Top
Image Alt

الطعن في أبي هريرة

  /  الطعن في أبي هريرة

الطعن في أبي هريرة

بعض المطاعن الموجَّهة إلى الصحابيّ الجليل: أبي هريرة ، والجواب عنها:

لا يخفى على أحد: تلك المنزلة العالية التي تبوّأها أبو هريرة  في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وبعد وفاته؛ فقد كان بحقّ حافِظ الصحابة: حفِظ السُّنّة والتزمها في شبابه وهرمه، وفي غناه وفقره. فكان ورعًا تقيًّا، كريمًا متواضعًا، له مواقفُه المشرِّفة في الأمْر بالمعروف والنّهْي عن المنكر. اعتزل الفِتن، وسعى في الإصلاح، ولزِم الجماعة. كما كان زاهدًا في الدنيا، راغبًا في الآخرة، ناشرًا للعلْم، معلِّمًا للسُّنّة…

لكنّ بعض أهل الأهواء -قديمًا وحديثًا- لم يُعجبْهم أنْ يرَوْا أبا هريرة في هذه المكانة السامية، والمنزلة الرفيعة، فدفعتْهم ميولهم وأهواؤهم إلى أنْ يُصوِّروه صورة تُخالف الحقيقة التي يَعرفها الجميع؛ بل جعلوا غرَضه مِن صحبة الرسول صلى الله عليه وسلم تحقيقَ مآرب شخصيّة له، وصوّروا أمانته خيانة، وكرَمَه رياءً، وحِفْظه تدجيلًا، وحديثه كذبًا على رسول صلى الله عليه وسلم. ورأوْا في اعتزاله للفتن تحزّبًا، وفي قوله الحق تحيّزًا، واعتبروه صنيعة الأمويِّين الذين طووْه تحت جناحهم، فكان أداتهم الداعية لمآربهم السياسية، ورأَوْا في فقره عارًا، وفي تواضعه ذلًّا، وفي مرَحِه هذرًا!!

هكذا رآه بعض أهل الأهواء قديمًا، كالنّظّام، والمريسي، والبلخي، وتابَعَهم من المعاصرين بعضُ المستشرقين وأذنابهم أمثال: “جولد تسيهر”، و”شبرنجر”، وعبد الحسين شرف الدين، وأحمد أمين، ومحمود أبو ريّة، وغيرهم…

ونحن هنا لسنا بصدد ذِكْر محاسن الرجل؛ فهي كثيرة معلومة، وقد أُلِّفت في ذلك كُتب مستقِلّة، ولكن حسْبنا أن نشير هنا إلى بعض تلك المطاعن الموجَّهة إليه مع الجواب عنها.

أ. كثرة حديثه:

أخذ النّظّام المعتزليّ على أبي هريرة كثْرة حديثه، وتابعه بعض المعتزلة قديمًا، ومنهم: بشر المريسي، وأبو القاسم البلخي. وقد ردّ ابن قتيبة على النظّام في كتابه (تأويل مختلف الحديث). ولقيتْ هذه الشُّبْهة صدًى في نفوس بعض المتأخِّرين، كعبد الحسين شرف الدين، الذي سوّد صفحات كثيرة من كتابه (أبو هريرة) يشكِّك في مرْويّاته ويستكثرها، ويُوهم القارئ أنّ ما رواه أبو هريرة أكثر ممّا رواه الصحابة الذين اشتغلوا بأمور الدولة وسياستها. ويثير هذه الشبْهة نفسها: محمود أبو رية في كتابه: (أضواء على السنة المحمدية). ويستشهد هؤلاء جميعًا بأخبار ضعيفة أو موضوعة أحيانًا، وبتأويلات وموازنات بالعلّة أحيانًا أخرى. وتلتقي أهواءُ هؤلاء بأهواء بعض المستشرقين أمثال: “جولد تسيهر”، الذي استكثر أيضًا مرويّات أبي هريرة.

وقد حمل لواء الدفاع عن الحق قديمًا وحديثًا بعضُ العلماء الذين كشفوا عن نوايا هؤلاء، وبيّنوا الحق مِن الباطل، ومازوا الخبيث من الطّيِّب.

وخلاصة أقوالهم: أنّ أبا هريرة تأخّر إسلامه، وروى عن رسول اللهصلى الله عليه وسلم  (5374) حديثًا، وهي أكثر كثيرًا ممّا رواه الخلفاء الأربعة وغيرهم من الصحابة الذين سبقوه إلى الإسلام. وممّا يقوله عبد الحسين في هذا: “فلينظر ناظرٌ بعقله في أبي هريرة، وتأخّره في إسلامه، وخموله في حسَبه، وأمِّيّته، وما إلى ذلك ممّا يوجب إقلاله، ثم لينظرْ إلى الخلفاء الأربعة، وسبْقهم، واختصاصهم، وحضورهم تشريع الأحكام، وحُسْن بلائهم في اثنيْن وخمسين سَنة: ثلاثٍ وعشرين كانت بخدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتِسعٍ وعشرين مِن بعده، ساسوا فيها الأمّة، وسادوا الأُمم… فكيف يمكن والحال هذه، أن يكون المأثور عن أبي هريرة وحْده أضعاف المأثور عنهم جميعًا؟ أفْتونا يا أولي الألباب!! وليس أبو هريرة كعائشة، وإن أكثرت أيضًا. فقد تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل إسلام أبي هريرة بعشر سنين، فكانت في مهبط الوحي والتنزيل، ومختلف جبرائيل وميكائيل، أربعة عشر عامًا، وماتت قبل موت أبي هريرة بيسير”، ثم وازنْ بينهما في الذكاء والفطنة.

ثم قال: “على أنها اضطرت إلى نشر حديثها، إذ بثّت دعاتها في الأمصار، وقادت إلى البصرة ذلك العسكر الجرّار؛ ومع هذا، فإنّ جميع ما روي عنها إنما هو عشرة مسانيد ومائتا مسند وألفا مسند. فحديثها كله أقل من نصف حديث أبي هريرة…”، ثم يرى بعد ذلك أنّ حديث أبي هريرة: “ما من أصحاب النبي أحد أكثر حديثًا عنه منّي، إلاّ ما كان من عبد الله بن عمرو؛ فإنه كان يكتب ولا أكتب”، يعارض كثرة حديث أبي هريرة، ويرى أنه إقرار صريح من أبي هريرة بأن ابن عمرو أكثر منه حديثًا، وقد بلغ مسند عبد الله بن عمرو (700) حديث.

ثم يزعم أنّ العلماء حاروا في أمْر أبي هريرة، ولم يَرَوْا مَخرجًا له، اللهم إلا ما علّله العسقلاني، والشيخ زكريا الأنصاري، بأنّ عبد الله بن عمرو قطن مصر، بينما سَكن أبو هريرة المدينة مقصدَ المسلمين؛ ومع هذا يرى كلام أبي هريرة صريحًا يحبط تأويل واعتذار العسقلاني والأنصاري.

ويعود ليقارن بين مقام أبي هريرة في المدينة وعبد الله بن عمرو في مصر، ويغمز جانب أبي هريرة، ويجعله مِن المتَّهمين عند مَن يفِد إلى المدينة، ويقول: “وكثيرًا ما كانوا ينقمون عليه إكثاره على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقولون: إنّ أبا هريرة يكثر الحديث، ويقولون: ما للمهاجرين والأنصار لا يُحدِّثون مثل حديثه؟…” وينتهي عبد الحسين مِن تحقيقه هذا في كثرة أحاديث أبي هريرة إلى النتيجة الآتية، حيث يقول: “والحق، أنّ أبا هريرة إنما اعترف لعبد الله في أوائل أمْره بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين لم يكن مفرطًا هذا الإفراط الفاحش؛ فإنه إنما تفاقم إفراطه وطغى فيه على عهد معاوية، حيث لا أبو بكر ولا عمر ولا عليّ ولا غيرهم من شيوخ الصحابة الذين يخشاهم أبو هريرة”.

مِن الغريب أن يعجب الكاتب لكثرة حديث أبي هريرة! ومن العجيب أن يثير هذا في القرن العشرين!! فهل يعجب من قوة ذاكرة أبي هريرة أنْ تجمع (5374) حديثًا!! أم يعجب أن يحمل هذه الكثرة عن الرسول صلى الله عليه وسلم خلال ثلاث سنوات؟

إذا كان يعجب مِن قوّة حافظة أبي هريرة، فليس هذا مجالًا للدّهشة والطعن، لأنّ كثيرًا مِن العرَب قد حفظوا أضعاف أضعاف ما حفظه أبو هريرة؛ فكثير من الصحابة حفظوا القرآن الكريم، والحديث الشريف، والأشعار، فماذا يقول المؤلف في هؤلاء؟ ماذا يقول في حِفظ أبي بكر أنساب العرَب؟ وعائشة شعْرهم؟ وماذا يقول صاحبنا في حمّاد الرواية، الذي كان أعلم الناس بأيام العرب، وأشعارها، وأخبارها، وأنسابها، ولغاتها؟ وماذا يقول فيه إذا علِم أنه روى على كل حرف من حروف المعجم مائة قصيدة كبيرة سوى المقطّعات من شعْر الجاهلية دون الإسلام؟ وماذا يقول في حفْظ حَبْر الأمّة عبد الله بن عباس؟ وحفْظ الإمام الزهري، والشعبي، وقتادة بن دعامة السدوسي؟ فحفْظ أبي هريرة ليس بِدْعًا وليس غريبًا، وخاصّة إذا عرفنا أنّ تلك الأحاديث الـ(5374) مرويّة عنه، ولم تسلَم جميع طُرقها؛ فأبو هريرة لا يُتَّهم في حفظه وكثرة حديثه من هذا الوجه.

وإذا كان المؤلِّف يَعجب مِن تحمّل أبي هريرة هذه الأحاديث الكثيرة عن الرسول صلى الله عليه وسلم خلال ثلاث سنوات، فقد غاب عن ذِهنه أنّ أبا هريرة صاحب الرسول صلى الله عليه وسلم في سنوات ذات شأن عظيم، جرَت فيها أحداث اجتماعية وسياسية وتشريعية هامة. وفي الواقع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تفرّغ في تلك السنوات للدعوة والتّوجيه بعد أن هادنَتْه قريش؛ ففي السنة السابعة وما بعدها انتشرت رسلُه في الآفاق، ووفدت إليه القبائل من جميع أطراف جزيرة العرب، وأبو هريرة في هذا كلّه يرافق الرسول صلى الله عليه وسلم، ويرى بعَيْنيْه، ويسمع بأذنيْه، ويعي بقلبه.

ثم إنّ ما رواه لمْ يكُن جميعه عن النبي صلى الله عليه وسلم، بل روى عن الصحابة، ورواية بعض الصحابة عن بعض مشهورة مقبولة لا مأخذ عليها. فإذا عرفنا هذا، زال العجب العجاب الذي تصوّره مؤلف كتاب: “أبو هريرة”، وغيْره.

ومِن الخطأ الفاحش أن يُقارَن الخلفاء الراشدون وأبو هريرة في مجال الحفظ وكثرة الرواية، لأسباب عدّة أهمها:

  1. صحيح أنّ الخلفاء الراشدين الأربعة سبقوا أبا هريرة في صُحبتهم وإسلامهم، ولم يُرو عنهم مثل ما رُوي عنه، إلاّ أنّ هؤلاء اهتمّوا بأمور الدولة، وسياسة الحُكم، وأنفذوا العلماء والقرّاء والقضاة إلى البلدان، فأدَّوا الأمانة التي حملوها، كما أدى هؤلاء الأمانة في توجيه شئون الأمة. فكما لا نلوم خالد بن الوليد على قلّة حديثه عن الرسول صلى الله عليه وسلم لانشغاله بالفتوحات، لا نلوم أبا هريرة على كثْرة حديثه لانشغاله بالعلْم. وهل لأحد أنْ يُلزم عثمان بن عفان، أو عبد الله بن عباس؛ لأنّهما لم يحملا لواء الفتوحات شرقًا وغربًا!!. لا. فكل امرئ مُيَسّر لما خُلِق له.
  2. انصراف أبي هريرة إلى العلْم واعتزاله السياسة، واحتياج الناس إليه لامتداد عمره، يجعل الموازنة بينه وبين غيره من الصحابة السابقين أو الخلفاء الراشدين غير صحيحة، بل هي خطأ كبير.

ثم إنّ عبد الحسين شرف الدِّين وأبا ريّة، يطعنان عليه في هذا المجال في حسَبه ونسَبه وأمِّيَّته، فهل لهذه النواحي أثَر في كثرة الرواية وقِلّتها؟ لم يقل بهذا أحد.

وما رددنا به عليه بالنسبة لمقارنته بالخلفاء الراشدين، يرِد بالنسبة لمقارنته بالسيدة عائشة. ونُضيف: أنّ السيدة عائشة كانت تُفتي الناس في دارها، وأمّا أبا هريرة فقد اتّخذ حلقة في المسجد النبوي، كما كان أكثر احتكاكًا بالناس مِن السيدة أم المؤمنين، بصِفته رجلًا كثير الغدوّ والرواح. وأضيف إلى هذا: أنّ السيدة الجليلة كان جُلّ همِّها موجَّهًا نحو نساء المؤمنين، وكان يتعذر دخول كلِّ إنسان عليها، ومع هذا لم يكُفّ المؤلف لكتاب: (أبو هريرة) لسانَه عنها، بل رأى أنها أكثرت أيضًا!! وهو في هذا يُناقض نفسه.

ب. هل كان الصحابة يكذِّبون أبا هريرة، ويردُّون أحاديثه؟

ذكر إبراهيم بن سيار النظّام أبا هريرة، فقال: “كذّبه عُمر، وعثمان، وعليّ، وعائشة رضي الله عنها”.

وقال بشر المريسي عن عُمر بن الخطاب: أنه قال: “أكذب المُحدِّثين: أبو هريرة”.

وقال أحمد أمين: “وقد أكثر بعض الصحابة مِن نقْد أبي هريرة على الإكثار من الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشكُّوا فيه، كما يدل على ذلك ما روى مسلم في صحيحه: أنّ أبا هريرة قال: إنكم تزعمون أنّ أبا هريرة يُكثر الحديث عن رسول الله… وفي حديث آخر: يقولون: إنّ أبا هريرة قد أكثر…”.

وقال عبد الحسين شرف الدِّين: “أنكر الناس على أبي هريرة، واستفظعوا حديثه على عهده… وحسبك أنّ في مُكذِّبيه عظماء الصحابة…”. ثم قال: “وبالجملة، فإنّ إنكار الأجلاّء من الصحابة والتابعين عليه، واتّهامهم إيّاه، ممّا لا ريب فيه؛ ما تورّع منهم عن ذلك أحد حتى مضَوْا لسبيلهم… ولعلّ جلّ المعتزلة على هذا الرأي. قال الإمام أبو جعفر الإسكافي ما هذا نصه: “وأبو هريرة مدخول عند شيوخنا، غير مرضيّ الرواية. قال: ضرَبه عُمر بالدّرّة، وقال: قد أكثرت من الرواية! فأحر بك أن تكون كاذبًا على رسول الله صلى الله عليه وسلم…”.

وأمّا أبو ريّة فقد ساق بعض الأقوال السابقة، وبعض استدراكات الصحابة على أبي هريرة… واستشهد بفقرات لـ”جولد تسيهر” و”شبرنجر”، وسرد أقوالًا مختصَرة لبعض ما دار بين الصحابة وأبي هريرة، ليكوِّن من ذلك رأيه في أبي هريرة، ويجعله أوّل راوية اتُّهِم في الإسلام.

ممّا سبق، تبينَتْ لنا الشُّبَه التي أوردها بعضهم على موقف الصحابة من أبي هريرة، وقد ساقوا تلك الشُّبَه من غير أن يُبيِنوا لنا أسبابها، وإن بيّن بعضهم ذلك فإنما يحمل الحادثة على غيْر محملها؛ وهذا كله جريًا على عادتهم مِن بتْر النصوص، وأخْذ ما يحلو لهم منها. ولا بدّ أن أشيد هنا إلى أنّ الصحابة لم يقفوا من أبي هريرة موقفًا خاصًّا، كما أنهم لم ينظروا إليه مِن زاوية معيّنة، أو بمنظار الشكّ والريبة، وسأكتفي هنا بضرْب مثال واحد يُبيِّن كذِبهم وادّعاءهم، وهو موقف عمر رضي الله عنه منه.

هل ضرَب عُمر أبا هريرة لكثرة روايته؟

لم يثبت قطّ أنّ عُمر  ضرَب أبا هريرة بدرّته لأنه أكثر الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما ذكَره أبو رية، وما ذكَره عبد الحسين مِن ضرْب عُمر لأبي هريرة، رواية ضعيفة، لأنها مِن طريق أبي جعفر الإسكافي، وهو غير ثقة.

وأمّا تهديد عمر  لأبي هريرة بالنّفْي، فهو ما رواه السائب بن يزيد، إذ قال: “سمعت عُمر بن الخطاب يقول لأبي هريرة: لَتترُكَنّ الحديث عن رسول الله، أو لألحقنك بأرض دوس! وقال لكعب الأحبار: لتتْرُكنّ الحديث عن الأُوَل، أو لألحقنّك بأرض القردة!”، ولكن عبد الحسين وأبا ريّة قالا: إنه قال لأبي هريرة: “لألحقنّك بأرض دوس، أو بأرض القردة!” نقلًا عن ابن عساكر، وأشار أبو رية إلى (البداية والنهاية)، وليس فيها هذا.

وليس في أيّة رواية تكذيبُ عُمر لأبي هريرة أو ضرْبه، وكلّ ما في الأمر: نهاه عن كثرة الرواية. وقد قال ابن كثير عقِب خبَره: “وهذا محمول مِن عُمر على أنه خشِيَ من الأحاديث التي قد تضَعُها الناس على غير مواضعها، وأنهم يتكلّمون على ما فيها من أحاديث الرّخص، وأنّ الرجل إذا أكثر من الحديث ربّما وقع في أحاديثه بعضُ الغلط، أو الخطإ، فيحملها الناس عنه، أو نحو ذلك”. اهـ.

ورُوي أنّ عمر أَذِن لأبي هريرة بعد ذلك في التحديث، بعْد أنْ عرَف ورَعه وخشْيته الخطأ، قال أبو هريرة: “بلغ عُمرَ حديثي، فأرسل إليَّ فقال: كنتَ معنا يوم كنّا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت فلان؟ قال، قلت: نعم. وقد علمتُ لم تسألني عن ذلك؟ قال: ولِمَ سألتُك؟ قلت: إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يومئذٍ: ((مَن كذَب عليَّ مُتعمِّدًا، فلْيتبوَّأ مقعَدَه مِن النّار!)). قال: أما إذًا، فاذهبْ فحدِّثْ!”.

فعُمر لمْ يطعن في أبي هريرة، وكلّ ما صدر منه إنما كان تطبيقًا لمنهجه مِن التّثبّت في السُّنّة والإقلال من الرواية. وأبو هريرة نفسه كان يذْكر لأصحابه شدّة عُمر في تطبيق منهجه.

ويدلّ على أنّ عُمر لم يُكذِّبْه، ولم يطعن فيه، ولم يُهدِّدْه بالنّفي إلى جبال دوس: هذا الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن أبي هريرة قال: “أخذت الناس ريح بطريق مكة، وعمر بن الخطاب حاجّ، فاشتدّت عليهم. فقال عمر لِمن حوله: مَن يُحدِّثنا عن الريح؟ فلم يَرجعوا إليه شيئًا. فبلغني الذي سأل عنه عمر من ذلك، فاستحثثْتُ راحلتي حتى أدركتُه، فقلت: يا أمير المؤمنين، أُخبِرْت أنك سألت عن الريح، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((الرِّيح مِن رَوْح الله، تأتي بالرحمة، وتأتي بالعذاب؛ فإذا رأيتموها فلا تَسبّوها، وسلوا الله خيْرها، واستعيذوا به مِن شرِّها))”. إنه لمْ يُجِب عُمرَ سوى أبي هريرة، فهل يُعقل بعد هذا أن يكذِّبه عمر، أو يهدِّده بالنّفي، وقد عرَف حِفظه وإتقانه!!؟

وأمّا ادّعاء بشر المريسي تكذيب الفاروق لأبي هريرة، فهو باطل لا أصل له، وما رواه عن عمر أنه قال: “أكذب المحدثين: أبو هريرة”، لم يذكر سنده، وقد تصدّى له عثمان بن سعيد الدارمي (200-280هـ) فردّ عليه رَدًّا قويًّا.

ج. عمر وأبو هريرة رضي الله عنهما:

اتّهم عبد الحسين شرف الدِّين وأبو ريّة أبا هريرة بأنه سرَق عشرة آلاف دينار حينما ولِي البحرين، فعزَله وضرَبه بالدّرّة حتى أدماه.

لقد ذكرت جميع الروايات المعتمَدة أنّ عمر رضي الله عنه قاسمه كما قاسم غيْره من الولاة، وليس فيها أنه ضرَبه حتى أدماه. وكان أبو هريرة يقول: “اللهم اغفر لأمير المؤمنين”. لم يحقِد على عمر رضي الله عنه، مع أنه يعْلم أنّ ما قاسمه إيّاه إنما هو عطاياه وأسهمه وبعض غلّة رقيقة. ولو أنّ عمر شكّ في أمانة أبي هريرة بعض الشكّ، لحاكمه وعاقبه العقوبة الشّرعيّة، ولكنه عرَف فيه الأمانة والإخلاص، فعاد إليه بعد حين يطْلبه الولاية، فأبى أبو هريرة قبولها كما أسلفنا!!

هذا وجْه الحق الذي أخفاه عبد الحسين وأبو رية؛ فعبد الحسين نقَل رواية واحدة عن (العقد الفريد) لابن عبد ربّه؛ حيث وجد فيها ما يوافق هواه، ولم يتعرّض لبقيّة الروايات التي تُبيِّن الحقيقة. واكتفى أبو ريّة بالنّقل عن عبد الحسين مِن غير أن يُشير إلى المصدر، ومن غير بحث أو مقارنة وتمحيص!!

د. هل تشيَّع أبو هريرة للأمويِّين؟

وممّا اتُّهم به أبو هريرة: أنه تشيّع للأمويِّين ووالاهم، ووضع الحديث على الرسول صلى الله عليه وسلم ضدّ خصومِهم، وتأييدًا لسياستهم.

ويظهر بطلان هذه الشبهة إذا علمنا أنه لا دليل على تشيُّع أبي هريرة للأمويِّين، بل ثبتت معارضتُه لهم في كثير مِن تصرُّفاتهم، ولم يكن دائمًا على صلة حسَنة بمعاوية. وإذا كان معاوية قد جعله على المدينة، فقد كان يعْزله كلّما غضب عليه، ويولّي مروان بن الحكم مكانه. كما أنّ أبا هريرة لم يكُن يكره عليًّا وأهلَه إرضاءً للأمويِّين، بل كان مُحبًّا لأهل البيت. ومن هذا: ما رواه ابن كثير ممّا دار بين مروان بن الحَكم وأبي هريرة، حين أراد المسلمون دفْن الحسَن مع النبي صلى الله عليه وسلم؛ فكان مما قاله لمروان: “والله ما أنت بوالٍٍ، وإن الوالي لَغيْرك! فدَعْه! ولكنك تدخل فيما لا يعنيك! إنما تريد بهذا إرضاءَ مَن هو غائب عنك! -يعنى: معاوية-“.

وكذلك نرى أبا هريرة يُنكر على مروان في مواضع عدّة: فقد أنكر عليه عندما رأى في داره تصاوير، فقال له: “سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((يقول اللهُ عز وجل: ومَن أظلمُ مِمّن ذَهب يخْلُق خلْقًا كخَلْقي؟ فلْيخْلُقوا ذرة!)). كما أنكر عليه حين أبطأ بالجُمعة، فقام إليه قائلًا: “أتظلّ عند ابنة فلان تروحك بالمراوح وتسقيك الماء البارد، وأبناء المهاجرين والأنصار يُصهرون مِن الحرّ؟ فقد هممت أن أفعل وأفعل”. ثم قال: “اسمعوا من أميركم!”.

فهل هذا موقف للتشيُّع لبني أميّة، النّازل على رغباتهم في الحديث، الداعي لهم؟ أمْ أنّ هذا موقف مُلتزِم الحق؟

لقد أنكر على الأمير تأخّرَه، وحفِظ له حقّه، فأمَر المسلمين بالسّماع إليه؛ وهذا دليل آخر على مكانة أبي هريرة بين المسلمين. فلو كان حقيرًا مهينًا -كما صوَّره أعداؤه- ما سمع منه المسلمون، وما تحمّله مروان.

وكان يَجدر بمن اتّهم أبا هريرة بالتشيُّع للأمويِّين أن يتّهمه بالتشيُّع لأهل البيْت، لِما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في مناقبهم، ممّا ورَد في صحاح السُّنّة، فهذا أوْلى لهم مِن أن يتتبّعوا الأحاديث الضعيفة والموضوعة على أبي هريرة في مدْح الأمويِّين، ليتّهموه بموالاتهم وتأييدهم، مع وضوح وضع تلك الأحاديث، ومعرفة الكَذَبة الواضعين لها، وجلاء أمْرها.

ونتيجة لهذا المنهج المُلتوي حَكم عليه عبد الحسين وأبو ريّة. ومما قاله عبد الحسين في أبي هريرة والأمويِّين: “استعبد بنو أميّة أبا هريرة ببِرِّهم، فمَلَكوا قياده، واحتلّوا سمعَه وبصَره وفؤاده؛ فإذا هو لسان دِعايتهم في سياستهم، يتطوّر فيها على ما تقتضيه أهواؤهم: فتارة يفتئِت الأحاديث في فضائلهم… وتارة يُلفِّق أحاديث في فضائل الخليفتَيْن نزولًا على رغائب معاوية وفئته الباغية”.

هكذا أراد أن يُصوِّره عبد الحسين شرف الدِّين، وقد عرفنا في سيرته وأخلاقه ما يدفع هذا الافتراء.

هـ. هل وضَع أبو هريرة الأحاديث كذبًا على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

لقد اتّهم عبد الحسين وأبو ريّة أبا هريرة بالكذِب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، إرضاءً للأمويِّين، ونكاية بالعلويِّين. وأبو هريرة مِن كل هذا براء. ولكنهما أوردا أخبارًا ضعيفة وموضوعة لا أصل لها. من هذا: ما ذكره عبد الحسين فقال: “قال الإمام أبو جعفر الإسكافي: إنّ معاوية حمَل قومًا من الصحابة وقومًا من التابعين على رواية أخبار قبيحة في عليّ، تقتضي الطعن فيه، والبراءة منه، وجعَل لهم على ذلك جُعلًا يُرغَب في مثله، فاختلقوا له ما أرضاه. منهم: أبو هريرة، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، ومن التابعين: عروة بن الزبير… إلى آخر كلامه”.

وقال: “لمّا قدِم أبو هريرة العراق مع معاوية عام الجماعة، جاء إلى مسجد الكوفة، فلمّا رأى كثرة مَن استقبله مِن الناس جثا على ركبتيْه، ثم ضرب صلعته مرارًا، وقال: يا أهل العراق أتزعمون أني أكذِب على الله ورسوله، وأحرق نفسي بالنار؟ والله لقد سمعت رسول الله يقول: ((إن لكل نبيّ حرَمًا، وإنّ المدينة حرمي؛ فمن أحدث فيها حدثًا، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين!)). قال: وأشهَد بالله أنّ عليًّا أحدث فيها!! فلما بلغ معاويةَ قولُه، أجازه وأكرمه وولّاه إمارة المدينة”.

هذه أخبار مختلَقة استشهد بها عبد الحسين لِيدعم زعمه أنّ أبا هريرة كان عميلًا للأمويِّين، وضّاعًا للحديث، ولكنّ هذه الأخبار مردودة سندًا ومتنًا.

1. أما مِن حيث السّند: فإنّ ابن أبي الحديد صاحب (شرح نهج البلاغة) نقل هذه الأخبار عن شيخه محمد بن عبد الله أبي جعفر الإسكافي “24هـ”، وهو من أئمة المعتزلة المتشيِّعين؛ والعداء مُستحكم بين المعتزلة وأهل الحديث من أواخر القرن الأوّل الهجري، ثم أصبح متوارَثًا بعد هذا القرن. وأترك التعريف بأبي جعفر، وتزكيته لتلميذه ابن أبي الحديد، إذ يقول: ذكَر شيخنا أبو جعفر الإسكافي -رحمه الله-، وكان مَِن المُتحقِّقين بموالاة عليّ والمبالِغين في تفضيله. وإن كان القول بالتفضيل عامًّا شائعًا في البغداديِّين من أصحابنا كافّة، إلاّ أنّ أبا جعفر أشدّهم في ذلك قولًا، وأخلصهم فيه اعتقادًا”.

هذه شهادة تلميذ لأستاذه لا يرقى إليها الشّكّ، ولا يعتريها الظن والتأويل؛ فالأستاذ مِن أهل الأهواء داعٍٍ إلى هواه، بل مُتعصِّب في ذلك، بشهادة أقرب الناس إليه وأعرفهم به. فإذا سبق لأمثاله أنْ كذّبوا الصحابة في الحديث بل في نقل القرآن، فليس بعيدًا أن يكذِبوا على أبي هريرة، ويفتروا عليه وعلى بعض الصحابة والتابعين. لكن روايته مردودة لسببيْن:

الأول: ضعف الإسكافي لعامليْن:

العامل الأول: أنّه معتزليّ يناصب أهل الحديث العداء.

والعامل الثاني: أنه شيعي محترف. فقد اجتمع فيه عاملان يكفي أحدُهما لردّ روايته.

الثاني: لم تُذكر هذه الروايات في مصدر موثوق بسند صحيح، علمًا بأنّ الإسكافي لم يَذكر لها سندًا. وهذا يرجّح أنها موضوعة، أو هي على الأقل ضعيفة لا يُحتج بها.

2. وأمّا مِن حيث المتن: فلم يثبت أنّ معاوية حمَل أحدًا على الطّعن في أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، ولم يثبت عن أحد مِن الصحابة أنه تطوّع بذلك، أو أخذ أجرًا مقابل وضْع الحديث؛ والصحابة جميعًا أسمى وأرفع من أن ينحطّوا  إلى هذا الحضيض. ومعاذ الله أنْ يفعل هذا إنسانٌ صاحَبَ رسولَ الله، وسمع حديثه وزجْرَه عن الكذب. وإن جميع ما جاءنا مِن هذه الأخبار الباطلة، إنما كان عن طريق أهل الأهواء الدَّاعين إلى أهوائهم، المتعصِّبين لمذاهبهم، فتجرّءوا على الحق، ولم يعرفوا للصّحبة حرمتَها، فتكلَّموا في خيار الصحابة، واتّهموا بعضهم بالضلال والفسق، وقذفوا بعضهم بالكُفر، وافترَوْا على أبي بكر وعُمر وعثمان وغيرهم…

وقد كشف أهل الحديث عن هؤلاء الكَذَبة؛ لذلك ناصبت أكثرُ الفِرق أصحابَ الحديث العداء، فتتبّعوا أحوالهم واخترعوا الأباطيل، لِتَفْقد الأمّة الثقة بهم. ومن ذلك: ما فعله المعتزلة، والروافض، وبعض فِرَق الشِّيعة. ومن أراد الاطلاع على بعض هذا، فليراجع كتاب (قبول الأخبار) لأبي القاسم البلخي.

ولكن الله أبى إلاّ أنْ يكشف أمْر هذه الفِرق، ويُميط اللثام عن وجوه المُتستِّرين وراءها. فكان أصحاب الحديث هم جنود الله عز وجل، بيّنوا حقيقة هؤلاء، وأظهروا نواياهم وميولهم. فما من حديث أو خبَر يطعن في صحابي، أو يشكك في عقيدة، أو يخالف مبادئ الدِّين الحنيف، إلاّ بيّن جهابذة هذا الفن يدَ صانِعه، وكشفوا عن علّته.

فادّعاء هؤلاء مردود، حتى يَثبت زعمُهم بحُجّة صحيحة مقبولة. وكيف نتصوَّر معاوية يحرِّض الصحابة على وضْع الحديث كذبًا وبهتانًا وزورًا، ليطْعنوا في أمير المؤمنين عليّ ، وقد شهد ابن عباس رضي الله عنه لمعاوية بالفضل والعقل والفقه -وقد ذكر ذلك البخاري في صحيحه-، فهل لهؤلاء أنْ يتّهموا حبْر الأمّة وعالِمها بالكذِب، أو بالتشيُّع لمعاوية؟! هذا لا يمكن. وشهادة ترجمان القرآن صحيحة؛ وبهذا ننفي تُهمة عبد الحسين.

وقد افترى الإسكافي على الصحابة الذين ذَكَرهم، وبيّن ابن العربي في (العواصم من القواصم) جانبًا مِن أمْرهم، ومكانتهم وورعهم، كما بيَّنتْ كُتبُ التراجم سيرَتهم. ثم إنّ روايات أهل الأهواء تسرّبت إلى التاريخ الإسلامي، وخاصة ما يتعلّق بأخبار الأمويِّين، لأن كُتب التاريخ كُتبت بعد بني أميّة، فشوّهت سيرتهم، ومع هذا لم يعدم التاريخ الرجال الأمناء المخلصين، الذين دوَّنوا حوادثه بأسانيدها حتى يتميّز الحق مِن الباطل. فليس كل خبَر في كتاب يُقبَل ويُؤخَذ به، بل لا بد مِن دراسته دراسة علميّة -حسب منهج المحدِّثين الدقيق- سندًا ومتنًا.

ثم إنّا نستبعد صحّة هذا الخبر؛ فإن عروة ولد سنة (22هـ)، فكان عُمره في فتنة عثمان  (13سنة)، وعندما استشهد أمير المؤمنين علي كان عمره (18سنة)، فكيف يحمل خليفة كمعاوية عروة بن الزبير إلى وضْع أحاديث تَطعن في علي,  ولا يزال عروة يافعًا على عتَبة العلْم لم يشتهر بعد؟! فكان أحرى بمعاوية -لو صحّ الخبر- أنْ يُغري مَن هو أشهر منه وأعلَم، من كبار الصحابة والتابعين. وإن قال قائل: إنما استعان به أيام الخلافة بعد استشهاد الخليفة الراشد الرابع، فالجواب بدهيّ في أنّ كلمة المسلمين اجتمعت سنة 40هـ عام الجماعة، حين بايع الحسَن معاوية بالخلافة، وثبتت دعائم الحُكم، فلم تبقَ هناك أيّة ضرورة للدعاية للأمويِّين، وهُم الحُكّام وبيَدهم الزّمام.

ولو سلَّمنا جدلًا: أنّ عروة قد قام بما ادّعاه المؤلِّف، فهل يسكت عنه علماءُ الأمّة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبيْنهم الأبطال الشّجعان، وفيهم الأقوياء والأفذاذ؟! لقد كانت الأمّة الإسلامية قويّة في ذلك العصر، عرَف أبناؤها الحوادث جميعَها وعاصَروها واختبروها، فلم تَعُد تخفَى دقائقُها على أحَد، وعرف المسلمون قادتَهم مِن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يكُن من السهل أنْ يُغيِّر بعض الصحابة والتابعين وجْه الحق -كما زعم عبد الحسين- لإرضاء الخليفة، وإشباع ميوله ورغباته. وإنّ مَن يحاول إثبات صحّة هذا الخبر ليتجنّى على الأمّة جميعها، ويجعل مَن عاصروا تلك الحوادث بُلهًا مُغفَّلين، يُعمَّى عليهم الحقّ بالدعايات الكاذبة والأخبار الموضوعة، والواقع يُثبت خلاف ذلك، ويُثبت وضْع الخبَر وعدَمَ صحّته.

ثم إنّ الخبَر الثاني -وهو: قدوم أبي هريرة العراق- مِن رواية الإسكافي، وهو مردود عندنا، لِضعف راويه؛ ولو سلّمنا صحّته فليس في هذا ما يُضير أبا هريرة، لأنه يدفع عن نفسه ما أشاعه بعض خصوم الأمويِّين حوله. وإنّ الحديث الذي رُوي عن أبي هريرة ليس فيه الزيادة التي اختُلِقَت في ذمّ الإمام عليّ لينال أبو هريرة أجْره من معاوية أو غيره.

لقد قوّضت دولةُ الإسلام دولتَيْ كسرى وقيصر، وقضت على عروش الملوك والأمراء الذين كانوا يَحكمون الشعوب الخاضعة لهم، يُذيقونها العذاب، ويستنزفون خيراتها، ويسترقّون أبناءها. وكان حول هؤلاء الحُكام طبقة مِن الخواصّ والمستغِلِّين، الذين يفيدون من وراء أولئك الملوك والأمراء، وكانت لهم وسائلهم الخاصّة في استغلال رعاياهم. فعندما انتشر الإسلام، وخالط قلوب الأمَم المظلومة، والشعوب المغلوبة على أمْرها من قِبَل رُعاتها، تذوَّق هؤلاء نعمةَ الحُرّيّة، وشعُروا بالكرامة الإنسانيّة، في حين أفلتت السلطة مِن يَد الحُكام، وخسروا مناصبهم، وضاعت تلك المنافع التي كانوا ينالونها باستغلال أبناء الشعب، الذي عرف قيمة الحياة بعْد أنْ حطّم قيود الظلْم باعتناق الإسلام. ولم يَرُق الوضع الجديد أولئك المُتسلِّطين، فأضمروا  الحقْد والكيْد للإسلام والمسلمين. ولم يستطيعوا أنْ يحققوا آمالهم بقوّة السّيْف، لِقوّة الدولة الإسلامية؛ فراحوا ينفِّرون المسلمين مِن العقيدة الجديدة، بِدَسّ الأباطيل والأكاذيب السخيفة على رسول الله، قاصدين  من وراء ذلك إبعاد الناس عن الإسلام، إلاّ أنهم لمْ يُوفَّقوا إلى ما أرادوا، وباءت محاولاتُهم بالفشل أمام قوّة الإسلام، وسُموِّ مقاصده وصفاء عقيدته.

وقد أثّر الزنادقة منذ فترة مبكّرة في وضْع الحديث، محاوِلِين انتقاص السُّنّة وتَشْويه معالِمها، والوضْع من مكانتها عند أرباب العقول. فكان الزنادقة يتستّرون بالإسلام، ويُبطنون له ولأهله العداء؛ فهم كما قال ابن حبّان: “يعتقدون الكُفر، ولا يؤمنون بالله واليوم الآخر. فكانوا يَدخلون المُدن ويتشبّهون بأهل العلْم، ويضَعون الحديث على العلماء، ويروُون عنهم، لِيوقعوا الشّكّ والرِّيبة في قلوبهم، كي يَضلّون ويُضلّون، فيسمع الثقات منهم ما يروُون، ويؤدّونها إلى مَن بعدَهم، حتى تداولوها بينهم.

error: النص محمي !!