Top
Image Alt

الضوابط الشرعية التي يسلكها المستنبط أثناء الحكم

  /  الضوابط الشرعية التي يسلكها المستنبط أثناء الحكم

الضوابط الشرعية التي يسلكها المستنبط أثناء الحكم

الضوابط الشرعية التي يسلكها المستنبط أثناء الحكم:

أولًا: بذل غاية الوسع في البحث عن الحكم الشرعي للنازلة، فعلى المستنبط استفراغ وسعه في تتبع الأدلة في مظانها حتى يحث بالعجز عن المزيد بتتبع طرق استنباط النوازل.

ثانيًا: مجال الاجتهاد لا يكون إلا بالظنيات، فلا اجتهاد في المسائل القطعية، فما أجمعت عليه الأمة وصار معلومًا من الدين بالضرورة، وثبت قطعًا، فلا مجال للاجتهاد فيه حتى لا يصبح قطعيات الدين محل للتلاعب.

وقد ذهب أغلب المعاصرين إلى تقسيم النصوص إلى قطعية وظنية، وأن النصوص القطعية هي التي لا يختلف الناس في فهمها، ولا يشكون في صحة مصدرها، وأنها صريحة واضحة لا تقبل التأويل، وغالبًا ما يمثل لها بأركان الإسلام كالشهادتين، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، وبالمحرمات اليقينية كالسحر، وقتل النفس، أو ما يتعلق بفضائل الأعمال والأخلاق.

ثالثًا: خبر الآحاد ليس ظنيًّا بإطلاق، على المستنبط ألا يتعامل مع خبر الآحاد على أنه ظني الثبوت دائمًا، بل منه ما هو قطعي الثبوت، فهو كالمتواتر في الثبوت والاحتجاج، وأيضًا فالخبر الذي تلقاه الأئمة بالقبول تصديقًا له وعملًا بموجبه يفيد العلم عند جماهير الخلف والسلف، وهذا في معنى المتواتر.

رابعًا: المحافظة على مراتب الأحكام، فكما لا يجوز التلاعب بالقطعي من الأحكام، فكذلك لا يجوز تحويل الظني إلى قطعي، أو ادعاء الإجماع في موطن الخلاف، مع أن ثبوت الإجماع محل خلاف.

يقول الإمام أحمد -رحمه الله-: ” من ادعى الإجماع فقد كذب، وما يدريه لعل الناس اختلفوا وهو لا يعلم”.

خامسًا: مراعاة فقه الواقع، فعلى المستنبط أن يجتهد في كل عصر بما يناسب الواقع الذي يعيشه، كما اجتهد السلف من قبلهم بما يناسب واقع عصرهم حتى إن أصحاب الأئمة وتلاميذهم يخالفونهم؛ لتغيير عصرهم عن عصر أئمتهم، وكذلك تغيير اجتهاداتهم بتغير واقعهم، فالإمام الشافعي تحول من العراق إلى مصر، فكانت له فتاوى في القديم والجديد، وهذا الضابط يؤكد على أهمية مراعاة تغير الواقع المحيط بالنازلة الطارئة، سواء كانت تغيرًا زمانيًّا أو مكانيًّا، كما قال ابن القيم في فصل تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة، والأمكنة، والأحوال، والنيات، والعوائد.

هذا فصل عظيم النفع جدًّا، وقد وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة أوجب من الحرج والمشقة، وتكليف ما لا سبيل إليه ما يُعْلِمُ أن الشريعة الباهرة التي في أعلى مراتب المصالح لا تأتي به، فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت من العدل إلى الجور ومن الرحمة إلى ضدها، ومن المصلحة إلى المفسدة، ومن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة، وإن أدخلت فيها بالتأويل، فالمستنبط يجب عليه التعرف على المواطن التي يحتاج فيها إلى إعمال العقل حين تنزيل حكم شرعي معين، ولو كان قطعيًّا في ثبوته ودلالاته؛ فلا يكفي مجرد الفقه ومعرفة حكم الله في تلك الواقعة، ومن أخل بجانب فقه الواقع فقد أضاع على الناس حقوقهم.

سادسًا: مراعاة النيات والمقاصد: ولأهمية هذا الضابط يحذر بن القيم من تركه قائلًا: “إياك أن تهمل قصد المتكلم ونيته وعرفه، فتجني عليه وعلى الشريعة، وتنسب إليها ما هي بريئة منه، فالنازلة يتغير حكمها بتغير قصد ونية المتكلم أو الفاعل ولم يتوقف ذلك على موضع معين وإنما يشمل كل التصرفات والأقوال”.

يقول الإمام القرافي: “ينبغي للمفتي ألا يأخذ بظاهر لفظ المستفتي العامي حتى يتبين مقصوده، فإن العامة ربما عبروا بالألفاظ الصريحة من غير مدلول ذلك اللفظ” وقد وضح العلماء الكثير من المجالات التي لا بد للمفتي من ملاحظة قصد ونية المستفتي، فمن ذلك موضوعات اليمين بالطلاق والعتاق والإكراه والخطأ والنسيان، فهذه الموضوعات ينظر فيها إلى قصد المستفتي ويختلف الحكم والفتوى الصادر فيها بحسب نيته ومقصوده.

سابعًا: مراعاة العرف والعوائد: لقد لاحظ الأئمة والفقهاء اعتبار العرف في ابتناء الأحكام والفتوى التي يستند في تنزيلها على الأعراف، والعوائد الحادثة، والتي تختلف باختلاف الزمان والمكان، وعلى أساس ذلك اعتبروا العرف دليلًا شرعيًّا وأصلًا من أصول الاستنباط.

ثامنًا: مراعاة الضرورة: إن الاستجابة لمبدأ الضرورة في الحكم على النوازل استجابة لما تفرضه ضغوط زمنية معينة، وبهذا الاعتبار فقد تختلف الضرورة من زمان لآخر، والشريعة الإسلامية راعت الضرورة لكونها ما جاءت إلا لتحقيق مصلحة العباد في العاجل والآجل.

تاسعًا: تيسير الحكم على النازلة: فالتيسير مأخوذ من اليسر الذي هو بمعنى السهولة، والتيسير هو التسهيل والتوسعة والتخفيف والبعد عن التعصب والتضييق والإحراج والإعنات الذي هو مضمون كلمة التيسير، والتيسير في الشريعة مظاهره كثيرة جدًّا، منها التيسير في الفتوى والحكم على النازلة حتى يسهل على الناس العمل بها والتزامه وتطبيقه في الحياة العملية، وليس من التيسير في الفتوى إباحة المحرمات لغير ضرورة شرعية، أو الإفتاء بترك واجب؛ لأن ذلك يعتبر مروقًا عن التكليف الشرعي بل خروجًا عن الدين، واتباعًا للهوى والشيطان.

عاشرًا: عدم التقييد بمذهب معين: ومعنى هذا الضابط ألا يلتزم المستنبط في حكمه على النازلة بمذهب معين، إنما يوازن بين الأقوال ويرجح أقواها من حيث الدليل.

error: النص محمي !!