Top
Image Alt

الطلاق في مدة الإيلاء

  /  الطلاق في مدة الإيلاء

الطلاق في مدة الإيلاء

إن طلق المولي فقد سقط حكم الإيلاء، وبقيت اليمين، فإن عاد فتزوجها عاد عند الجمهور غير الحنفية حكم الإيلاء من حين تزوجها، واستؤنفت المدة حينئذ -أي: تحذف مدة الإيلاء من وقت الرجعة- فإن كان الباقي من مدة يمينه أربعة أشهر فما دون عمل بها، وإن كان أكثر من أربعة أشهر تربص أربعة أشهر، ثم يقال له عند انقضائها: إما أن يفيء، أو يطلق، فإن لم يطلق طلق الحاكم عليه تطليقة، وتكون رجعية.

وقد بينا أن الإيلاء يعود -عند الحنفية- إن كان الطلاق أقل من ثلاث، فإن استوفى عدد الطلاق لم يعد الإيلاء، ولا يطلق الحاكم عليه سوى تطليقة عند المالكية، والشافعية؛ لأن إيفاء الحق يحصل بها فلا يملك زيادة عليها، كما لا يملك الزيادة على وفاء الدين في حق الممتنع عن إيفائه، وأجاز الحنابلة للقاضي أن يطلق على الزوج ثلاثًا؛ لأن المولي إذا امتنع من الفيئة، والطلاق معًا قام القاضي مقامه؛ فإنه يملك من الطلاق ما يملكه المولي، ويكون الأمر والخبرة إليه؛ إن شاء طلق واحدة، وإن شاء اثنتين، وإن شاء ثلاثًا، وإن شاء فسخ؛ لأن القاضي قام مقام المولي، فملك من الطلاق ما يملكه المولي، كما لو وكله في الطلاق، وليس ذلك زيادة على حقها؛ فإن حقها الفرقة غير أنها تتنوع.

والراجح: الرأي الأول؛ لأن الحاجة كالضرورة تقدر بقدرها، وتتحقق حاجة المرأة بالطلقة الواحدة.

العدة بعد الإيلاء:

اتفقت المذاهب الفقهية الأربعة، على أن الزوجة المولى منها تلزمها العدة بعد الفرقة؛ لأنها مطلقة، فوجب أن تعتد كسائر المطلقات.

وقال جابر بن زيد -وهو مروي عن ابن عباس: لا تلزمها عدة إذا كانت قد حاضت في مدة الأربعة أشهر ثلاث حيضات؛ لأن العدة إنما وضعت لبراءة الرحم، وهذه قد حصلت لها البراءة.

وسبب الخِلاف: أن العدة اشتملت على مصلحة، وجانب تعبدي، فمن لحظ المصلحة لم ير عليها عدة، ومن لحظ جانب التعبد أوجب عليها العدة -وهو الصحيح.

خلاصة الخلاف بين الحنفية، والجمهور في حكم الإيلاء:

اختلف الجمهور مع الحنفية في أمرين:

الأمر الأول: أن الفيء عند الجمهور، يكون قبل مضي المدة، وبعدها، وعند الحنفية، يكون قبل مضي المدة، لا بعدها، ويترتب على هذا؛ إن حصل الفيء قبل مضي المدة زال الإيلاء، ولزم الحانث كفارة اليمين بالاتفاق، وإن لم يحصل الفيء بعد مضي المدة رفعت الزوجة الأمر للقاضي، ويخير القاضي الزوج بين أمرين؛ الفيء، أو الطلاق، فإن فعل، وإلا طلق عليه القاضي، ويكون طلاقًا رجعيًّا لا بائنًا عند الجمهور، أما عند الحنفية، فإن الطلاق يكون بائنًا.

الأمر الثاني: أن الطلاق عند الجمهور لا يقع بمجرد مضي المدة؛ وإنما يقع بتطليق الزوج، أو القاضي إذا رفعت الزوجة الأمر إليه، ويرى الحنفية، أنه بمجرد مضي الأربعة أشهر تطلق الزوجة طلقة بائنة.

وسبب الخلاف بين الجمهور، والحنفية على النحو الذي أوضحناه؛ هو تفسير المقصود من قول الحق –سبحانه: {فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 226، 227]؛ فالمعنى عند الحنفية: فإن فاءوا في هذه الأشهر فإن الله غفور رحيم؛ لما أقدموا عليه من الحلف على الإضرار بالزوجة، وإن لم يفيئوا في هذه الأشهر، واستمروا في أيمانهم كان ذلك عزمًا منهم على الطلاق، ويقع الطلاق بحكم الشرع؛ فتكون النتيجة: إذا مضت الأربعة أشهر دون فيئة وقع الطلاق، ولم يتوقف على قضاء القاضي.

والمعنى عند الجمهور: للذين يحلفون يمين الإيلاء انتظار أربعة أشهر، فإن فاءوا بعد مضي المدة فإن الله غفور رحيم؛ لما حدث منهم من اليمين، وعزم الظلم للمرأة، وإن عزموا الطلاق بعد انقضاء المدة فإن الله سميع لطلاقهم، عليم بما يصدر عنهم من خير أو شر؛ فيجازيهم عليه، والنتيجة: أن مضي المدة لا يقع به الطلاق عند الجمهور غير الحنفية؛ وإنما يعرض الأمر على الحاكم، فيخيره بين الفيء، وبين الطلاق فإن امتنع عنهما طلق عليه الحاكم طلقة واحدة رجعية.

فالحنفية إذن، نظروا لقوله تعالى: {وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ}، بترك الفيء، والجمهور نظروا لقوله تعالى: {فَإِنْ فَاءُوا}، بعد انقضاء المدة.

والراجح: رأي الجمهور؛ إذ لو وقع الطلاق بانقضاء المدة، لما كان هناك حاجة إلى العزم عليه بعد وقوعه؛ ولأن في إعطاء المهلة للرجل لمراجعة زوجته، وإدراك خطئه؛ خيرًا من إيقاع الطلاق وإنهاء الزواج.

هذا؛ والله أعلم.

ونسأل الله عز وجل أن يوفقنا جميعًا إلى ما فيه طاعته ورضاه، فإن أصبنا المقصود فمن توفيق الله سبحانه وتعالى  وإن كان هناك نقص أو زلل  فمن نفسي، ومن الشيطان، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب، وأسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يكلل أعمالنا وأقوالنا بالقبول، وأن يجعلها خالصة لوجهه الكريم، وأن يثبتنا على دينه حتى نلقاه وهو عنا راض، إنه ولي ذلك، والقادر عليه، وصل اللهم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

error: النص محمي !!