Top
Image Alt

الطعن في حديث وقوع الذباب في الإناء

  /  الطعن في حديث وقوع الذباب في الإناء

الطعن في حديث وقوع الذباب في الإناء

حديث وقوع الذباب في الإناء:

روى البخاري بسنده إلى أبي هريرة : أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا وقَع الذّباب في إناء أحدِكم، فليغْمِسْه كلَّه ثم لَيْطرحْه! فإن في أحَدِ جناحَيْه شِفاء، وفي الآخر داء)).  هذا حديث ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد تلقَّتْه الأمّة بالقبول، وآمنت بمضمون ما جاء فيه.

وهو معجزة من معجزات نبينا صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى، {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىَ (3) إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحَىَ} [النجم:3، 4].

وقد طعن أهل البدع والضلال قديمًا في صِحّته بحُجّة أنه مخالف للعقْل والواقع، وأثاروا الشُّبَه من حوله، فانبرى للرّدِّ عليهم وكشْف شُبَههم ودحْضها علماءُ أجلاءُ، فواجهوهم بالحُجج الدّامغة والأدلة البيِّنة، فأزالوا تلك الشُّبَه وبيّنوا فسادَها.

من أولئك العلماء الأفاضل: الإمام ابن قتيْبة الدينوري -رحمه الله- فقد ذكَر في كتابه (تأويل مختلف الحديث): أنه حديث صحيح، وأنه رُوي بألفاظ، ثم قال: “إنّ مَن حَمَل أمْر الدِّين على ما شاهد، فجَعل البهيمة لا تقول، والطائر لا يُسبِّح… والذّباب لا يعلَم موضع السّمّ وموضع الشفاء، واعترض على ما جاء في الحديث، ممّا لا يفهمه… فإنه مُنسلخ مِن الإسلام، مُعطِّل… مخالف لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ولِمَا درج عليه الخيار من صحابته والتابعون.

ومَن كذَّب ببعض ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم كان كمَن كذّب به كلّه. وما علمتُ أحدًا يُنكر هذا، إلاّ قومًا مِن الدّهريّة، وقد اتّبعهم على ذلك قوم مِن أهل الكلام، والجهميّة”.

ومن أولئك أيضًا: الإمام الطّحاوي -رحمه الله- في كتابه (مشكل الآثار)، فقال -بعد ذِكْره للحديث ومَن رواه مِن الصحابة،: “قال قائل مِن أهل الجهْل بآثار رسول الله صلى الله عليه وسلم وبوُجوهها: وهل للذباب مِن اختيار حتى يقدِّم أحَد جناحيه لمعنًى فيه، ويؤخِّر الآخَر لمعنًى فيه خلاف ذلك المعنى؟!.

فكان جوابنا في ذلك له بتوفيق الله عز وجل وعونه: “أنه لو قرأ كتاب الله عز وجل قراءة مُتفهِّم لِمَا يقرأ منه لوجد فيه ما يدلّ على صِدْق قول رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا، وهو قوله عز وجل: {وَأَوْحَىَ رَبّكَ إِلَىَ النّحْلِ أَنِ اتّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشّجَرِ وَمِمّا يَعْرِشُونَ (68) ثُمّ كُلِي مِن كُلّ الثّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَآءٌ لِلنّاسِ إِنّ فِي ذَلِكَ لاَيَةً لّقَوْمٍ يَتَفَكّرُونَ} [النحل: 68، 69].

وكان وحي الله إليها هو: إلهامه إياها أنْ تفعل ما أمَرها به؛ فمِثْل ذلك: الذباب ألهمَه عز وجل ما ألهمه ممّا يكون سببًا لإتيانه لما أراده منه مِن غمْس أحَد جناحيْه فيما يقع فيه ممّا فيه الداء، والتوقي بجناحه الآخر الذي فيه الشفاء”.

وجاء المُحدَثون، من أمثال: محمد توفيق صدقي، ومحمود أبو ريّة، وغيرهما… فطعنوا في هذا الحديث، كما طعن فيه أسلافهم أهل الابتداع مِن قبْل، ولم ينزجروا بردود العلماء السّابقين، فزادوا شُبَه أولئك شُبَهًا أخرى أنتجتْها عقولُهم التي جهلت حرمة النصوص، وران عليها ظلام قاتم، فلم تستوعب ولم تعِ معاني تلك النصوص، فسارعت إلى الإنكار والرّدّ والطّعن كما هو دَيْدنها ومنهجها بكل نصّ جهلت معناه.

وخلاصة ما جاء في كلامهم مِن شُبَه حول هذا الحديث، يمكن إجمالها في الآتي:

  1. كونه أخرجه البخاري لا يمْنعه ذلك مِن التماس علّة في رجاله تَمنع مِن صحّته، والعلة هي:
    1. أنه قد انفرد به ابن حنين.

ب.أنه مِن رواية أبي هريرة، وقد انفرد به.

  • أنه حديث آحاد يُفيد الظّنّ، فلا إشكال في ردِّه، وهو غريب عن التشريع، لأنه يُنافي قاعدة تحريم الضّارِّ، واجتناب النجاسة، وغريب عن الرأي؛ لأنه يفرِّق بين جناحَي الذباب، فيدّعِي أنّ أحدهما به سمّ ضار، والآخر ترياق نافع.
  • أثبت العلم بُطلانه؛ لأن العلْم يقطع بمضارّ الذّباب.
  • أنّ موضوع مَتْنِه ليس من عقائد الإسلام، ولا من عباداته، ولا من شرائعه، ولا التزم المسلمون العلْم به؛ بل لم يعمل به أحد منهم، لأنه لا دخْل له في التشريع، وإنما هو في أمْر من أمور الدنيا، كحديث تأبير النّخل؛ وبالتالي مَن ارتاب فيه لم يُضِع مِن دِينه شيئًا.
  • أنّ تصحيحه: مِن المطاعن التي تُنفِّر عن الإسلام، وتكون سببًا في ردّة بعض ضعفاء الإيمان، ويفتح على الدِّين شُبْهة يستغلّها أعداء الإسلام.
  • أنّ البحث فيه عقيم، لا يجب أنْ يشتغل الناس به، وقد وصلوا إلى مخترَعات ومُكتشَفات مِن العلوم؛ ولذا يجب ترْك البحث فيه إلى ما وصل إليه العلْم مِن أحكام لا تُنقض ولا تُردّ.

الجواب:

1. لم ينفرد البخاري -رحمه الله- بإخراج هذا الحديث، كما أنّ أبا هريرة لم ينفرد بروايته عن النبي صلى الله عليه وسلم وعبيد بن حنين لم ينفرد بروايته عن أبي هريرة أيضًا:

فقد أخرجه البخاري، وأبو داود، وابن ماجه، والدارمي، والبيهقي، وابن خزيمة، وأحمد، وابن حبّان، والبغوي، وابن الجارود، من حديث أبي هريرة .

وأخرجه النسائي، وابن ماجه، والبيهقي، وأحمد، وابن حبان، والبغوي، من حديث أبي سعيد,  وأخرجه البزار، والطبراني، من حديث أنس بن مالك .

ورواه عن أبي هريرة جماعة من التابعين.

ولو لم يَرِد هذا الحديث إلاّ في (صحيح البخاري)، لكان صحيحًا مقبولًا؛ إذ البخاري هو أصحّ الكتب بعْد كتاب الله تعالى، وأحاديثه في أعلى درجات الصّحّة.

ومن العجيب: أنّ هذا الحديث لم يستدركه على البخاري أحَد مِن أئمة الحديث، ولم يقدح في سنده أحد منهم، بل هو عندهم ممّا جاء على شرْط البخاري في أعلى درجات الصِّحّة.

ولو تفرّد به أبو هريرة لما وجَدوا إلى الطّعن في صحته سبيلًا.

يقول الشيخ ناصر الدِّين الألباني، بعد إخراجه الحديث:

“فقد ثبت الحديث بهذه الأسانيد الصحيحة، عن هؤلاء الصحابة الثلاثة: أبي هريرة، وأبي سعيد، وأنس، ثبوتًا لا مجال لردِّه، ولا للتّشكيك فيه. كما ثبت صدْق أبي هريرة  في روايته إياه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلافًا لبعض غلاة الشِّيعة مِن المعاصرين، ومَن تبعهم مِن الزائغين، حين طعنوا فيه لروايته إيّاه، واتّهموه بأنه يَكْذب فيه على رسول الله صلى الله عليه وسلم وحاشاه من ذلك! فهذا هو التحقيق العلْمي يُثبت أنه بَريء مِن كلّ ذلك، وأنّ الطاعن فيه هو الحقيق بالطعن فيه؛ لأنهم رمَوْا صحابيًا بالبهْت، وردّوا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لِمجرد عدَم انطباقه مع عقولهم المريضة!.

وقد رواه عنه جماعة مِن الصحابة -كما علمْت- وليت شعري، هل علِم هؤلاء بعدَم تفرّد أبي هريرة بالحديث، وهو حجّة لو تفرّد، أم جهلوا ذلك؟! فإن كان الأوّل فلماذا يتعلّلون برواية أبي هريرة إيّاه، ويوهِمون الناس أنه لم يُتابعْه أحد من الأصحاب الكرام؟! وإن كان الآخَر؛ فهلاّ سألوا أهل الاختصاص والعلْم بالحديث الشريف؟!

وما أحسن ما قيل:

فإن كنت لا تدري فتلك مُصيبةٌ

 
*وإنْ كنتَ تدري فالمصيبةُ أعظمُ”

 

وعبيد بن حنين ثقة لا مطعن فيه، ولم يذكره الحافظ فيمن تكلّم فيهم من رجال البخاري في مقدّمته، ولم أقف على من طعن في توثيقه من العلماء. ولعمري، لو تفرّد برواية الحديث عن أبي هريرة لقُبل تفرّده؛ فإنّ تفرّد مثلِه لا يقدح في صحّة الحديث.

قال ابن الصلاح -رحمه الله-:

 “إذا انفرد الراوي بشيء، نُظر فيه، فإن كان ما انفرد به مخالفًا لِمَا رواه مَن هو أوْلى منه بالحفظ لذلك وأضبط، كان ما انفرد به شاذًا مردودًا، وإن لم تكن فيه مخالفة لِمَا رواه غيْره وإنما أمْر رواه هو لم يرْوِه غيْرُه، فيُنظَر في هذا الراوي المنفرد: فإن كان عدلًا حافظًا موثوقًا بإتقانه وضبْطه قبل ما انفرد به، لم يقدح الانفراد فيه… وإن لم يكن ممّن يوثق بحفظه وإتقانه لذلك الذي انفرد به، كان انفرادُه خارمًا له مزحزحًا له مِن حيّز الصحيح”.

ولو ردّ الحديث الصحيح بتفرّد الراوي الثقة له، لرُدّ كثير مِن الأحاديث، وتعطّلت كثير من المسائل عن دلالتها.

2. كونه حديث آحاد، ومِن أجل ذلك سهُل ردّه:

الجواب:

هذا قولٌ مردود، وحُجّة داحضة؛ وقد سبق الكلام عن حديث الآحاد وحُجِّيَّته.

وقولهم بأنه غريب عن التشريع؛ لأنه يُنافي قاعدة تحريم المضارّ واجتناب النجاسة:

يردّه كلام العلماء في هذا: يقول الإمام ابن القيم -رحمه الله-: “واعلم أنّ في الذباب عندهم قوّة سمِّيَّة يدل عليها الورم والحكّة العارضة عن لسْعِه، وهي بمنزلة السّلاح، فإذا سقط فيما يؤذيه اتّقاه بسلاحه؛ فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن تُقابل تلك السُّمِّيّة بما أودعه الله سبحانه في جناحه الآخر مِن الشفاء، فيُغمس كلّه في الماء والطعام، فيقابل المادة السّمّيّة المادّة النافعة، فيزول ضررها. وهذا طب لا يهتدي إليه كبار الأطباء وأئمّتهم، بل هو خارج من مشكاة النبوة. ومع هذا، فالطبيب العالِم العارف الموفّق يخضع لهذا العلاج، ويقرّ لمن جاء به بأنه أكمل الخلْق على الإطلاق، وأنه مؤيَّد بوحي إلهي خارج عن القوّة البشرية”.

وقال الشوكاني -رحمه الله-: “والفائدة في الأمْر بغمسه جميعًا هي: أن يتّصل ما فيه من الدواء بالطعام أو الشراب، كما اتصل به الداء، فيتعادل الضار والنافع، فيندفع الضرر”.

والقول بنجاسة الذّباب لا دليل عليه، لأنه لا ملازمة بين الضرر والنجاسة؛ ولذا كان هذا  الحديث من أدلّة العلماء على أنّ الماء القليل لا ينجس بموت ما لا نفْس له سائلة فيه، إذ لم يُفصّل الحديث بين موت الذباب وحياته عند غمسه.

وقال ابن القيم -رحمه الله-: “هذا الحديث فيه أمران:

– أمْر فقهيّ.

– وأمْر طبِّيٌّ.

فأمّا الفقهي: فهو دليل ظاهر الدلالة جدًّا على أنّ الذباب إذا مات في ماء أو مائع، فإنّه لا ينجسه، وهذا قول جمهور العلماء؛ ولا يُعرف في السلف مخالف في ذلك.

ووجه الاستدلال به: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم أمَر بمَقْلِهِ، وهو: غمْسه في الطعام، ومعلوم أنه يموت من ذلك؛ ولا سيما إذا كان الطعام حارًّا؛ فلو كان ينجِّسه لكان أمرًا بإفساد الطعام، وهو صلى الله عليه وسلم إنما أمَر بإصلاحه، ثم عدّى هذا الحكم إلى كلّ ما لا نفْس له سائلة، كالنحلة، والزنبور، والعنكبوت، وأشباه ذلك… إذ الحكم يعمّ بعموم علّته، وينتفي لانتفاء سببه. فلما كان سبب التنجس هو الدم المحتقن في الحيوان بموته، وكان ذلك مفقودًا فيما لا دم له سائل، انتفى الحُكم بالتّنجّس لانتفاء علّته”.

والقول بأنّه لا فرْق بيْن جناحَي الذّباب، بأن يَحمل أحدهما سُمًّا والآخر شفاء، قول يناهض الحديث، بل ويخالف الواقع مِن اجتماع كثير من المتضادات في الجسم الواحد، كما هو مُشاهَد معروف.

3. القول بأنّ العلم يُثبت بطلانه، لأنه يقطع بمضارّ الذباب:

قول مَن جهل معنى الحديث، وعجز عن فهمه:

والحديث -كما أسلفت- لم يَنْفِ ضرر الذباب، بل نص على ذلك صراحة. وهل علماء الطب وغيرهم أحاطوا بكلّ شيءٍ علْمًا، حتى يصبح قولهم هو الفصل الذي لا يجوز مخالفته؟! بل هم معترفون كلّ الاعتراف بأنهم عاجزون عن الإحاطة بكثير من الأمور.

وهناك نظريات كانت تؤخذ على وجْه التسليم تَبيَّن فسادُها فيما بعد؛ إذ علومهم خاضعة للتّجارب والاختبارات، بينما الذي نطق به رسول صلى الله عليه وسلم وحْي مِن عند الله تعالى، العليم بخفاء ما غاب عن الخلْق جميعًا.

ولا زال علماء الطب يُطلّون على العالَم في كل يوم باكتشافات جديدة لعقاقير طبية وأدوية واقية لم تكن عُرفت من قبل. فلماذا لا يكون ما يحمله الذباب على جناحه من شفاء ممّا خفِي علْمه عن الأطباء حتى اليوم؟ إذ عدم العلم بالشيء لا يستلزم العلْم بعدَمه.

ثم هل يتوقّف إيماننا بصِدْق كلّ حديث ورد فيه أمْر طبِّيّ عن النبي صلى الله عليه وسلم حتى يكشف لنا الأطباء بتجاربهم صدْقه أو بطلانه؟! وأين إيماننا إذًا بصدق نبوّة رسول الله صلى الله عليه وسلم ووحي الله إليه؟!.

إنّ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم برهان قائم بنفسه، لا يحتاج إلى دعْم خارجٍ عنه؛ فعلى الأطباء، بل والناس جميعًا، التسليم بما جاء في هذا الحديث، والتصديق به إن كانوا مسلمين، وإن لم يكونوا كذلك، فيلزمهم التوقّف إن كانوا عقلاء. والمسلم لا يهمّه كثيرًا ثبوت الحديث مِن وجهة نظر الطب ما دام ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

كلُّ هذا يقال على فرْض أنّ الطب الحديث لم يشهد لهذا الحديث بالصّحّة.

ومع ذلك، فقد وُجد مِن الأطبّاء المعاصرين مَن أيَّد مضمون ما جاء في هذا الحديث مِن النّاحية الطّبّيّة، وهنالك كثير من البحوث والمقالات في هذا الجانب، منها المطوَّل ومنها المختصَر، أختار مِن بينها ما ذكَره أحدهم في محاضرة بجمعية الهداية الإسلامية بمصر، حيث قال: “يقع الذباب على المواد القذرة المملوءة بالجراثيم التي تنشأ منها الأمراض المختلفة، فينقل بعضها بأطرافه، ويأكل بعضًا، فيتكوّن في جسمه من ذلك مادة سامّة يسميها علماء الطب بـ”مبعد البكتيريا”، وهي تقتل كثيرًا مِن جراثيم الأمراض، ولا يمكن لتلك الجراثيم أن تبقى حية أو يكون لها تأثير في جسم الإنسان في حال وجود “مبعد البكتيريا”، وأن هناك خاصية في أحَد جناحي الذباب، هي: أنْ يحوّل البكتيريا إلى ناحيته.

وعلى هذا، فإذا سقط الذباب في شراب أو طعام وألقى الجراثيم العالقة بأطرافه في ذلك الشراب، فإنّ أقرب مبيد لتلك الجراثيم وأوّل واقٍ منها هو: “مبعد البكتيريا” الذي يحمله الذباب في جوفه قريبًا مِن أحدِ جناحيْه؛ فإذا كان هناك داء فدواؤه قريب منه، وغمْس الذباب كلّه وطرْحه كاف لقتل الجراثيم التي كانت عالقة، وكاف في إبطال عملِها”.

فالعلْم الحديث يؤيِّد ما جاء في الحديث ويعضده، فهل بقي للمتشبِّثين بذلك مِن حُجَّة يحتجون بها؟ اللهم إلا الهوى.

4. الزعْم بأن موضوعه ليس من عقائد الإسلام، ولا من عباداته… إلخ:

زعْم قصد ما وراءه من تحقير للحديث، وتهوين لأمره، وتنفير الناس عنه. وهي دعوى تُردَّد وتُكرّر كلما عجزوا عن إقامة الدليل على عدم صحة حديث ما؛ ولذلك يكثرون مِن ذِكر هذه العبارات التي لا تدل إلا على تنصّل صاحبها من اتّباع سنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم والعمل بها.

والإسلام دِين كامل، بعقائده وعباداته ومعاملاته وأخلاقه، لا يُحقر جزء من جزئياته، ولا فرع من فروعه، ولا يُستهان به. وقد أمر الله المؤمنين بالتّمسّك بكل شُعب الإيمان وشرائع الإسلام، من غير تفريط في جانب منها مع القدرة على ذلك.

قال الله تعالى: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلآئِكَةُ وَقُضِيَ الأمْرُ وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الامُورُ} [البقرة: 208].

قال ابن كثير -رحمه الله- في معنى هذه الآية:

 “يقول الله تعالى، آمرًا عباده المؤمنين المصدِّقين برسوله: أن يأخذوا بجميع عُرى الإسلام وشرائعه، والعمل بجميع أوامره، وترك جميع زواجره، ما استطاعوا من ذلك”.

والقول بأنه لم يَعملْ به أحَد مِن المسلمين، قولٌ عارٍ عن الصحة، ودعوى جريئةٌ جاء الحق بخلافها.

روى عبد الله بن المثنى، عن عمه ثمامة: أنه حدثه، قال: كنّا عند أنس، فوقع ذباب في إناء، فقال أنس بأصبعه فغمسه في ذلك الإناء ثلاثًا، ثم قال: بسم الله. وقال: ((إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمَرَهم أنْ يفعلوا ذلك)).

وروى أحمد، من طريق سعيد بن خالد قال: “دخلت على أبي سلمة، فأتانا بزبد وكتلة، فأُسقط ذباب في الطعام، فجعل أبو سلمة يَمقُله بأصبعه فيه، فقلت: يا خال! ما تصنع؟ فقال: إنّ أبا سعيد الخدري حدثني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنَ أحدَ جناحَي الذباب سُمّ والآخر شفاء، فإذا وقع في الطعام، فأمْقلوه؛ فإنه يُقدِّم السّم ويؤخِّر الشِّفاء)).

فأنس صحابيّ، وأبو سلمة تابعيّ، وقد عملا بمضمون هذا الحديث، فكيف يزعم بأنّ أحدًا من المسلمين لم يعمل به؟

هذه دعوى، وغيْرها الكثير، يُطلقها أولئك القوم مِن غيْر علْم ولا تحقيق، ليُخضعوا بها السُّذَّج من الناس، ويَحدُث من جرّائها شرّ وفساد عريض.

والقول بأنه لا دخل له في التشريع، وأنه مِن أمور الدنيا، قول يحتاج إلى ما يدلّ عليه؛ فالحديث فيه أمْر من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو تكليف على العباد بفعْل ذلك، ولم يأتِ ما يخالفه، وثبت العمل به، فما الذي يحظر دخوله تحت أمور التشريع.

والزعم بأن الأمور الدّنيويّة من الآراء المحضة، وجعْل ذلك قاعدة عامة، لا يصحّ؛ لأن أمور الدنيا منها ما هو خاضع لأحكام الشرع، فهي داخلة تحت الأمر بطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم والنهي عن مخالفته؛ وأمْرُه صلى الله عليه وسلم قد يكون واجبًا، وقد يكون مستحبًّا.

وقياس حديث الذباب بحديث تأبير النخل غير صحيح، وبيان ذلك:

روى مسلم، من حديث طلحة بن عبيد الله، قال: ((مررتُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوم على رءوس النّخل. فقال: ما يصنع هؤلاء؟ فقالوا: يلقِّحونه. يجعلون الذكر في الأنثى فيتلقّح. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أظنّ يُغني ذلك شيئًا. قال: فأُخبِروا بذلك فتركوه. فأُخبِر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال: إن كان ينفعهم ذلك فلْيصْنعوه! فإنّي إنما ظننت ظنًّا. فلا تؤاخذوني بالظّنّ. ولكن إذا حدّثتكم عن الله شيئًا، فخذوا به، فإنّي لن أكذب على الله عز وجل)).

وفي حديث رافع بن خديج، قال صلى الله عليه وسلم: ((إنّما أنا بشر، إذا أمَرْتُكم بشيء مِن دِينكم فخذوا به، وإذا أمرْتُكم بشيء مِن رأيٍ؛ فإنما أنا بشر))، قال عكرمة: “أو نحو ذلك”.

وفي حديث عائشة وأنس قال صلى الله عليه وسلم: ((أنتُم أعلَم بأمْر دُنياكم)).

قال النووي -رحمه الله-:

 “قال العلماء: قوله صلى الله عليه وسلم: ((مِن رأيٍ)): أي: في أمْر الدنيا ومعايشها، لا على التشريع؛ فأَمّا ما قاله باجتهاده صلى الله عليه وسلم ورآه شرعًا، يجب العمل به. وليس أبار النخل من هذا النوع، بل من النوع المذكور قبْله، مع أنّ لفظة: “الرأي” إنما أتى بها عكرمة على المعنى، لقوله في آخر الحديث: قال عكرمة: “أو نحو هذا”، فلم يُخبر بلفظ النبي صلى الله عليه وسلم محقّقًا. قال العلماء: ولم يكن هذا القول خبَرًا، وإنما كان ظنًّا، كما بيّنه في هذه الروايات. قالوا: ورأيه صلى الله عليه وسلم في أمور المعايش وظنّه كغيره؛ فلا يمتنع وقوع مثل هذا، ولا نقص في ذلك، وسببه تعلق هِمَمِهم بالآخرة ومعارفها”.

فما وقع في حديث التأبير كان ظنًّا منه صلى الله عليه وسلم وهو صادق في ظنّه، وخطأ الظن ليس كذبًا، ويؤيد ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: ((فإنِّي لن أكذِب على الله))؛ وفي ذلك دليل على امتناع أنْ يكذب على الله خطأ؛ لأن السياق في احتمال الخطأ.

وقد رجع عن ظنه الذي ظنه في حديث تأبير النخل، وذلك في قوله: ((إنْ كان يَنْفعُهم ذلك، فلْيصْنعوه!)).

وهذا بخلاف ما جاء في حديث الذباب؛ فإنه أخبر بأنّ في أحَد جناحيه داء والآخر شفاء، وهذا لا يكون إلا بوحْي من الله تعالى، وهو أمْر لا يحتمل خلاف ما أخبر به. ثم أمَر بغمْس الذباب؛ وهذا حكم بُني على العلّة السابقة، ثم لم يأتِ ما ينقض هذا الأمر ولا ذاك الخبر؛ فوجب التسليم والإذعان، وعدم الرد والإنكار.

5. القول بأنّ تصحيحه: مِن المطاعن التي تُنفِّر عن الإسلام… إلى آخر ما ذكروا:

قول ساقط يحمل بيْن طيّاته استدراكًا على النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان أحرص الناس على دين الله عز وجل وأنصحَ الخلْق إلى الخلْق، وأكثرَ العباد خشية وتقوى صلى الله عليه وسلم. وهو الذي حمى جناب الإسلام، وسدّ كلّ منافذ الطّعن والقدح فيه. وهو أعلم الناس بذلك، وأحرص على هدايتهم وإبلاغهم دين الله عز وجل.

وليس في شريعة الله تعالى ما يُنفِّر؛ إذ هي شريعة تَقْبلها القلوب السليمة، وتقتنع بها العقول الصحيحة؛ والتنفير لا يكون فيها، وإنما يكون في الحاملين لها، القائمين بأمرها.

ففي حديث أبي موسى  قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث أحدًا من أصحابه في بعض أمْره قال: ((بَشِّروا ولا تُنفِّروا، ويَسِّرُوا ولا تُعسِّرُوا)).

ولذلك كان يغضب صلى الله عليه وسلم غضبًا شديدًا إذا فعل أحدُ أصحابه ما يُنفِّر.

مِن ذلك:

ما جاء في حديث أبي مسعود الأنصاري، قال: ((جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني لأتأخّر عن صلاة الصبح مِن أجْل فلان ممّا يُطيل بنا. فما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم غضب في موعظة قطّ أشدّ ممّا غضب يومئذ. فقال: يا أيها الناس إنّ منكم منفِّرين! فأيّكم أمَّ الناس فليوجِز! فإنّ مِن ورائه الكبير والضعيف وذا الحاجة)).

6. القول بأنّ البحث فيه عقيم… إلخ:

قولُ مَن جهِل مقام النصوص، وضعُف احترامه لها إن لم يكن قد عُدم تمامًا.

إنّ ما بذله بعض الأطباء الأفاضل مِن جهود حول تأييد هذا الحديث مِن الناحية الطبية، يجب أنْ يُشكروا عليه ولا يُذمّوا بما قدّموا؛ إذ كانوا يهدفون من وراء ذلك دفْعَ الشُّبَه التي أُلصِقت بهذا الحديث، وبيانَ أنّ العلْم الحديث لا ينافيه.

والحقيقة: إن هذه البحوث وإن كانت تزيد الإنسان إيمانًا بصدْق الحديث، إلاّ أن الإيمان لا يتوقّف عليها؛ إذ الحديث حجة قائمة بنفسه.

ويكفي في فضل هذه البحوث أنّها نقضت ما زعَمه أبو رية مِن وجوب ترْك البحث في هذا الحديث إلى ما وصل إليه العلْم بأبحاثه الدقيقة وتجاربه الصحيحة التي لا يمكن نقضها ولا يردّ حُكمها.

والذي يعجب منه الإنسان: أن نظريات الغرْب المتناقضة المختلفة التي لا تستقر على حال، تصبح عند هؤلاء أحكامًا مسلَّمة لا تُنقض ولا تُردّ. وحديث النبي صلى الله عليه وسلم الصادق، الذي لا ينطق عن الهوى، يُطعن فيه ويُردّ بغير حُجّة ولا دليل.

يقول الشيخ أحمد محمد شاكر: “والحقّ: أنه لم يُعجبْهم هذا الحديث، لِمَا وقَر في نفوسهم من أنه يُنافي المكتشَفات الحديثة، مِن الميكروبات ونحوها، وعصمَهم إيمانهم عن أن يَجرُءوا على المقام الأسمى، فاستضعفوا أبا هريرة.

والحق أيضًا: أنهم آمنوا بهذه المكتشَفات الحديثة أكثر مِن إيمانهم بالغيْب، ولكنهم لا يصرِّحون! ثم اختطّوا لأنفسهم خطّة عجيبة: أنْ يُقدِّموها على كل شيء، وأنْ يُؤوِّلوا القرآن بما يُخرجه عن معنى الكلام العربيّ، إذا ما خالف ما يسمّونه: “الحقائق العلمية”، وأن يَردُّوا مِن السّنّة الصحيحة ما يظنّون أنه يخالف حقائقهم هذه، افتراء على الله، وحُبًّا في التجديد”.

error: النص محمي !!