Top
Image Alt

الضرورات الشعرية

  /  الضرورات الشعرية

الضرورات الشعرية

الضرورات الشعرية بين مفهومها وأقسامها وأنماطها في الشعر العربي موقف الدارسين من الضرائر الشعرية:

يحكم الشاعر في فنه ميزان يلتزم التقيد به دونما إخلال له أو خروج عنه، وفي سبيل الحفاظ على استقامة الوزن، وجمال الصورة الشعرية قد يحيد الشاعر عن مقاييس، وينحرف عن ضوابط استقرت في اللغة أو قواعدها، وهذا ما يعنى بالضرورة الشعرية، أو هذا ما تعنيه الضرورة الشعرية.

يقول ابن جني: “الشِّعرُ موضع اضطرار وموقف اعتذار، وكثيرًا ما يُحرف فيه الكلم عن أبنيته، وتحال فيه المثل عن أوضاع صيغها لأجله”، ويقول الأصمعي: “كلامُ العَرب إنّما هو مثال لا سيما الشعر؛ لأنه موضع اضطرار”. فالضرورة ما يرتكبه الشاعر في شعره من مخالفات تحظر في الكلام المنثور، وليست الضرورات الشعرية إلا رخصًا مُنحت للشعراء حين ينظمون، فأبيح لهم الخروج عن بعض قواعد اللغة لا قواعد الوزن والقافية.

وقد اختلف الدارسون في تحديد هذه الضرورة: فذهب الجمهور إلى أنها ما وقع في الشعر مما لا يقع في النثر، سواء أكان للشاعر عنه مندوحة يعني: متسع أم لا، ومنهم من قال: إنها ما ليس للشاعر عنه مندوحة، وإليه ذهب ابن مالك.

وقد رُدَّ الرأي الثاني أي: رأي ابن مالك، يقول القاضي الجرجاني: “قد يجوز للشاعر من الكلام ما لا يجوز لغيره لا للاضطرار إليه، ولكن للاتساع فيه، واتفاق أهله عليه، فيحذفون ويزيدون، فتلك الرخص إنما هي سمات خاصة بلغة الشعر، وليس لازمًا أن يكون اللجوء إليها عن اضطرار البتة.

وقد فُهم من كلامهم أن للشاعر استغلال هذه الظواهر دون أن يكون محتاجًا إليها. إما لأن الشعر موضع أُلفت فيه الضرائر، وإما لأن العرب قد تأبى الكلام القياسي لعارض، فترتكب الضرورة لذلك، أو لأنه قد يكون للمعنى عبارتان أو أكثر، واحدة يلزم فيها ضرورة إلا أنها مطابقة لمقتضى الحال فهم في هذه الحال يرجعون إلى الضرورة؛ لأن اعتناءهم بالمعنى أشد من اعتنائهم بالألفاظ، وهذا ما ذهب إليه الشاطبي في ردِّه على ابن مالك.

فالضرورة إذن ليست عن اضطرار دائم، وإنما قد يكون ارتكابها عن عمد، واختيار لفضيلة يتبينها الشاعر في استخدام دون آخر؛ بيد أنّ الشاعر ينبغي أن يترفع عن الإكثار من اللجوء إلى الضرورات، وإلا قبح شعره، يقول أبو هلال العسكري: “وينبغي أن تجتنب ارتكاب الضرورات وإن جاءت فيها رُخصة من أهل العربية، فإنها قبيحة تشين الكلام، وتذهب بمائه، وإنما استعملها القدماء في أشعارهم؛ لعدم علمهم كان بقباحتها، ولأن بعضهم كان صاحب بداية، والبداية مزلة، وما كان أيضًا تنتقد عليهم أشعارهم”. وصورة هذه الرخص أو الضرائر في الشعر كثيرة متنوعة، والعروضيون يقسمونها ثلاثة أقسام:

-ضرورات زيادة.

– ضرورات حذف.

– ضرورات تغيير…

وسنقف على صور من كل:

1. ما كانت بزيادة:

ومنها:

مد المقصور:

كقوله:

سيغنيك الذي أغناك عني

*فلا فقر يدوم ولا غناء

فقد مد غنى وهو مقصور ضرورة.

تنوين ما لا ينصرف:

ممن حملن به وهن عواقدٌ

نوَّن الشاعر عواقد وهي ممنوعة من الصرف لصيغة منتهى الجموع، ومنه قول امرئ القيس:

ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة

*فقالت لك الويلات إنك مرجل

وقول النابغة:

إذا ما غزوا بالجيش حلق فوقهم

*عصائب طير تهتدي بعصائب

تنوين المنادى المفرد العلم:

كقول الأحوص:

سلام الله يا مطرٌ عليها

*وليس عليك يا مطرُ السلام

حيث نوَّن مطر الأول وحكمه البناء على الضم دون تنوين، ومنه قول المهلهل:

ضربت صدرها إليَّ وقالت

*يا عديًّا لقد وقَتْك الأواق

إثبات حرف العلة في الموضع الذي يجب حذفه:

وذلك نحو قول الفرزدق:

فلو كان عبد الله مولى هجوته

*ولكن عبد الله مولى مواليا

يريد مولى موالٍ، ومنه قول قيس بن زهير:

ألم يأتيك والأنباء تنمي

*بما لاقت لبون بني زياد

يريد “يأتك”، كذلك الجمع بين العوض والمعوض منه:

إني إذا ما حدث ألمَّ

*أقول يا اللهم يا اللهم

حيث جمع بين أداة النداء يا والميم المشددة في اللهم التي هي بدل من النداء.

إنشاء الألف من الفتحة إشباعًا، وإنشاء الياء من الكسرة إشباعًا:

كما في قول الشاعر:

تنفي يداها الحصى في كل هاجرة

*نفي الدراهيم تنقاد الصياريف

وأصله “الدراهم والصيارف” فأشبع الكسرة فكانت الياء، وإن كانت الضرورة للوزن متحققة في قول الفرزدق، وقد يكون الإشباع عند الآخرين للمشاكلة.

إنشاء الواو من الضمة:

مثال:

وإنني حيثما يثني الهوى بصري

*من حيث ما سلكوا أدنو فأنظور

أصله: فأنظر؛ فأشبع الضمة فنشأت الواو ضرورة.

زيادة اللام في المضارع:

كما في قول الشاعر:

ما أنت بالحكم الترضى حكومته

*ولا الأصيل ولا ذي الرأي والجدل

حيث وصل “ال” بالفعل المضارع ضرورة وهي لا تقترن إلا بالأسماء.

2. ما كانت بحذف:

ومنها:

قصر الممدود:

لا بد من صنعى وإن طال السفر

*وإن تحنى كل عود ودبر

تخفيف المشدد:

كقول الشاعر:

لم يطل ليلي ولكن لم أنم

*ونفى عني الكرى طيف ألم

ومنه قول الآخر:

فلا وأبيك ابنة العامري

*لا يدعي القوم أني أفر

حذف التنوين من المنصرف:

نُبئت أن أبا قابوس أوعدني

*ولا قرار على زأر من الأسد

فقابوس مصروف ينون ومنعه من الصرف وحذف تنوينه ضرورة، وكقول ابن مرداس:

فما كان حصن ولا حابس

*يفوقان مرداس في المجمع

فمرداس منصرف وقياسه مرداسًا، ولكنه حذف التنوين ضرورة.

ترخيم غير المنادى مما يصلح للنداء:

كما في قول الشاعر:

لنعم الفتى تعشو إلى ضوء ناره

*طريف بن مال ليلة الجوع والخصر

أراد ابن مالك فحذف الكاف.

حذف الياء اجتزاءً عنها بالكسرة، وحذف الواو اجتزاءً عنها بالضمة، وحذف الهمزة المتحرك ما قبلها:

كما في قول الفرزدق:

راحت بمسلمة البغال عشية

*فرعي فزارة لا هناك المرتع

أصله: لا هنأك فخفف بحذف الهمزة ضرورة.

حذف النون من الاسم الموصول المثنى والجمع:

أبني كليبٍ إنّ عَمّي اللذا

*قَتل المُلوك وفككا الأغلال

أصله اللذان فحذف النون مضطرًا.

وصُور الحذف للضرورة في الشعر متعددة كثيرة…

3. ما كان بالتغيير:

قطع همزة الوصل:

إذا جاوز الإثنين سر فإنه

*بِنَثٍّ وتَكثيرِ الوُشاةِ قَمينُ

وقول ابن عباس بن مرداس:

لا نسب ولا يوم خلة

*إتسع الخرق على الراقع

وصل همزة القطع:

أبوه أبي والأمهات امهاتنا

*فأنعم فذاك اليوم أهلي ومعشري

فكلمة أمهاتنا حُذفت همزتها مع أنها قطع، ومثل:

ومن يصنع المعروف في غير أهله

*يلاقي الذي لاقى مجير ام عامر

فهمزة أم وصلت مع أنها قطع.

فك المدغم:

كما في قول أبي النجم:

الحمد لله العلي الأجلل

*أنت مليك الناس ربًّا فاقبل

إدغام المفكوك:

وكأنها بين النساء سبيكة

*تمشي بسدة بيتها فتعي

الأصل فتعيي، فأدغم على خلاف الأصل.

تقديم المعطوف على المعطوف عليه:

مثل:

ألا يا نخلة من ذات عرق

*عليك ورحمة الله السلام

تحريك المضارع المجزوم، أو الأمر المبني على السكون بالكسر لأجل الروي:

قال الشاعر:

ومثلك من كان الوسيط فؤاده

*فكلمه عني ولم أتكلم

لو كنت أدري كم حياتي قسمتها

*وصيرت ثلثيها انتظارك فاعلم

ولا نَستطيعُ هنا أن نستقرئ جميع أمثلة الضرورة، والتي منها:

وخَالف النفس والشيطان واعصهما

*وإن هما محضاك النصح فاتهم

والتي منها أيضًا:

الفصل بالأجنبي بين التابع والمتبوع:

كما في قول الشاعر:

وما مثله في الناس إلا مملكًا

*أبو أمه حي أبو يقاربه

إنّ الضرائر الشعرية وأمثلتها كثيرة موزعة في كتب الشعر وغيرها، وقد أفرد لها بعض الدارسين تصانيف كابن عصفور والقزاز والآلوسي، ولكننا نذكر أنها تنقسم انقسامًا آخر من حيث القبح والقبول إلى:

– قبيحة.

– مقبولة.

فالقبيحة: ما كانت غير مألوفة الوقوع كمد المقصور، ومنع المصروف، وقطع همزة الوصل، وفك الإدغام وعكسه، وتقديم المعطوف وغير ذلك.

والمقبولة: ما كانت مألوفة الوقوع كقصر الممدود وتخفيف المشدد وعكسه، وإشباع الحركة حتى يتولد منها مد، وتحريك المضارع المجزوم، أو الأمر المبني على السكون بالكسر، ووصل همزة القطع بشرط أن يليها ساكن، وقد ذكروا أن الضرورة بأقسامها كلها جائزة للعربي والمولد.

يقول ابن جني في (الخصائص): “سألت أبا علي: هل يجوز لنا في الشعر ضرورة ما جاز للعرب؟ فقال: كما جاز لنا أن نقيس منثورنا على منثورهم، فكذلك يجوز لنا أن نقيس شعرنا على شعرهم، فما أجازته الضرورة لهم أجازته لنا، وما حذرته عليهم حذرته علينا، وإذا كان كذلك فما كان من أحسن ضروراتهم يكون من أحسن ضروراتنا. وما كان من أقبحها عندهم يكون من أقبحها عندنا، وما بين ذلك يكون بين ذلك.

والضرورة وإن كانت واردة وصُرِّح بها؛ فالشاعر المتمكن من أداته يتحرج مما يلجئ إليها، فهي على كل تمس فنه وتخدش رهافة ذوق قارئه إلا ما لم يكن به بد فيغتفر له.

يقول ابن رشيق: “على أنه لا خير في الضرورة على أن بعضها أسهل من بعض، ومِنها ما يُسمع عن العرب ولا يُعمل به؛ لأنهم أتوا به على جبلتهم، والمولد المحدث قد عرف أنه عيب، ودخوله في العيب يلزمه إياه.

أنواع النظم:

وأنواع النظم أربعة:

الأول: ما خلا من العيب والضرورة، وهو الأولى والأوفق:

وهو ما كان مطابقًا لقواعد اللغة العربية من نحو وصرف ونحوهما؛ كما في قول القائل:

بشرى فقد أنجز الإقبال ما وعدا

*وكوكب المجد في أفق العلا صعدا

الثاني: ما فيه ضرورة مقبولة.

الثالث: ما فيه ضرورة قبيحة.

الرابع: ما فيه عيب وهو ما خالف قواعد اللغة العربية من نحو وصرف ونحوهما:

كما في قول القائل:

لم أعطنا شيئًا يدوم أدعيه

*والعاقل بالمال يشتري مجده

فكتب عليه البخل ذمًّا يكثر

*فالآن لا ينفعه شيء عنده

فقد أدخل لم على الماضي، وهي لا تدخل إلا على المضارع، وحذف ألف أعطى بلا علة صرفية للوزن، وهي ضرورة قبيحة جدًّا، واستعمل يدوم في المعنى الذي أراده ولا وجود له في اللغة، وصوابه يديم. ووقف على كلمة أدعيه بسكون، وليس العروض محلًّا للوقف، ومد لام العاقل للوزن وهو لا يستحق المد، وذلك من أقبح الضرورات، وحذف ياء يشتري للوزن وهي لا تحذف إلا للجازم ولا جازم، وسكن آخر كتب الماضي بدون داعٍ للسكون وهي ضرورة قبيحة، ومد راء يكثر وهو قبيح، وجزم ينفعه بدون جازم وحقه الرفع، ففي هذين البيتين مخالفة للقواعد العربية، والأوفق أن يقول:

لم يعْطِنا ما نستديم به الثنا

*ذو العقل يشري بالدراهم مجده

فقضى عليه البخل بالذم الطويل

*وليس ينفعه ادخار عنده

error: النص محمي !!