما ينطقه هؤلاء الناس في هذه المناطق أثرٌ باقٍ من آثار الضاد القديمة، أو هو تطور صوتي لها.

ومهما يكن من أمر فالمفهوم من جملة التراث اللغوي للعرب أن الضاد القديمة صوت احتكاكي جانبي، وأنه ليس له ما يناظره من الأصوات في موضع النطق حتى إذا زال عنه الإطباق أو التفخيم لم يبقَ منه في العربية شيء.

ولكن هناك مستشرق مشهور هو (يوهان فك) يأتي بكلام في موضوع الضاد يفهم منه صراحة أن الضاد في الأصل هي نظير للدال أي: أنها حينئذٍ كانت تشبه ضادنا الحالية أو هي هي، غير أن هذا الصوت في نظره قد تغير فيما بعد في اللغة الدارجة، أو المولدة؛ بسبب اختلاط العرب بغيرهم منذ بداية الفتوح الإسلامية الأولى.

وهذا المستشرق نفسه يروي عن بعض اللغويين العرب أن الضاد العربية تنطق بستّ صور؛ فمن الناس من ينطقها كالذال وغيرهم كالطاء، وآخرون يميئون إليها بالظاء، كما أن بعض الناس ينطقها دالًا مفخمة، وبعضهم ينطقها دالًا عادية، وأخيرًا ينطقها بعضهم لامًا مفخمة، ومن بين جميع هذه الصور يكثر نطقها اليوم دالًا مفخمة.

وتعقيبًا على هذا الكلام يرى الدكتور كمال بشر أن صوت الضاد يمثل قضية حارَ الناس في القريب والحديث في تعرفه وفي إدراك خواصه المميزة له وصفًا وأداء نطقيًّا؛ حتى إن بعض المتخصصين وقراء القرآن الكريم اليوم يصفونه صوتًا احتكاكيًّا جانبيًّا به شبه قريب بالظاء واللام معًا، في حين أنهم ينطقونه وقفة انفجارية- أي: شديدًا- نظيرًا مطبقًا للدال كما هو الشأن في نطق المصريين الآن.

وآخرون ينطقونه نوعًا من الظاء كما في بعض بلاد الخليج، ويخلطون في الكتابة بينهما، كما نلاحظ إبدال اللام في بعض الكلمات الإسبانية المقترضة من أصول عربية بها صوت الضاد ويُنطق دالًا عادية أحيانًا وبخاصة في نطق بعض السيدات.

وهنا نتساءل: ما السر في هذا الخلط المذكور وغيره نظرًا وتطبيقًا؟

هناك احتمالات عدة يراها الدكتور بشر:

الاحتمال الأول: أننا لم نسمع هذا الصوت منطوقًا من كل أولئك الذين وصفوه بطريقتهم بدءًا من سيبويه وتابعيه، ومن المقرر أن أصوات اللغة بالذات لا يمكن تعرفها تعرفًا دقيقًا أو الوقوف على خواصها إلا بالسماع لمنطوق واقع بالفعل، وأنى لنا ذلك، فمعيار الحكم الصحيح غائب وهو النطق الفعلي، وفي غيابه مظنة خطأ أو الخلط في التطبيق.

الاحتمال الثاني: أن ترجمة الوصف الذي قدمه السابقون ترجمة نطقية وأداءً فعليًّا فيه قدر كبير من الصعوبة، إذ هو وصف متأرجح ينحو بخواص الصوت نحو سمات أصوات أخرى، وبخاصة الظاء واللام، فالضاد في وصفهم صوت رخو- أي: احتكاكي- فاقترب من الظاء، وهو جانبي فاختلط باللام، ولا غرابة في نطقه ذالًا أحيانًا أو زايًا مفخمة أحيانًا أخرى.

أما نطق الضاد طاء فيفسره أن الطاء في وصفهم صوت مجهور فهو حينئذٍ صوت الضاد أو ما يشبه، كما نلمس ذلك الآن في نطق بعض أبناء الصعيد وشمال السودان، ونطق الضاد دالًا مفخمة يمثل نطقنا الحالي في مصر.

ومما يزيد في صعوبة تعرف حقيقة هذا الصوت وإدراك خواصه المميزة له؛ اختلاف عبارات السابقين في وصفه اختلافًا ينبئ عن اختلافهم هم أنفسهم في ضبط حدوده ضبطًا دقيقًا، وفي كيفية أدائه نطقًا على وجه متفرد يكسبه استقلالًا وكيانًا خاصًّا به في الذات والصفات، فهو منسوب في مخرجه إلى مخرج أو حيز أصوات ليست من قبيله، وكيفية مرور الهواء عند النطق به مختلف في تفسيرها، وهو عند بعضهم من أصوات التفشي، ولكنه منفرد بالاستطالة، ولا ندري ما المقصود بالاستطالة، ولا يمكن تفسيرها بالرخاوة- أي: الاحتكاك- لقصرهم على هذا الوصف على صوت الضاد وحده دون بقية الأصوات الرخوة.

يقول ابن الجزري: وليس في الحروف ما يعسر على اللسان مثله فإن ألسنة الناس فيه مختلفة، وقلَّ من يحسنه؛ فمنهم من يخرجه ظاءً، ومنهم من يمزجه بالذال، ومنهم من يجعله لامًا مفخمة، ومنهم من يشمه الزاي، وكل ذلك لا يجوز.

والرأي: أن العسرة والصعوبة في نطق الضاد ليس عسرًا مطلقًا يعود إلى طبيعة الصوت نفسه، إنه عسر يرجع إلى واحد من أمرين: الاختلاف في نطقه باختلاف البيئة والثقافة والخبرة والتربة، أو الاختلاف في ترجمة وصف السابقين لهذا الصوت؛ إذ هو وصف غير واضح الحدود والمعالم, بالإضافة إلى اختلاف عبارات الواصفين له؛ الأمر الذي من شأنه أن يؤدي إلى الخلط في الترجمة النطقية الفعلية لما قدموا من وصوف.

الاحتمال الثالث: تفسير الخلط في وصف الضاد، فربما يرجع إلى انصراف كل واحد من المقعدين والمقننين لأصوات العربية إلى وصف صورة من صور نطقه المتعددة والمختلفة باختلاف الناطقين؛ من حيث البيئة الجغرافية والأوضاع الاجتماعية والثقافية، ومن حيث المواطنة أو الغربة، فجاءت وصوفهم لهذا الصوت متعددة ومختلفة أيضًا، ثم جاء الخالفون وجمعوا هذه الوصوف بعضها إلى بعض وخرجوا من ذلك بوصف عام مضطرب نتيجة لانتظامه وصوفًا أو عناصر منها سيقت في الأصل لوصف صور مختلفة من النطق.

ومن المقرر- والواقع يؤيده- أن كل صوت من أصوات اللغة قابل لأن ينطق بصور مختلفة، وعلى المقعدين وواضعي القوانين حينئذٍ الانصراف إلى تلك الصورة الأكثر شيوعًا والأقرب إلى العمومية، والأوفق إلى نظام الأصوات لهذه اللغة، ولهم بعد أن يشيروا إلى الصور الأخرى إشارات خاصة منفردة بوصفها رطانات أو لهجات أو شذوذات على حد تعبير الدكتور بشر.

وتميل سلوى ناظم إلى القول: بأن الضاد بوصف القدماء لم تكن وحدة صوتية مستقلة في بداية الأمر، وإنما كانت أمثلتها تنوعات نطقية لوحدات صوتية هي الصاد أو الظاء أو لكلتيهما، وبمرور الزمان تجمعت هذه التنوعات، واقتربت بعضها من بعض نطقًا وربما وظيفةً، وكونت لنفسها إطارًا خاصًّا وأصبحت فونيمًا مستقلًّا عرفت فيما بعد بالضاد.

وهذا الرأي وإن كان مقبولًا في ظاهره لم يعتمد على المعيار الأساسي لتعرف حقيقة الأصوات وهو السماع الفعلي، وينسب بعضهم هذا الخلط في وصف الضاد ونطقها إلى أن الضاد والصاد والظاء كانت متقاربة نطقًا في اللغة العربية، وأن الحروف كانت غير منقوطة، فاتخذوا حرفًا واحدًا لتدوين الصاد والضاد، وأن هذه الصاد والضاد كانتا صورتين صوتيتين لوحدة صوتية مستقلة.

ويبدو أن الخلط بين الضاد والظاء على وجه الخصوص كان وما يزال أعمق وأشد تعقيدًا وأوسع انتشارًا، ولم يقتصر الخلط بين الصوتين على النطق، بل امتد أثره إلى الكتابة، الأمر الذي دعا بعض الدارسين إلى تقديم بحوث بل كتب مستقلة لمعالجة قضية الخلط هذه بمحاولة وضع الفروق الفاصلة بين الصوتين، ومن هؤلاء الصاحب أبو القاسم إسماعيل بن عباد في كتابه (الفرق بين الطاء والظاء)؛ فلقد حاول ما حاول في هذا الكتاب وجاهد نفسه في إبراز أهم الخواص الفارقة بين الحرفين نطقًا وكتابةً؛ حتى يستبين الأمر للناطقين والكاتبين جميعًا، وينسب ابن عباد هذا الخلط إلى صعوبة تعرف حقيقة كل من الحرفين- أي: الضاد والظاء- ونعى على كل الواقعين في هذا الخلط، ويرى أن في سلوكهم هذا إفسادًا للغة.

ويأتي الشيخ محمد آل ياسين محقق الكتاب المذكور، ويؤكد في تقديمه له ما قرره الصاحب، ويزيد عليه أن هذا الخلط بين الحرفين كان قديمًا بسبب اختلاط العرب بغيرهم، وأنه شاع وذاع بين الناس جميعًا الأمر الذي حرض أعلام اللغة على معالجة هذا الداء.

ويحاول ابن الجزري التفريق بين الضاد والظاء بعبارة موجزة غامضة فيقول: والضاد والظاء اشتركا صفة جهرًا ورخاوةً واستعلاءً وإطباقًا، وافترقا مخرجًا، وانفرد الضاد بالاستطالة، فكأن الفارق الأساسي بينهما هو تفرد الضاد بالاستطالة.

ولا ندري بالدقة ما المقصود بالاستطالة، إنها لا تعني الرخاوة بدليل اتفاق الظاء معها في هذه الصفة، ربما تفسر الاستطالة في عبارته بامتداد الهواء وخروجه من أحد جانبي الفم أو من كليهما على ما روي، فيكون الضاد ذا صفة جانبية كاللام، وبهذا النحو من التفسير يرى “كانتينو” أن النطق القديم للضاد كان ظاءً أو لامًا أي: ظاءً ذات زائدة انحرافية.

وهكذا، لم نخرج في نهاية المطاف من جملة هذه الأقوال السابقة بتحديد واضح لصوت الضاد، وتعيين حاسم لخواصه المميزة له نطقًا ووظيفةً، فلم يزل الاشتباك بينه وبين غيره من الأصوات قائمًا، ويشتد هذا الاشتباك ويقوى بينه وبين الظاء، ولكنّا مع ذلك قد وصلنا إلى توجيه آخر للقضية كلها، معتمدين في ذلك على جملة ما قرأنا في القديم والحديث، واعتمادًا على المنطوق الفعلي في العالم العربي على حد تعبير الدكتور بشر، بوصف هذا المنطوق امتدادًا لنطق قديم أو أثرًا باقيًا منه، وهذا يقتضي أن نعرض لثلاثة أصوات معينة هي لُبّ المشكلة التي لم نفرغ من مناقشتها حتى الآن، ونأمل من هذا العرض أن نصل إلى فض الاشتباك بينها، وبيان أيها الأولى بأن تنسب إليه لغة العرب، هذه الأصوات الثلاثة هي: الضاد الجارية على لسان المصريين الآن، والضاد التي وصفها القدماء وغيرهم، ثم الظاء.

2. الخلط بين الضاد التي وصفها العرب والضاد الجارية على لسان المصريين وبين الظاء:

الصوت الأول: هو الصوت الذي سبق وصفه بأنه صوت أسناني لثوي، وقفة انفجارية، مجهور مطبق أو مفخم، وهو الصوت الذي ينطقه ويعتمده المتخصصون وقراء القرآن الكريم في مصر، النظير المفخم أو المطبق للدال، ورمزه في الكتابة الصوتية الدولية صوت حرف “D” بشكل خاص، وله وظيفة مستقلة في النظام الصوتي تختلف عن وظيفة نظيره الدال وغيره، كما يبدو ذلك واضحًا من نحو: “ضل” و”دل”.

وهذا الصوت بهذه الوصوف النطقية والوظيفية إما أنه أثر باقٍ من صوت قديم كما تلمح بذلك بعض الأقوال أو تطور له، وإما أنه صوت الطاء الذي وصفوه بالجهر؛ إذ لا فرق بينهما إلا الجهر في الضاد والهمس في الطاء، وهذا الصوت في نظر بعض المحدثين هو الصوت الذي تنطبق عليه المقولة الشائعة المشهورة: “العربية لغة الضاد” إذ لا وجود له حقيقيًّا في غيرها من اللغات.

والقول بأن له أثرًا باقيًا في بعض الكلمات الحبشية لا يبطل هذا الزعم؛ إذ لم يستطع أحد حتى الآن بيان حقيقة الأمر في هذا الصوت في هذه اللغة، ولم يلق إلينا بمادة لغوية تكفي لحسبانه صوتًا مستقلًّا من حيث النطق والوظيفة، وربما يتوهم بعضهم وجود صوت الضاد في اللغة الإنجليزية في نحو: “B U D D” و”M U D D” ، إذ الصوت الأخير في الكلمتين هو صوت “D” وأصابه التفخيم بالسياق، إنه يشبه الضاد نطقًا، ولكن وظيفته في النظام الصوتي للإنجليزية هي وظيفة “D” فقط، واعتماد الصوت صوتًا مستقلًّا أو وحدة صوتية لا يبنى في الأساس على نطقه، وإنما على وظيفته كما هو معروف.

الصوت الثاني: ونعني به صوت الضاد الذي وصفه القدامى، وتبعهم بعض الخالفين؛ إنه بوصفهم المشار إليه فيما سبق أكثر من مرة ينحو في النطق نحو الظاء أو اللام أو كليهما، وقد يكون زايًا مفخمة أو دالًا مفخمة ومرققة، إنه بهذا الوصف غائم الذات والصفات ولا يمكن وصفه بحال وصفًا دقيقًا دون السماع المباشر؛ كما لا يمكن حتى الآن وضع رمز صوتي يشير إليه، ولا أثر لهذا الصوت على الإطلاق في كلام المصريين، وبعض الجهات الأخرى في البلاد العربية، وإن كان على ما يبدو له أثر باقٍ على ألسنة بعض مواطني الخليج العربي؛ كالكويت والعراق وبعض قبائل الأردن.

ومن المهم أن نقرر أن هذا الصوت بوصفهم هذا الذي ذكروا ليس من الدقة بمكان أن ننسب إليه المقولة الشائعة: العربية لغة الضاد؛ ذلك أن كثيرًا من الدارسين الثقات في القديم والحديث قد أشاروا بالتصريح أو التلميح إلى أن هذا الصوت ليس مقصورًا على العربية، ومال بعضهم إلى تأكيد وجوده أو أثر منه في اللغات السامية الأخرى؛ ففي القديم لم نلحظ أثرًا لهذه المقولة العربية لغة الضاد أو نحوها في كلام الخليل، وإنما الذي هناك هو تأكيد أن الظاء لا الضاد هي الخاصة بالعرب ولا يشركهم فيه أحد من سائر الأمم.

ويذهب ابن الجزري في (النشر في القراءات العشر) إلى أبعد من ذلك، حيث يقرر بعد كلام طويل له عن الضاد أن الحديث المشهور على الألسنة “أنا أفصح من نطق بالضاد” لا أصل له ولا يصح.

وهناك إشارات أخرى في القديم تنبئ بصورة من الصور عن الشك في مضمون المقولة السابقة: العربية لغة الضاد؛ من ذلك قول ابن فارس في (الصاحبي): وزعم ناس أن الضاد مقصورة على العرب دون سائر الأمم. فالتعبير بقوله: “زعم” يوحي بعدم ارتياحه لهذا المفهوم، وفي الدرس اللغوي الحديث نلحظ إشارات بل أقوالًا واثقة تفيد أن الضاد ليست مقصورة على العربية، يفهم هذا، وإن بتفسير مختلف من قول الدكتور إبراهيم أنيس: إن استعمال النزعة الشعوبية أدى إلى أن تشيع التسمية التي خلعها العرب على لغتهم وهي لغة الضاد. فكأن الدكتور أنيس يريد أن يقول: إن المقولة: العربية لغة الضاد- صادرة عن نزعة شعوبية، وليست تعبيرًا عن واقع لغوي.

ويكاد المشتغلون بالدراسات السامية يؤكدون عدم انفراد العربية بصوت الضاد، فسلوى ناظم تقرر أن الضاد التي وصفها القدامى لها وجود في اللغة الحبشية، وتروي عن شيخها الدكتور/ خليل نامي قوله: لا توجد الضاد إلا في لغات الشعبة الجنوبية، وهي اللغة العربية، واللغات العربية الجنوبية واللغات الحبشية، ثم تروي شيئًا عن تاريخ هذا الصوت، وما آل إليه في اللغات السامية بقصد التوضيح لمقولة شيخها، فتقول: تتحول الضاد إلى صاد في العبرية والأكادية، وإلى صاد أو طاء في الأجاريتية، وإلى عين في الآرامية، وبقيت ضادًا في كل من العربية الشمالية والجنوبية والحبشية، وبهذا استقر ما تم زعمه فيما سبق أن المقولة العربية لغة الضاد أي بوصفهم المروي لنا مقولة غير دقيقة، وأن هذه المقولة الأولى بها أن تنسحب على الضاد التي تجري على ألسنة المصريين، ومن سلك مسلكهم في بلاد عربية أخرى.

الصوت الثالث: أما ثالث الثلاثة من الأصوات التي صعب على كثير من الناس تعرفها ووقعوا في الخلط بينها نظرًا وأداءً فهو صوت الظاء المعجمة؛ جاء وصف القدامى لهذا الصوت مطابقًا أو يكاد يكون كذلك حسب نطق قراء القرآن الكريم والمتخصصين في مصر، وهو أنه صوت أسناني- أي: من بين الأسنان- احتكاكي رخو مجهور مطبق، وعلى الرغم من وضوح تعريفه في القديم والحديث ما يزال بعض العرب يخلطون بينه وبين صوت الضاد، ويبدو أن الخلط يرجع إلى صوت الضاد الغائم تحديده، والعصي له أداؤه على ألسنة بعض الناس، والمروي عن بعضهم ما ذُكر من أنه ليس خاصًّا بلغة العرب.

وهذا يقود إلى إثارة نقطة أخرى مهمة في هذا المقام بالنسبة لصوت الظاء، فهناك إشارات متناثرة في أعمال السالفين والخالفين تكاد تؤكد أن صوت الظاء لا الضاد هو الخاص بالعربية؛ جاء في لسان العرب: روى الليث أن الخليل قال: الظاء حرف عربي خُص به لسان العرب لا يشركهم فيه أحد من سائر الأمم، والظاء من الحروف المجهورة، والظاء والذال والثاء في حيز واحد، وصرح بمثله أبو حيان وشيخه ابن أبي الأحوص وغير واحد، فلا يعتد بمن قال: إنما الخاص بالعربية الضاد، ومال إلى هذا الرأي- خصوصية الظاء لا الضاد بالعربية- بعض المشتغلين بالدراسات السامية.

error: النص محمي !!