Top
Image Alt

الضرائب: تعريفها، حُكمها من وجهة نظر المؤيدين

  /  الضرائب: تعريفها، حُكمها من وجهة نظر المؤيدين

الضرائب: تعريفها، حُكمها من وجهة نظر المؤيدين

تعريف “الضريبة”:

من معانيها في اللغة -كما جاء في (المعجم الوسيط)-: ما يفرض على الملك، والعمل، والدّخل للدولة، وتختلف باختلاف القوانين والأحوال.

و”الضريبة” -كما عرّفها علماء المالية: فريضة إلزامية يلتزم المموّل بأدائها إلى الدولة، تبعًا لمقدرته على الدفع، بغض النظر عن المنافع التي تعود عليه من وراء الخدمات التي تؤدِّيها السلطات العامة. وتستخدم حصيلتها في تغطية النفقات العامة من ناحية، وتحقيق بعض الأهداف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وغيرها من الأغراض التي تنشد الدولة تحقيقها من ناحية أخرى.

فهي إذًا عبارة عن: واجب مالي تفرضه الدولة على أبناء شعبها بما لها من سلطان السيادة؛ وذلك نظير قيامها بالمصالح العامة.

أما عن حُكمها:

فقد ترددت التساؤلات في الآونة الأخيرة عن: مدى جواز جمع الدولة الإسلامية بين الضريبة والزكاة معًا في نظامها المالي؛ ذلك أن البعض يرى أن: الزكاة هي الفريضة المالية الوحيدة التي لا يؤخذ من المسلم غيرها، وأن الحكومات الإسلامية لا يجوز لها أن تفرض ضرائب أخرى إلى جوار الزكاة. وقد تضاربت الآراء بين مؤيد ومعارض.

وحتى نتبيّن الحقيقة، ينبغي إيضاح أدلّة كل من الفريقين بإيجاز، ثم نوازن بينهما لترجيح ما نراه راجحًا منهما في ضوء قوة الدليل، وتحقيق المصلحة على النحو التالي:

أولًا: آراء المؤيِّدين لفرض الضريبة بجانب الزكاة:

حيث استند هؤلاء فيما ذهبوا إليه من جواز فرض الضرائب العادلة بجانب الزكاة إلى عدّة أدلة أهمّها ما يلي:

الدليل الأوّل: كثرة نفقات الدولة مع محدودية مصارف الزكاة، ذلك أن الزكاة ترمي إلى تحقيق أهداف سامية دينية، وسياسية، واجتماعية، وخلقية، واقتصادية؛ لكن مصارفها الثمانية محدّدة في وصفيْن متميِّزيْن:

أولهما: من كان محتاجًا من المسلمين، وهم: الفقراء والمساكين، وفي الرقاب, وابن السبيل، والغارمون لأنفسهم.

ثانيهما: من يحتاج إليهم من المسلمين وهم: المجاهدون، والمؤلّفة قلوبهم، والعاملون عليها، والغارمون لمصلحة المجتمع.

ثم إنّ للزكاة بيت مال خاص بها أي ميزانية مستقلة عن ميزانية الدولة، ولا يجوز اختلاط مال الزكاة بأموال الموارد الأخرى للدولة في الوقت الذي تكون فيه مرافق الدولة كثيرة و متعدّدة من: دفاع خارجي، وأمن داخلي، وصحة، وتعليم، وقضاء، وطرق، وجسور، وصرف صحي، ومواصلات، وغيرها، الأمر الذي يستلزم أموالًا طائلة لتغطية النفقات العامة اللازمة للصرف على هذه المرافق.

فكيف يمكن الحصول على المال الوفير للصرف على هذه المرافق الضرورية والحيوية للفرد والجماعة معًا؛ ما دام لا يجوز الصرف عليها من حصيلة الزكاة؛ لأن مصارفها تحددت شرعًا في الأبواب الثمانية دون غيرها، وبتقسيم الله عز وجل لها، ولم يتركها لنبي ولا لغيره، كما ورد في السنة؟!.

ولقد رجّح النووي وغيره من أئمة الشافعية: أنه يلزم أغنياء المسلمين إعانة الجنود النظاميين الذين لهم رواتب من الخزانة العامة من غير مال الزكاة، وقال أبو يوسف: لم يعد لإقامة مصالح الأمة مورد إلا فرض ضرائب أو وظائف على ذوي المال بقدر ما يحقق المصلحة الواجب تحقيقها وفقًا لقاعدة: “ما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب”.

الدليل الثاني: وجوب التكافل أو التضامن الاجتماعي الذي أصبح اليوم ضرورة اجتماعية لصالح الفرد والجماعة، حتى أصبحت جميع النظريات الحديثة تنادي بالإخاء والتعاون والتضامن بين أفراد المجتمع.

كما تنادي بحقوق الإنسان، وقد أجمع الفقهاء على أنه: إذا نزل بالمسلمين كارثة، أو نائبة من نوائب الدهر، أو أي حاجة عامة، وجب سدّها مهما تطلّب ذلك من أموال. ومن ثَمّ، كانت الضرائب العادلة فريضة إلزامية لتغطية الحاجات الضرورية للفرد والجماعة.

الدليل الثالث: قاعدة: “رعاية المصالح ودرء المفاسد”: فقد وضع علماء الإسلام قواعد عامة تستند إلى مبادئ الشريعة الغراء، مثل: رعاية المصالح، ودرء المفاسد، وتحمّل الضرر الخاص لدفع ضرر عام؛ فالأخذ بالقواعد الأساسية السابقة يلزم الحكومات الإسلامية بفرض الضرائب تحقيقًا لصالح الجماعة والفرد، ودرءًا للمفاسد والأضرار التي تنجم عن عجز الدولة عن الإنفاق على مرافقها الحيوية.

وقد أجاز الغزالي والشاطبي وغيرهما فرض الضرائب أو الوظائف على الأغنياء في الحالات التي ذكروها، استنادًا إلى القاعدة الشرعية: وجوب تحمل الضرر الأدنى لدفع ضرر أعلى وأشد.

الدليل الرابع: قالوا: إن الجهاد يتطلب أموالًا طائلة. وقد فرض الله الجهاد على المسلمين بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، بمثل قوله تعالى: {تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ} [الصف: 11].

والجهاد بالمال يقصد به واجب آخَر غير فريضة الزكاة، ويحقّ لأولي الأمر تحديد نصيب كل فرد قادر من عبء الجهاد بالمال. ولا شك أن إعداد الجيوش ولوازمها ونفقاتها وتسليحها وعدتها في الوقت الحاضر يحتاج إلى موارد ضخمة من المال؛ ذلك لأن أسلحة الحرب باهظة الثمن متعدّدة ومتطورة. وينبغي على الدول الإسلامية الاستعداد لها وتطوير أسلحتها باستمرار؛ قال تعالى: {وَأَعِدّواْ لَهُمْ مّا اسْتَطَعْتُمْ مّن قُوّةٍ وَمِن رّبَاطِ الْخَيْلِ} [الأنفال: 60].

والوسيلة الوحيدة أو الأساسية لتغطية نفقات الجيوش والتسليح، تتم عادة عن طريق فرض الضرائب، باعتبارها نوعًا من الجهاد بالمال، وحتى تتمكن الدولة من حماية أفرادها، ومجتمعها ومن حفظ كرامتها وأموالها، وصيانة عقيدتها ودينها.

الدليل الخامس: قالوا أيضًا: الضريبة من الفرد وإليه، بمعنى: أنها تؤخذ من الأفراد ثم تعود إليهم ثانية، نتيجة ما يعود عليهم من نفع من المرافق العامة المتعددة للدولة.

فالضريبة إذًا من الفرد وإليه، ومثلها كمثل البخار يتصاعد إلى عنان السماء من البحار والأنهار، ثم يصير سحابًا، ثم يتكثف وينزل مطرًا غزيرًا، يملأ البحار والأنهار ثانية… وهكذا، وكما يستفيد المرء ويغنم من المرافق العامة للدولة، عليه أن يغرم بما يدفعه من ضريبة استنادًا لقاعدة: “الغُنْمُ بالغُرْم”.

كانت هذه أدلة المؤيدين لفريضة الضريبة أو لفرض الضريبة في المجتمع الإسلامي إذا كانت الدولة في حاجة إلى فرض ضرائب لتمويل أو لسد احتياجاتها في الإنفاق على المرافق العامة وغير ذلك.

error: النص محمي !!