Top
Image Alt

الطَّعن في أعظم مصادر السنة: “الصحيحيْن”

  /  الطَّعن في أعظم مصادر السنة: “الصحيحيْن”

الطَّعن في أعظم مصادر السنة: “الصحيحيْن”

من الأشياء التي طعن فيها الطّاعنون في السُّنّة المُشرّفة: مصادرها التي جمعتْها؛ لا سيَما (الصحيحيْن) منها، وذلك لأنهم يعلمون أنّ أصحّ كتب الحديث على الإطلاق: (الصحيحان: البخاري، ومسلم)؛ فإذا طُعن فيهما -وهما أصح الكتب، وليس فيهما إلا الصّحيح- كان الطعن فيما سواهما سهلًا ميسورًا، بل لا يُحتاج إلى ذلك في غيْرهما.

وقد ظهر هذا التَّيّار بصُوَر مختلِفة وبأشكال عدّة: فمنهم مَن طعن في أحاديث (الصحيحيْن)، وصرّحوا بعدم ثقتهم بالبخاري ومسلم -رحمهما الله- فضلًا عن أن يثقوا بكتابيْهما؛ لذا كان عليهم أن يـتثبّتوا مِن صحة الحديث وعدَمه بأنفسهم، سواء كان الحديث فيهما أو في أحدِهما، وذلك طبقًا لقواعدَ وضعوها في تصوّراتهم وأذهانهم.

وبناء على هذا؛ حكمُوا بالضّعف أو الوضع على أحاديث كثيرة ممّا اتّفق على صحّتها عامّة أهل العلْم، حتى قال بعضهم: وهل يوجد في الدنيا رجل يُحترَم قولُه يقول: إنّ كلّ ما في البخاري ومسلم صحيح؟! كما كتبوا مقالات في مجلات وصُحف مأجورة، وبعناوين برّاقة: “ليس كلّ ما في (الصحيحيْن) صحيحًا”، و”لا يثبت في (الصحيحيْن) إلا الصحيح!”، و”تنقية السّنّة من الأحاديث الصحيحة!!”، وغير ذلك من الدعاوى المُغرضة.

ومن العجيب: أنّ هؤلاء الكُتَّاب ليسوا من أهل العلْم، بل ليسوا من أهل الدِّين: فبعضهم كان شيوعيًّا مُلحدًا! ثم أصبح بيْن عشيّة وضحاها من مشايخ الإسلام، وصار يكتب عن الإسلام هدْمًا وتخريبًا باسم الإسلام، والحميّة على الإسلام!.

ومِن صُوَر الطعن في (الصحيحين): التشكيك في صحّتهما، وأنّ اليهود والنصارى والمستشرقين قد أضافوا إليهما ما ليس فيهما، عندما طُبع الكتابان في المطابع الحديثة.

وهذا التشكيك واضح البطلان، إذ مكتبات الإسلام شرقًا وغربًا تحْوي آلاف النُّسخ المخطوطة مِن الكتابيْن وغيْرهما مِن كُتب السّنة المشرّفة.

ومِن صُور الطّعن في (الصحيحيْن): تلك الكتب الضّخمة التي طُبعت على حساب الكنيسة، والتي يزعم أصحابها أنّ كثيرًا من الأحاديث الموجودة في البخاري ومسلم إنما هي من وضْع اليهود لقَّنوها الصحابة الكرام، ونقَلها الصحابة  إلى غيْرهم، فوضَعها أهل الحديث في كتُبهم!.

وممَّن خاض في الإفك أيضًا: محمد رشيد رضا؛ فإنه قال -دفاعًا عن محمد توفيق صدقي، الذي طعن في حديث الذّباب الذي رواه البخاري في صحيحه-: “إنني أعلم بالاختيار أيضًا: أنّ ذلك المسلم الغيور لم يطعن في صحّة هذا الحديث كتابة، إلاّ لعِلْمه بأنّ تصحيحه: من المطاعن التي تُنفِّر الناس عن الإسلام، وتكون سببًا لردّة بعض ضعفاء الإيمان وقليلي العلْم الذين لا يجدون مَخرجًا من مثل هذا المطعن إلاّ بأنّ فيه علّة في المتن تمنع صحّته، وكان هو يعتقد هذا. وما كلّف الله مسلمًا أن يقرأ (صحيح البخاري)، ويؤمن بكلّ ما فيه وإن لم يصحّ عنده، أو اعتقد أنه يُنافي أصول الإسلام!”.

وأقبح منه: قول بعضهم عن حديث الذباب هذا: “إنني آخذ بقول الطبيب الكافر في هذا الأمْر، ولا آخذ بقول النبي!!”. {مّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلاَ لاَبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاّ كَذِباً} [الكهف: 5]، ولا حول ولا قوة إلا بالله!. إلى غير ذلك مِن الدعاوى الخبيثة، والأساليب والطُّرق الفجّة الماكرة، التي نادى بها هؤلاء، والتي تتضمّن الطّعن في مصادر السّنة ودواوين الإسلام…

قال الدكتور خليل إبراهيم خاطر في كتابه: “مكانة (الصحيحيْن)” مع بعض التّصرّف فيما كتب: “لقد تعرّض (للصحيحيْن) صنفان من الناس:

بعضُ الحفّاظ من أهل العلْم المتقدِّمين ممّن تأخّروا عن البخاري ومسلم -رحمها الله تعالى- فاستدركوا عليهما بعض الأحاديث، أخَلاّ -بنظرهم- بشرطهما فيه. وقد ردّ عليهم بعض الحفّاظ ممّن جاءوا بعْدَهم أيضًا: أنّ الطعون التي اعتمدوا عليها قد بنَوْها على قواعد لبعض المحدِّثين، وهي ضعيفة،  مخالفة لما اتفق عليه الجمهور من أهل الحديث والفقه والأصول؛ فهي لا تضرّ بصحة هذه الأحاديث، وإن كان أكثر الطعن موجهًا نحو الرواة لا إلى المتون، أو تكون تلك القواعد التي اعتمدوا عليها، مختلَفًا فيها، ورأي الجمهور بخلافها أيضًا.

وأما الصنف الثاني مِن الناس، فهم: بعض المُحدَثين المعاصِرين، وهؤلاء منهم من أهل العلْم، لكن هواه الطعن ليُعرف. ومنهم المحسوب على أهل العلْم يتبع أسياده مِن الغرب الذين درس عندهم وتخرّج على موائدهم. ومنهم الجاهل الذي يُلقَّن من غيره، ويُنشر باسمه، ويُشك أن تكون تلك الكتابات له أيضًا. ومنهم مَن كان مُنحرفًا ملحدًا، ثم صار في عشيّة وضحاها من شيوخ الإسلام الدّاعين إلى التجديد في كل علْم من علومه، ممّن ينتمي إلى “اللّوبي التجديدي” وهي: حركة “ثورية فلسفية صوفيّة”.

ويجمع هؤلاء جميعًا -والعلْم عند الله- هدفٌ واحد، وغاية واحدة، شعروا بذلك أمْ لا. ونفّذوا مخططات غيرهم عن علْم أو جهْل، ورمَوْا بقوس واحدة أصابوا أمْ أخطئوا، ذلك هو: هدْم السُّنّة، والطعن فيها، وتشويهها، ومن ثَم القضاء على المصدر الثاني للتشريع الإسلامي، وإنْ حلف بعضهم أنّ هذا ليس قصدًا له، وإنّما قصْده: فتْح باب الاجتهاد، والتجديد في الفكْر، وإحياء المناظرات واستمرار الحوار.

حتى قال بعضهم: “هذه نماذج قليلة أُقدِّمها للقراء، وليس في نِيَّتي مُطلقًا أنْ أُشكِّك أحدًا في عقيدته، أو في المصدر الذي يستقي منه شريعته. ويشهد الله أنّ دافعي الأوّل لكتابة هذه السطور هو: إذكاء روح الاجتهاد الذي خمد في المسلمين، وأقعدهم عن البحث والنظر والاستقصاء كما كان يفعل السلف الصالح. أمّا إذا أراد المُرجفون والحاقدون والمحنطون أنْ يُجهزوا طبول الحرب ضدّ هذه اليوميات، فأنا على استعداد لإغراقهم في بحر متلاطم من الأدلّة والبراهين”. اهـ.

هذا ما قاله أحدهم، علمًا أنه قد أتى بالكذِب الصُّراح، والافتراء المَقيت.

كما ادّعى صاحب المقال: أنّ في (الصحيحيْن) أحاديث موضوعة وضعيفة، حيث يقول: “ولكي لا يكون كلامي هذا ثرثرة بلا صدى، وادعاءً بلا بيِّنة، فإنّني سأسوق هنا نماذج قليلة من الأحاديث الضعيفة والموضوعة التي اتّفق عليها البخاري ومسلم…”. ثم يحلف أنه لا يريد التّشكيك، كما يقرِّر في آخر بحْثه تكْفير مَن يطعن في السّنّة وخروجه من الملّة، وأنه يستوجب القتْل كُفرًا. ثم يُهدِّد الذين سماهم: “المرجفون والحاقدون والمحنطون”، وهم الذين ردُّوا على مقالاته السابقة التي طعن بها في السّنّة، مِن العلماء وأساتذة الجامعة الإسلامية في بلده، يهددهم جميعًا بالإغراق في البحْر المتلاطم، علْمًا بأنه افترى وُجود أحاديث في (الصحيحيْن)، ثم زعم أنها ضعيفة أو موضوعة، وهي ليست في (الصحيحيْن)، بل ليست في الكتب السِّتّة، بل لمْ يوجَد لبعضها رواية في كتب الحديث المعتمَدة، وإنما ألصقها (بالصحيحيْن)، ثم زعم -افتراء وكذبًا- ما زعَم.

فلا أدري هل هذا ثرثرة، أم هو كلام أهل العلْم والفضل الذين يريدون إذكاء روح الاجتهاد؟! ولكن لا يُستغرب هذا مِن مِثْله، إذا قلت إن هذا الكاتب كان مُلحِدًا ثم صار في عشيّة وضحاها مِن الذين يَحملون لواء التّجديد في الإٍسلام “فقهًا وأصولًا، وقرآنًا وتفسيرًا، وحديثًا وفكرًا…”. ولولا خطورة ما سطَّره هذا المُدَّعي، لَما ذكرتُ هذا هنا، ولكنه متمادٍ في غيِّه ويُدعِّمه أناس آخرون. والمشتكَى إلى الله!.

error: النص محمي !!