Top
Image Alt

الظاهر، والمؤوَّل

  /  الظاهر، والمؤوَّل

الظاهر، والمؤوَّل

1. تعريف واضح الدلالة من النصوص: الواضح الدلالة من النصوص: هو ما دل على المراد بنفس صيغته، من غير توقّف على أمر خارجي، فإن كان يحتمل التأويل، والمراد منه ليس هو المقصود أصالةً من سياقه، سمي الظاهر، وإن كان يحتمل التأويل والمراد منه هو المقصود أصالةً من سياقه، سُمي النص. وإن كان لا يحتمل التأويل ويقبل حكمه النسخَ، سمي المفسّر، وإن كان لا يحتمل التأويل، ولا يقبل حكمه النسخَ، سمي المحكم. والحقيقة: أن كل نصّ واضح الدلالة، يجب العمل بما هو واضح الدلالة عليه، ولا يصح تأويل ما يحتمل التأويل منه إلا بدليل. 2. أنواع واضح الدلالة من النصوص: قسّم علماء الأصول، الدلالة إلى أربعة أقسام: الظاهر، والنص، والمفسَّر، والمحْكَم، وهي في وضوح دلالتها على هذا الترتيب؛ فالمحكم أوضحها دلالة، ويليه المفسّر، ثم النص، ثم الظاهر، وتظهر ثمرة هذا التفاوت عند التعارض؛ فيقدّم المحكم على المفسر، ويقدم المفسر على النص، والنص على الظاهر. أولًا: الظاهر: أ. تعريفه: الظاهر في اصطلاح الأصوليين: هو ما دلّ على المراد بنفس صيغته، من غير توقّف فهم المراد منه على أمرٍ خارجيّ، ولم يكن المراد منه هو المقصود أصالةً من السياق، ويحتمل التأويل، وذلك كقوله تعالى: {وَأَحَلّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرّمَ الرّبَا}، فهذا النّصّ ظاهرٌ في إحلال كلّ بيع، وتحريم كل ربا؛ بأن هذا معنًى يتبادر فهمه من لفظي: {وَأَحَلّ}، {وَحَرّمَ}، من غير حاجة إلى قرينة، وهو غير مقصود أصالةً من سياق الآية؛ لأن الآية مسوقة أصالة لنفي المماثلة بين البيع، والربا؛ ردًّا على الذين قالوا: {إِنّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرّبَا}، لا لبيان حكميهما. وقوله تعالى: {وَمَآ آتَاكُمُ الرّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُواْ} [الحشر: 7]، هذا ظاهر في وجوب طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم في كلّ ما أمر به، وكل ما نهى عنه؛ لأنه يتبادر فهمه من الآية، وليس هو المقصود أصالةً من سياقه؛ لأن المقصود أصالةً من سياقه، هو ما آتاكم الرسول من الفيء حين قسمته فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا. وأيضًا كقوله صلى الله عليه وسلم في البحر: ((هو الطّهُور ماؤه الحِلّ مَيتته))، هذا ظاهرٌ في حُكم ميتة البحر؛ لأنه ليس المقصود أصالةً من السياق؛ إذ السؤال خاصّ بماء البحر. ب. حُكم الظّاهر:  أنه يجب العمل بما ظهر منه، ما لم يقم دليل يقتضي العمل بغير ظاهره؛ إذ الأصل عدم الصرف.  وأنه يَحتمل التأويل، أي: صرفه عن ظاهره، وإرادة معنى آخر منه، فإن كان الظاهر عامًّا يحتمل أن يخصّص، وإن كان مطلقًا يحتمل أن يقيّد، وإن كان حقيقةً يحتمل أن يُراد منه معنًى مجازيّ… وغير ذلك من وجوه التأويل.  وأنه يقبل النسخ، أي: أن حكمه الظاهر منه، يصحّ في عهد الرسالة، وفي زمن التشريع أن ينسخ، متى كان من الأحكام الفرعية الجزئية، التي تتغيّر بتغيّر المصالح، وتقبل النسخ. ثانيًا: النص: أ. تعريفه: هو في اصطلاح الأصوليين: ما دلّ بنفس صيغته على المعنى المقصود أصالةً من سياقه، ويَحتمل التأويل، ومن أمثلة ذلك: قوله تعالى: {وَأَحَلّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرّمَ الرّبَا}، هذا نصّ في نفي المماثلة بين البيع والربا؛ لأنه معنى متبادر فهمه من اللفظ، ومقصود أصالةً من سياقه. وقوله تعالى: {فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ النّسَآءِ مَثْنَىَ وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ}، هذا نصّ على قصر أقصى عدد الزوجات على أربع؛ لأنه معنًى متبادر فهمه من اللفظ، ومقصود أصالةً من سياقه. ب. حكم النص: حكمه حكم الظاهر، فيجب العمل بما هو نصّ عليه، ويحتمل أن يؤول، أي: يراد منه غير ما هو نصّ عليه، وحكمه أيضًا أنه يقبل النسخ على ما بيّنا في الظاهر؛ ولهذا أخذ من قوله تعالى: {فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ}، إباحةُ الزواج، وقصرُ العدد على أربع، أو واحدة، فكل من الظاهر، والنصّ واضح الدلالة على معناه. ما المراد من التأويل؟ التأويل في اللغة: بيان ما يئول إليه الأمر، قال تعالى: {ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} [النساء: 59]، ومنه: المآل. وفي الاصطلاح: هو صرف اللفظ عن ظاهره بدليل. من أمثلة التأويل الصّحيح: تخصيص عموم البيع، في قوله تعالى: {وَأَحَلّ اللّهُ الْبَيْعَ}، بالأحاديث التي نهت بيع الغرر، وعن بيع ما ليس عنده، وعن بيع الثمر قبل بدو صلاحه، هذا من تأويل الظاهر؛ لأن الآية نصّ ظاهر في إحلال كل بيع. ومنها: تخصيص عموم المطلقات، في قوله: {وَأُوْلاَتُ الأحْمَالِ أَجَلُهُنّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنّ}، وتقييد الدّم المطْلَق، في قوله: {حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدّمُ}، بما جاء في قوله: {أَوْ دَماً مّسْفُوحاً} [الأنعام: 145]. وكذلك تأويل الشاة، في قوله صلى الله عليه وسلم: ((في كل أربعين شاة شاة)). ظاهر الحديث، أنه لا يجزئ في زكاة الأربعين شاةً، إلا واحدة منها، ولا تجزئ قيمتُها. وهذا الظاهر تقتضي حكمة التشريع، والأصول العامة تأويلَه، وصرفَه عن ظاهره، وإرادة معنًى آخر يتّفق معهما؛ لأن الغرض من إيجاب الشاة زكاة للأربعين؛ دفع حاجة الفقراء، وقد تكون دفع حاجة الفقير بقيمة الشاة أكثر توافرًا؛ فيراد بالشاة شاة، أو ما يعادلها من كل مال متقوّم. ومن التأويل الذي هو موضع نظر، تأويل قوله تعالى: {فَكَفّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ} [المائدة: 89]، بإرادة عشرة مساكين، أو مسكينًا واحدًا عشر مرات. وقوله تعالى: {فَإِطْعَامُ سِتّينَ مِسْكِيناً} [المجادلة: 4]، بإرادة ستّين مسكينًا، أو مسكينًا واحدًا ستّين مرة، فالحقيقة: أن إغلاق باب التأويل كله، والأخذ بالظاهر دائمًا -كما هو مذهب الظاهرية- قد يؤدي إلى البعد عن روح التشريع، والخروج عن أصوله العامة، وإظهار نصوص متخالفة، وفتح باب التأويل على مصراعيه، دون حذر واحتياط، قد يؤدّي إلى الزلل، والعبث بالنصوص، ومتابعة الأهواء؛ فالحق هو في احتمال التأويل الصحيح، وهو ما دل عليه دليل من نص، أو قياس، أو نصوص عامة، ولا يأباه اللفظ؛ بل يحتمل الدلالة عليه بطريق الحقيقة، أو المجاز، ولم يعارض نصًّا صريحًا. ثالثًا: المفسّر: أ. تعريفه في اصطلاح الأصوليين: ما دلّ بنفسه على معناه المفصّل تفصيلًا لا يحتمل التأويل، ومن ذلك: أن تكون الصيغة دالةً بنفسها دلالةً واضحةً على معنًى مفصّل، وفيها ما ينفي احتمال إرادة غير معناها، كقوله تعالى في قاذفي المحصنات: {فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} [النور: 4]، فإن العدد المعين لا يحتمل زيادةً ولا نقصًا. ومن ذلك: أن تكون الصيغة قد وردت مجملةً غيرَ مفصّلة، وألحقت من الشارع ببيانٍ تفسيريٍّ قطعيٍّ أزال إجمالها، وفصلّها حتى صارت مفسرةً لا تحتمل التأول، كقوله تعالى: {وَأَقِيمُواْ الصّـلاَةَ وَآتُواْ الزّكَـاةَ} [النور: 56]. وكقوله: {وَللّهِ عَلَى النّاسِ حِجّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} [آل عمران: 97]، وقوله: {وَأَحَلّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرّمَ الرّبَا}؛ فالصّلاة، والزّكاة، والحجّ، والرّبا كلها ألفاظ مجملة، لها معانٍ شرعية لم تفصّل بنفس صيغة الآية، وقد فصّل الرسول صلى الله عليه وسلم معانيها بأفعاله وأقواله، فصلى، وقال: ((صلّوا كما رأيتموني أصلي))، وحج، وقال: ((خذوا عن مناسككم))، وحصّل الزكاة، وفصّل الربا، وهكذا كل مجمل في القرآن، فصّلته السنة تفصيلًا وافيًا يصير من المفصّل، ويكون هذا التفصيل جزءًا من المفصّل مكمّلًا له ما دام قطعيًّا، وهذا ما يسمى في اصطلاح الحديث بـ “التفسير التشريعي”. ب. حكم المفسِّر: أنه يجب العمل به كما فُصِّل، ولا يحتمل أن يُصْرَف عن ظاهره، ويقبل حكمه النسخ إذا كان حكمًا فرعيًّا يقبل التبديل؛ فالتفسير الذي ينفي احتمالَ التأويل، هو التفسير المستفاد من نفس الصّيغة، أو المستفاد من بيانٍ تفسيريٍّ قطعيٍّ ملحقٍ بالصيغة، صادرٍ من المشرع نفسه؛ لأن هذا البيان منه، وأما تفسير الشراح والمجتهدين، فلا يعتبر جزءًا مكمّلًا له، ولا ينفي احتمال التأويل، وليس لأحد غير الشارع نفسه أن يقول فيما يحتمل التأويل: المراد منه هو كذا لا غير. ويظهر من مقارنة التفسير بالتأويل، أن كلًّا منهما تبيينًا للمراد من النصّ، لكنّ التّفسير تبيين للمراد بدليلٍ قطعيّ من الشارع نفسه؛ ولهذا لا يحتمل أن يراد غيره، أما التأويل فهو تبيينٌ للمراد بدليلٍ ظنّيٍّ، وليس قطعيًّا في تعيين المراد؛ ولهذا يَحتمل أن يُراد غيره. رابعًا: المحكَم: أ. تعريفه في اصطلاح الأصوليين: ما دلّ على معناه الذي لا يقبل إبطالًا ولا تبديلًا بنفسه، دلالةً واضحةً لا يبقى معها احتمال للتأويل؛ لأنه مفصّل ومفسّر تفسيرًا لا مجال معه للتأويل. ولا يقبل النسخَ في عهد الرّسالة، ولا بعدها؛ لأن الحكم المستفاد منه؛ إما حكم أساسيّ من قواعد الدين لا يقبل التبديل، كعبادة الله وحده، والإيمان بكتبه ورسله، أو من أمّهات الفضائل التي لا تختلف باختلاف الأحوال، كبرّ الوالدين، والعدل، أو حكم فرعيّ جزئي. لكن دلّ الشارع على تأبيد تشريعه، كما في قوله في قاذفي المحصنات: {وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً} [النور: 4]. وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((الجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة)). ب. حكمه: أنه يجب العمل به قطعًا، ولا يُحتمل صرفه عن ظاهره ولا نسخه، وقلنا: لا يقبل النسخ؛ لأنه بعد عهد الرسول، وانقطاع الوحي صارت الأحكام الشرعيّة التي جاءت في القرآن، والسنة كلها محكمةً، لا تقبل نسخًا ولا إبطالًا. إذ لا توجد بعد الرسول سلطةٌ تشريعيّةٌ تملك إبطال ما جاء به أو تبديله. 3. الترجيح بين أنواع واضح الدلالة من النصوص: هذه الأنواع الأربعة للواضح الدلالة، متفاوتةٌ في وضوح دلالتها على المراد منها، ويظهر أثر هذا التفاوت عند التعارض. أولًا: إذا تَعارض ظاهرٌ، ونصٌّ يرجّح النصّ؛ لأنه أوضح دلالةً من الظاهر، من جهة أنّ معنى النّصّ مقصودٌ أصالةً من السياق. ومعنى الظاهر غير مقصود أصالةً من السياق؛ ولهذا يرجّح الخاصّ على العامّ عند التعارض؛ بأن الخاصّ مقصود أصالةً بالحكم، فاللفظ نصّ فيه، وهو في العام غير مقصود أصالةً. ومثاله: قوله تعالى -بعد عد المحرمات من النساء-: {وَأُحِلّ لَكُمْ مّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: 24]، مع قوله تعالى: {فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ النّسَآءِ مَثْنَىَ وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ}؛ فالآية الأولى في إحلال زواج زوجة خامسة؛ لأنها مما {وَرَاءَ ذَلِكُمْ}. والآية الثانية نصّ في قصر إباحة الزّواج على أربع، فلما تعارضا، رُجّح النّصّ بقوّته في وضوح دلالته، وحرُم زواج ما زاد على أربع. ثانيًا: إذا تعارض نصّ، ومفسّر يرجّح المفسّر؛ لأنه أوضح دلالةً من النّصّ، من جهة أن تفسيره جعل المراد منه متعيّنًا، ومثاله: قوله صلى الله عليه وسلم: ((المستحاضة تتوضّأ لكلّ صلاة))، مع قوله: ((المستحاضة تتوضأ وقت كل صلاة))؛ فالأوّل نصّ في إيجاب الوضوء لكلّ صلاة؛ بأنه يُفهم من لفظه، ومقصود من سياقه، والثاني مفسَّر لا يحتمل تأويلًا؛ لأن الأول يحتمل إيجاب الوضوء لكل صلاة -ولو في وقت واحد- أو لوقت كلّ صلاة، ولو أدّى في الوقت عدّة صلوات، لكنّ الثاني قطع هذا الاحتمال فيرجّح، وصار الحكم الشرعي، هو إيجاب الوضوء للوقت، وتصلِّي فيه ما شاءت من الفرائض والنوافل.

error: النص محمي !!