• العربية
Top
Image Alt

الطريق الأول: سماع لفظ الشيخ

  /  الطريق الأول: سماع لفظ الشيخ

الطريق الأول: سماع لفظ الشيخ

وهو أعلى طرق التحمل، ويكون بالإملاء وبغير إملاء؛ سواء كان الشيخ يُحدث من حفظه، أو من كتاب له إملاءً، أو غير إملاء في صورتي الحفظ والكتاب، لكنه في الإملاء أعلى؛ لما يلزم من تحرز الشيخ والطالب، إذ الشيخ مشتغل بالتحديث، والطالب مشتغل بالكتابة عنه، بذلك كان أبعد عن الغفلة وأقرب إلى التحقيق، وتبيين الألفاظ مع جريان العادة بالمقابلة بعده، وهذا الطريق أعلى طرق التحمل عند الجماهير من علماء الحديث. طريق الأداء لمن تحمل بهذه الطريقة: أجمع العلماء على أنه يجوز للسامع عن الشيخ بهذه الطريقة أن يقول عند الأداء: سمعت، ثم حدثنا، ثم حدثني، ثم يلي ذلك أخبرنا وأخبرني، وهذا كثير في الاستعمال؛ حتى أن جماعة من العلماء لا يكادون يستعملون فيما سمعوه من لفظ الشيخ غير هذه الصيغة، منهم حماد بن سلمة، وعبد الله بن المبارك، وهشيم بن بشير، وعبد الرزاق بن همام، ويزيد بن هارون، وإسحاق بن راهويه، وغيرهم. يلي ذلك أنبأنا، وأنبأني، ونبأنا، وهذه الصيغة قليلة في الاستعمال، يلي ذلك: قال لنا فلان، أو قال لي، أو ذكر لنا، أو ذكر لي. وهذه الصيغة الثالثة والرابعة، وهذه الصيغة الأخيرة أي: قال لنا فلان، أو قال لي فلان، أو ذكر لنا، أو ذكر لي. تدل على اتصال إسناد الحديث كحدثنا، وهذه الصيغ مرتبة ترتيبًا تنازليًّا، كما قال بذلك الخطيب، وهي أرفع صيغ الأداء. أرفع صيغ الأداء لمن تحمل بطريق السماع: ذكر الخطيب البغدادي أن أرفع العبارات في ذلك سمعت، ثم حدثنا وحدثني، فإنه لا يكاد أحد يقول: سمعت في أحاديث الإجازة والمكاتبة، ولا في تدليس ما لم يسمعه، وكان بعض أهل العلم يقول فيما أُجيز له: حدثنا. وروي عن الحسن أنه كان يقول: حدثنا أبو هريرة، ويتأول أنه حدث أهل المدينة، وكان الحسن إذَّاك بها، إلا أنه لم يسمع منه شيئًا. قال ابن صلاح: “ومنهم من أثبت له سماعًا من أبي هريرة، والله أعلم”. قال ابن دقيق العيد: “وهذا إذا لم يكن دليل قاطع على أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة، لا يجوز أن يُصار إليه”. قال الحافظ العراقي: “قال أبو زرعة وأبو حاتم: من قال عن الحسن حدثنا أبو هريرة فقد أخطأ، قال: والذي عليه العمل أنه لم يسمع منه”، وقاله غيرهم، أيوب، وبهز بن أسد، والنسائي والخطيب، قال الخطيب: “ثم بعد أخبرنا أنبأنا ونبأنا، وذكر الخطيب عن محمد بن رافع قال: كان عبد الرزاق يقول: أخبرنا حتى قدم أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وقالا له: قل حدثنا، فكل ما سمعت مع هؤلاء قال: حدثنا، وما كان قبل ذلك قال: أخبرنا”، وعن محمد بن أبي الفوارس الحافظ قال: “هشيم ويزيد بن هارون وعبد الرزاق لا يقولون إلا أخبرنا، فإذا رأيت حدثنا فهو من خطأ الكاتب، والله أعلم”. قلت: وكان هذا كله قبل أن يشيع تخصيص أخبرنا بما قرئ على الشيخ، ثم يتلو “أخبرنا” “أنبأنا” و”نبأنا” وهو قليل في الاستعمال. أوضاع صيغ الأداء لمن تحمل بهذه الطريقة، قال: “وذَكَرَ من غير لي أو لنا، وهو مع ذلك محمول على السماع بشرطين: الشرط الأول: إذا عُرف اللقاء بين الراوي وشيخه، الشرط الثاني: ألا يكون الراوي مدلسًا، وخاصة إذا عُلم من حال الراوي أنه لا يقول: قال أو ذكر، إلا فيما سمعه من شيخه. وخص الخطيب حمله على السماع بمن عُرف منه ذلك بخلاف من لا يُعرف منه ذلك، فلا يُحمل على السماع”. قال ابن الصلاح: “حدثنا وأخبرنا أرفع من سمعت من جهة أخرى، وهي أنه ليس في سمعت إشارة على أن الشيخ روّاه الحديث وخاطبه به، وفي حدثنا وأخبرنا إشارة على أنه خاطبه به ورواه له، أو هو ممن فُعل به ذلك”، وبذلك كان أبو بكر البرقاني يحدث فيما رواه عن أبي القاسم عبد الله بن إبراهيم الأنبادوني الجرجاني بلفظ سمعت، ولا يقول حدثنا، ولا أخبرنا؛ لأن البرقاني كان يجلس بحيث لا يراه أبو القاسم، ولا يعلم بحضوره، فيسمع منه ما يُحدث به الشخص الداخل، فكان قصده الرواية للداخل إليه وحده، وذلك لأن أبا القاسم مع ثقته وصلاحه كان عسرًا في الرواية”. وأما قوله: “قال لنا فلان” أو “ذكر لنا فلان” فهو من قبيل قوله حدثنا فلان، غير أنه لائق بما سمعه منه في المذاكرة، وهو به أشبه من حدثنا، قال الزركشي والقسطلاني: “إن الأحسن التفصيل، وهو أن حدثنا أرفع إن حدثه على العموم، وسمعت أرفع إن حدثه على الخصوص”، وأفرط ابن منده فقال: “إن البخاري حيث قال: قال لي فلان؛ فهو إجازة، وحيث قال: قال: لي فلان؛ فهو تدليس”، ورد العلماء ذلك عليه ولم يقبلوه منه. قال الحافظ السخاوي: “وهذا مردود، وقد أخرج البخاري في الصوم من صحيحه حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا نسي أحدكم فأكل أو شرب…)) الحديث، فقال فيه: حدثنا عبدان، وأورده في تاريخه بصيغة قال لي عبدان، وكذا أورد حديثنا في التفسير من صحيحه عن إبراهيم بن موسى بصيغة التحديث، ثم أورده في الأيمان والنذور منه أيضًا بصيغة قال لي إبراهيم بن موسى، في أمثلة كثيرة حقق شيخنا باستقرائه لها أنه إنما يأتي بهذه الصيغة إذا كان المتن ليس على شرطه في أصل موضوع كتابه، كأن يكون ظاهره الوقف، أو في السند من ليس على شرطه في الاحتجاج، وذلك في المتابعات والشواهد.

error: النص محمي !!