• العربية
Top
Image Alt

الطريق الثاني: القراءة على الشيخ

  /  الطريق الثاني: القراءة على الشيخ

الطريق الثاني: القراءة على الشيخ

ويسميها أكثر المحدثين عرضًا، من حيث أن القارئ يعرض على الشيخ ما يقرؤه كما يُعرض القرآن على المقرئ، قال شيخ الإسلام ابن حجر: “بين القراءة والعرض عموم وخصوص مطلق، فالعرض أخص من القراءة، فكل قراءة عرض، وليس كل عرض قراءة؛ لأن العرض عبارة عما يعرف به الطالب أصل شيخه معه أو مع غيره بحضرته. القراءة على الشيخ طريق من طرق تحمل الحديث؛ سواء قرأت على الشيخ بنفسك أو قرأ غيرك عليه وأنت تسمعه، وسواء كانت القراءة منك أو من غيرك، من كتاب أو حفظ، وسواء حفظ الشيخ ما قُرئ عليه أم لا إذا أمسك كتابه هو أو ثقة غيره”، قال الحافظ ابن حجر: “ينبغي ترجيح الإمساك في الصور كلها على الحفظ؛ لأنه خوَّان، وكذلك إذا كان ثقة من السامعين يحفظ ما قُرئ، والشيخ مستمع غير غافل كما قال الحافظ العراقي”. شروط الرواية بطريق القراءة حتى تكون صحيحة: الشرط الأول: يُشترط في الشيخ أن يكون يقظًا؛ بحيث لو وقع من القارئ تصحيفًا أو تحريفًا ردَّه الشيخ. الشرط الثاني: يُشترط في القارئ أن يكون ممن يعرف ويفهم، إذا لم يتحقق هذان الشرطان فلا يصح التحمل بالقراءة. الدليل على صحة الرواية بطريق القراءة: قال جماعة من الصحابة والتابعين والأئمة بجوازها، فمن الصحابة أنس وابن عباس وأبو هريرة وغيرهم، ومن التابعين سعيد بن المسيب، وأبو سلمة، ومحمد بن القاسم، وغيرهم، ومن الأئمة الأئمة الأربعة والبخاري، والليث بن سعد، والثوري وغيرهم؛ فلقد روي أن مالكًا كان يقول لمن أنكر العرض: كيف يجزئكم في القرآن ولا يجزئكم في الحديث، والقرآن أعظم منه، ولذا قال بعض أصحابه: “صحبته سبع عشرة سنة فما رأيته قرأ (الموطأ) على أحد، بل يقرءون عليه”. وروي عن إبراهيم بن سعد أنه قال: “ألا تدعون تنطعكم يا أهل العراق العرض مثل السماع”، وقد استدل الإمام البخاري وغيره على جواز القراءة على الشيخ بحديث ضمام بن ثعلبة لما أتى النبي صلى الله عليه وسلم، وقال الرجل للنبي صلى الله عليه وسلم: ((إني سائلك فمشدد عليك في المسألة، فلا تجد علي في نفسك، فقال: سل عما بدا لك، فقال: أسألك بربك ورب من قبلك آلله أرسلك إلى الناس كلهم؟ فقال: اللهم نعم، قال: أنشدك بالله آلله أمرك أن نصلي الصلوات الخمس في اليوم والليلة؟ قال: اللهم نعم)) الحديث في سؤاله عن شرائع الدين، فلما فرغ قال له: ((آمنت بما جئت به، وأنا رسول من ورائي، فلما رجع إلى قومه اجتمعوا إليه، فأبلغهم، فأجازوه)) أي: قبلوه منه وأسلموا، فهذه قراءة على النبي صلى الله عليه وسلم وأجازها، والحديث أخرجه الإمام البخاري في صحيحه. وقال أبو سعيد الحذاء: “وعندي خبر عن النبي صلى الله عليه وسلم في القراءة على العالم، فقيل له: قال قصة ضمام بن ثعلبة: ((آلله أمرك بهذا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم نعم))”. ولقد سُئل مالك عن الكتب التي تُعرض عليه، أيقول الرجل حدثني؟ قال: نعم، كذلك القرآن أليس الرجل يقرأ على الرجل، فيقول: أقرأني فلان. المذهب الثاني: فقد منع العرض جماعة من العلماء منهم وكيع الذي قال: ما أخذت حديثًا عرضًا قط. الرد على هؤلاء الذين منعوا العرض: هذا خلاف ما عليه الجمهور من العلماء، مع أنه لا يلزم من عدم أخذ وكيع الحديث عرضًا أن يكون العرض ممنوعًا. هل القراءة على الشيخ تساوي السماع منه؟ اختلف العلماء في مساواة القراءة بالسماع من لفظ الشيخ على ثلاثة مذاهب: المذهب الأول: قال أصحاب هذا المذهب إن القراءة على الشيخ مساوية للسماع منه، وهذا مذهب مالك، وأصحابه وأشياخه من علماء المدينة، ومعظم علماء الحجاز والكوفة والبخاري وغيرهم، وهو رأي علي بن أبي طالب وابن عباس وغيرهم، الدليل على ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: “إني بَلِهْتُ بهذه المصيبة فاقرءوا عليَّ؛ فإن إقراري به كقراءتي عليكم”. وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: “القراءة على العالم بمنزلة السماع منه”. كان مالك -رحمه الله تعالى- يأبى أشد الإباء على من يقول: لا يجزيه إلا السماع من لفظ الشيخ، ويقول: “كيف لا يجزيك هذا في الحديث ويجزيك في القرآن، والقرآن أعظم منه”. ولكن هؤلاء ذكروا المساواة بين القراءة والسماع في صحة الأخذ بالقراءة ردًّا على من أنكر صحة الأخذ بالقراءة، لا في اتحاد المرتبة بين القراءة والسماع. المذهب الثاني: ذهب أصحاب هذا المذهب إلى تفضيل السماع على القراءة، وهذا هو الصحيح، وهو مذهب جمهور أهل المشرق، وصحَّح هذا الرأي ابن الصلاح، قال ابن الصلاح: “والصحيح ترجيح السماع من لفظ الشيخ، والحكم بأن القراءة عليه مرتبة ثانية، وقد قيل: إن هذا مذهب جمهور أهل المشرق، والله أعلم”. المذهب الثالث: قال أصحاب هذا المذهب: إن القراءة أرجح من السماع، وهذا مذهب أبي حنيفة وابن أبي ذئب، وغيرهم، وهو رواية عن مالك وغيره؛ فكان يقول هؤلاء قراءتك على العلماء خير من قراءة العالم عليك، وجهة نظرهم قالوا: إن الشيخ إذا غلط لم يتهيأ للطالب الرد عليه، بخلاف الطالب إذا غلط، فإن الشيخ يصوب له ما أخطأ فيه. قال شيخ الإسلام ابن حجر: “إن ترجيح السماع على القراءة إذا استوى الشيخ والطالب، أو كان الطالب أعلم من الشيخ، ذلك لأنه أوعى لما يسمع، فإذا كان الطالب أقل من الشيخ في العلم فقراءته أولى؛ لأنها أضبط له، ولهذا كان السماع من لفظه في الإملاء أرفع الدرجات لما يلزم منه تحري الشيخ والطالب”، وقال كثير من العلماء: إن قراءة الطالب بنفسه على الشيخ أعلى مرتبة من السماع بقراءة غيره. وقال بعضهم: القارئ والمستمع سواء. صيغ الأداء لمن تحمل بطريق القراءة: للمحدث الذي تحمل الحديث بطريق القراءة أن يقول عند الأداء والرواية بها: “قرأت على فلان” إن قرأ بنفسه أو قرئ عليه وأنا أسمع فأقرَّ به، يلي ذلك عبارات السماع مقيدة بالقراءة لا مطلقة كحدثني بقراءتي عليه، أو قراءةً عليه وأنا أسمع، وهكذا بقية صيغ السماع. والذي منع إطلاق حدثنا وأخبرنا في القراءة على الشيخ عبد الله بن المبارك، وأحمد بن حنبل والنسائي وغيرهم، والذي جوَّز إطلاق حدثنا وأخبرنا طائفة من العلماء منهم الزهري والبخاري وأبو حنيفة وغيرهم، والذي منع إطلاق “حدثنا” وأجاز إطلاق “أخبرنا” جماعة من العلماء منهم الشافعي ومسلم بن الحجاج، وغيرهما من المحدِّثين. وذلك لأن “أخبرنا” معناها علم يقوم مقام قائله أنا قرأته عليه، لا أنه لفظ لي به. قال ابن الصلاح: “إن أول من أحدث الفرق بين هذين اللفظين، بين حدثنا وأخبرنا محمد بن الحسن التميمي بمصر، والفرق بينهم صار هو الشائع الغالب على أهل الحديث، وخيرُ ما يُقال فيه: إنه اصطلاح منهم أرادوا به التمييز بين النوعين”. وأما إطلاق حدثنا وأخبرنا في القراءة على الشيخ فقد اختلفوا فيه على مذاهب: فمن أهل الحديث من منع منهما جميعًا، وقيل: إنه قول ابن المبارك، ويحيى بن يحيى التميمي، وأحمد بن حنبل والنسائي وغيرهم، ومنهم من ذهب إلى تجويز ذلك، وأنه كالسماع من لفظ الشيخ في جواز إطلاق حدثنا وأخبرنا وأنبأنا، وقد قيل: إن هذا مذهب معظم الحجازيين والكوفيين، وقول الزهري ومالك وسفيان بن عيينة ويحيى بن سعيد القطان، وغيرهم من الأئمة، وهو مذهب البخاري صاحب الصحيح في جماعة من المحدِّثين، ومن هؤلاء من أجاز فيها أيضًا أن يقول: سمعت فلانًا. والمذهب الثالث: الفرق بينهما في ذلك، والمنع من إطلاق حدثنا، وتجويز إطلاق أخبرنا، وهو مذهب الشافعي وأصحابه، وهو منقول عن مسلم صاحب الصحيح، وجمهور أهل المشرق، وذكر صاحب كتاب (الإنصاف) محمد بن الحسن التميمي الجوهري المصري أن هذا مذهب الأكثر من أصحاب الحديث، الذين لا يحصيهم أحد، وأنهم جعلوا “أخبرنا” علمًا يقوم مقام قول قائله: “أنا قرأته عليه” لا أنه لفظ به لي، قال: “وممن كان يقول به من أهل زماننا أبو عبد الرحمن النسائي في جماعة مثله من محدثينا، قلت: وقد قيل إن أول من أحدث الفرق بين هذين اللفظين ابن وهب بمصر، وهذا يدفعه أن ذلك مروي عن ابن جريج والأوزاعي حكاه عنهما الخطيب أبو بكر، إلا أن يعني: أنه أول من فعل ذلك بمصر، والله أعلم”. قال ابن الصلاح: “الفرق بينهما صار هو الشائع الغالب على أهل الحديث، والاحتجاج لذلك من حيث اللغة فيه عناء وتكلف، وخير ما يُقال فيه: إنه اصطلاح منهم أرادوا به التمييز بين النوعين، ثم خصَّص النوع الأول بقول حدثنا لقوة إشعاره بالنطق والمشافهة، والله أعلم”.

error: النص محمي !!