Top
Image Alt

العدل أقرب للتقوى وحفظ الله للمؤمنين

  /  العدل أقرب للتقوى وحفظ الله للمؤمنين

العدل أقرب للتقوى وحفظ الله للمؤمنين

1. الإسلام دين العدل:

وما زلنا مع قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُون} [المائدة: 8]، وقد وقفنا عند هذا النداء من نداءات “سورة المائدة” فعلمنا معنى قوله: {قَوَّامِينَ لِلّهِ} ووقفنا أيضًا عند قوله: {شُهَدَاء بِالْقِسْطِ} ورأينا هذه الشهادة، وما تعنيه في هذا المقام، وبقي لنا أن نواصل الحديث، لكن قبل أن ننتقل إلى قوله: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ} لعلنا نتساءل: لماذا قال في سورة النساء: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ} [النساء: 135]، وهنا يقول: {كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ}؟

يجيب على هذا الإمام الألوسي، فيقول: ذكر بعض المحققين وجهًا لتقديم “القسط” هناك وتأخيره هنا؛ وهو أن آية النساء جيء بها في معرض الإقرار على نفسه ووالديه وأقاربه، فبدأ فيها بـ”القسط” الذي هو العدل، من غير محاباة نفس ولا والد ولا قرابة، والتي هنا –أي: التي في سورة المائدة- جيء بها في معرض ترك العداوة، فبدأ فيها بالقيام لله تعالى؛ لأنه أردع للمؤمنين، ثم ثنى بالشهادة بالعدل، فجيء في كل معرضٍ بما يناسبه.

وَيقول صاحب (المفردات): أصل الجرم: قطع الثمرة والشجر، واستعير ذلك لكل اكتساب مكروه، ولا يكاد يقال في عامة كلامهم للكَيس: المحمود، فمِن “أجرم” قوله: {إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُون} [المطففين: 29]، {فَعَلَيَّ إِجْرَامِي} [هود: 35] {كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلاً إِنَّكُم مُّجْرِمُون} [المرسلات: 46] {إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاَلٍ وَسُعُر} [القمر: 47].

وأيضًا: “أجرم، وجرم” ومن “جرم”: {لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ} الآية [هود: 89]، ومنه قوله تعالى: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ} ومعنى “جرم”: كسب أو جنى.

والفاعل في قوله: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ} هو قوله: {شَنَآنُ قَوْمٍ} وقلنا: بأن المفسرين فسروا “الشنآن” بالبغض، فقالوا: ولا يحملنكم بغض قوم على ألّا تعدلوا.

{وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} التنكير في قوله: {قَوْمٍ} يفيد العموم، {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ} أيُّ قوم من أيِّ جنس، ومن أي لون، ومن أي مكان، فنحن في تطبيقنا للعدل إنما نؤدي هذا الواجب لبني الإنسان، أينما كانوا، وعلى أي حال كانوا، ولو كانوا من ألد أعدائنا، ولعلنا نذكر ما كان من أمر عبد الله بن رواحة رضي الله عنه حين ذهب إلى يهود خيبر، يقتسم ويأخذ نصيب المسلمين منهم بعد فتح خيبر، وفق ما تم الاتفاق عليه، فأرادوا أن يقدموا له رِشوة حتى يتنازل عن شيء من حق المسلمين فأبى، فقال اليهود: بهذا قامت السماوات والأرض. وهذا هو الحق الذي لا شك فيه، أن الإسلام جاء بهذا العدل المطلق لكل بني الإنسان.

ولهذا جاء التأكيد بعد ذلك: {اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} أي: أدخل في مناسبتها؛ لأن التقوى نهاية الطاعة، وهو –أي: العدل- أنسب الطاعات بها، فالقرب بينهما على هذا مناسبة الطاعة للطاعة، ويحتمل -كما يقول الألوسي- أن تكون أقربيته للتقوى باعتبار أنه لطفٌ فيها، فهي مناسبة إفضاء السبب إلى المسبب، وهو بمنزلة الجزء الأخير من العلة.

ويقول –أي: الألوسي: وتكلف الراغب في توجيه الآية، فقال: فإن قيل: كيف ذكر سبحانه: {أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} و”أفعل” إنما يقال في شيئين اشتركا في أمر واحدٍ لأحدهما مزية، وقد علمنا أن لا شيء من التقوى، ومن فعل الخير، إلا وهو من العدالة؟ قيل: إن “أفعل” وإن كان كما ذكرت، فقد يستعمل على تقدير بناء الكلام على اعتقاد المخاطب في الشيء في نفسه؛ قطعًا لكلامه وإظهارًا لتبكيته، فيقال لمن اعتقد مثلًا في زيد فضلًا، وإن لم يكن فيه فضل، ولكنه لا يمكنه أن ينكر أن عمرًا أفضل منه: اخدم عمرًا فهو أفضل من زيد، وعلى ذلك جاء قوله تعالى: {آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُون} [النمل: 59]، وقد عُلم أنه لا خير فيما يشركون.

وبمثل هذا قال الإمام ابن كثير، فقال: قوله: {هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} من باب استعمال “أفعل” التفضيل في المحل الذي ليس في الجانب الآخر منه شيء، كما في قوله تعالى: {أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلاً} [الفرقان: 24]، وكقول بعض الصحابيات لعمر: “أنت أفظ وأغلظ من رسول الله صلى الله عليه وسلم” إلى غير ذلك مما جاء في هذا المقام؛ وهذا معناه: أن العدل من التقوى ومن أساسها، فمن لم يعدل لم يكن متقيًا لله رب العالمين.

ويؤكد هذا المعنى قوله: {وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُون} اتقوا الله في كل ما تأخذون، وما تدعون، وما تقولون، وما تفعلون، ومن جملة ذلك: تحقيق العدل الكامل لهؤلاء الذين تكرهون أفعالهم، وأقوالهم، وأعمالهم، وأحوالهم، ويصيبكم من جرّاء ذلك ضرر عظيم، ولكن هذا ليس أمرًا يدعوكم إلى ظلمهم وعدم العدل فيهم، فإن خالفتم فقد خنتم أمانتكم، ولم تتقوا الله سبحانه وتعالى.

ثم تختم الآية بهذا الترهيب وهذا التخويف، لكل من سوّلت له نفسه أن يعتدي على حقوق الآخرين، ولو كانوا مخالفين لأهل الإسلام في العقيدة، ولو كانوا قد ظلموا أهل الإسلام، فيقول: {وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُون}.

{إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُون} سوف نلمح أن هذه الجملة الاسمية المؤكدة بإن، والتي تدل على دوام علم الله سبحانه وتعالى ونظر الله عز وجل واطّلاعه على أحوال عباده، لا تخفى عليه من أمرهم خافية، وقوله: {بِمَا تَعْمَلُون} يدل على معرفة الله سبحانه وتعالى وعلمه بكل حركة وسكون يعملها العباد، من أول لحظة في حياتهم وإلى نهاية حياتهم، فهي مسألة تسير مع الإنسان عبر مراحل عمره، وعبر الزمان والمكان، وفي هذا من التخويف والترهيب ما فيه، {إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُون} مما يدعو أهل الإيمان الذين نودوا في بداية الآية بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ} أن يكونوا وقافين عند ما جاءهم من ربهم في إقامة العدل لكل الناس.

2. وعد الله للمؤمنين:

وترغيبًا وترهيبًا في تحقيق هذا العدل، وإعطائه لكل من يستحقه، يأتي هذا الوعد الكريم: {وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيم} [المائدة: 9]، ثم يأتي الترهيب بعد هذا: {وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيم} [سورة المائدة: 10].

فلنقف أولًا عند وعد الله عز وجل.

وعد الله التزام منه -جل وعلا- بأن يعطي أجرًا عظيمًا لمن أدى عملًا من الأعمال الصالحة الطيبة، وهذا الالتزام منه -جل وعلا- لا على سبيل الوجوب، وإنما من باب الكرم والفضل؛ لأن الله لا يجب عليه شيء، ولكن الكريم إذا وعد وفّى، وكم في ذلك من شرح لقلوب المؤمنين، وإدخال للسرور على قلوبهم: {قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُون}  [يونس: 58] هذا الوعد من الله، والتعبير بلفظ الجلالة يفيد تأكيد وقوع هذا الوعد لمن وعدوا به، والذين وعدوا به هم الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح.

وقد رأينا من قبل لماذا جاء في كتاب الله الجمع غالبًا بين الإيمان والعمل الصالح؟ وقلنا: بأن الإيمان دون عمل كشجرة بلا ثمر، وأن عنوان الإيمان الصحيح -الإيمان الحق- هو العمل الصالح، وإلا فلا فائدة من إيمانٍ يدعي صاحبه أنه معترف ومقر ومعتقد في الله ربًّا، وفي الإسلام دينًا، وفي محمد صلى الله عليه وسلم نبيًّا ورسولًا، وأنه يؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، ثم نراه متكاسلًا لا يعمل عملًا صالحًا على الإطلاق، من عبادات، أو طاعات، أو معاملات، أو أخلاق، أو إلى ذلك؛ فمعنى ذلك: أن هذا الإيمان عند هذا الإنسان إيمان مغشوش لا فائدة فيه، وليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، إنما الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل؛ ولذلك جاء الوعد الكريم لمن آمن وعمل صالحًا.

وكلمة: {الصَّالِحَاتِ} كلمة جامعة لكل شيء صالح من قول أو فعل، ومعنى الصالح: الذي حكم رب العزة والجلال بأنه شيء صالح في الأقوال والأفعال، وليس ما يخترعه بعض من لا دين لهم من أقوال أو أعمال، يمكن أن يعد في العمل الصالح، فكم من أناس يفعلون أفعالًا، ويخترعون أقوالًا، وينطلقون من منطلقات، وهي كلها مخالفة لدين الله.

فوعد الله إذن للذين آمنوا وأضافوا لهذا الإيمان عملًا صالحًا وعملوا الصالحات. فمن استقر الإيمان في قلبه ومشاعره وأحاسيسه، وانطلق من هذا الإيمان يعمل الصالحات قولًا وفعلًا، في علاقته بنفسه، وعلاقته بربه، وعلاقته بالناس، من فعل هذا، ومن قام بهذا يقول ربنا فيهم: {لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيم} ولنتأمل هذا الجزاء الذي عبرت عنه هذه الكلمات، فكان مقتضى السياق أن يقول: “وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالمغفرة والأجر العظيم”، ولكنه عدل عن ذلك إلى ما ترى في قوله: {لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيم} فأفاد هذا ما يلي:

أنه قال: {لَهُم مَّغْفِرَةٌ} وهذه جملة من خبر مقدم ومن مبتدأ مؤخر، وهذا التقديم أفاد الاختصاص، بمعنى أن هؤلاء لهم مغفرة خاصة بهم، والمغفرة جاءت نكرة، والتنكير يفيد التعظيم، فهي مغفرة عظيمة لذنوبهم، وقد سبق أن علمنا بأن هذه المغفرة فيها ستر للعيوب، ونحن ما زلنا نذكر أن الله عز وجل في يوم القيامة يدني عبده المؤمن ويقرره بذنوبه.

ويضاف إلى هذا: أجر عظيم، وانظر إلي هذه البشرى الإلهية لأهل الإيمان في أن الله عز وجل لم يكتفِ بأن غفر وستر ذنوبهم، وأكرمهم غاية الإكرام؛ حيث لم يعاقبهم، إنما منحهم مع ذلك أجرًا عظيمًا، وسمى الثواب الذي يعطيه لهم، والخير الذي يمنحه إياهم، سماه: أجرًا؛ جبرًا لخاطرهم، وكأنهم وقد كانوا يعملون عند ربهم، له ومن أجله؛ إيمانًا وعملًا صالحًا، لا يريدون بعملهم من أحد جزاءً ولا شكورًا، إنما فعلوا ما فعلوا وكانوا يخافون يومًا عبوسًا قمطريرًا، فوقاهم الله شر ذلك اليوم، ولقاهم نضرة وسرورًا، وجزاهم بما صبروا جنة وحريرًا.

فهذا إذن ثواب يسميه الله عز وجل أجرًا، فهؤلاء العاملون عملوا، وجزاء الأجير إذا وفّى عمله أن يوفّى أيضًا الأجر، وقد كان هذا من الله سبحانه وتعالى ووصف الأجر بأنه عظيم، ومع أننا قلنا في كلمة {مَّغْفِرَةٌ}: أن التنكير فيها يفيد التعظيم، أيضًا كلمة “الأجر” وهي نكرة معطوفة على قوله: {مَّغْفِرَةٌ} أيضًا، التنكير فيها يفيد التعظيم، ويوصف هذا الأجر بقوله: {عَظِيم} وهي صيغة مبالغة، وجاءت أيضًا نكرة، فاجتمعت عدة أمور كلها تفيد عظم هذا الأجر، وأنه لا يقادر قدره، ولا يدرك كنهه، ولا تعرف حقيقته؛ لأنّ الجنة كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر)) فهؤلاء استحقوا هذا الأمر كله، لهم مغفرة وأجر عظيم.

3. وعيد الله للكافرين:

وبعد الوعد يأتي الوعيد، حيث يقول ربنا: {وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيم} [المائدة: 10]، هذا الوعيد يأتي بعد الوعد؛ إكرامًا لأهل الإيمان، وبيانًا لعلو منزلتهم، وأنهم يستحقون هذا الوعد، ولتطييب خاطرهم حين يعلمون ويدركون أن هؤلاء الذين يكرهونهم ويبغضونهم ولا يحبونهم، هؤلاء متروكون لله عز وجل إن رحلوا عن الدنيا دون أن يفيئوا لرحاب الإيمان، فإن جزاءهم هذا الجحيم وهذه النيران؛ فتطيب بذلك نفوس أهل الإيمان.

فلننظر في هذا الوعيد الذي جمعته كلمات هذه الآية القصيرة، يقول ربنا: {وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} كما رأينا أن القرآن يجمع بين الإيمان والعمل الصالح، نراه هنا يجمع لهؤلاء بين الكفر والتكذيب، والكفر ضد الإيمان، الكفر هو عدم الإيمان بالله عز وجل وستر حقيقة الإيمان في النفس التي خلقها الله موحدة مؤمنة، كما هو معلوم حين أخذ الله العهد على بني آدم، أن يعبدوه وحده لا يشركوا به شيئًا، ويجيء يوم القيامة -كما رأينا في عدة مناسبات- يسألهم عن هذا العهد وعن هذا الميثاق، كما يقول -عز من قائل: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِين * أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُون} [الأعراف: 172، 173]، ويسأل الله عز وجل فيقول: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِين * وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيم} [يس: 60، 61] إلى آخر الآيات.

فهؤلاء كفروا بالله عز وجل وكذبوا بآيات الله، هذه الآيات ما المراد بها؟ آيات الله: هي آياته التي أوحاها لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم وهي آيات بينات واضحات، تحمل معجزة رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الله سبحانه وتعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيم} ، فانظر إلى هذه الكلمات الثلاث: {أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيم}؛ لترى كيف جمعت كل ما يمكن أن يجمع من ألوان الترهيب، فأنت ترى اسم الإشارة: {أُوْلَـئِكَ} الذي يدل على بعد هؤلاء عن طريق الحق، وعن بعد هؤلاء عن رحاب الهداية، أولئك الذين بعدوا في مقام الشر، والكفر، والضلال، والحرب لله ولرسوله، وكان من أمرهم ما كان.

{أَصْحَابُ الْجَحِيم} كلمة {أَصْحَابُ} تعني: الملازمة التامة الدائمة للنار، وبئس القرار، والله سبحانه وتعالى يعبر عن النار بقوله: {الْجَحِيم} ولو أنك تأملت في اختيار هذه الكلمة وصفًا لنار الله سبحانه وتعالى في الآخرة، لوجدت أن كلمة {الْجَحِيم} تعني: النار المتأججة الشديدة التأجج، وأن هذه الكلمة ذكرت في القرآن خمسًا وعشرين مرة هكذا: {الْجَحِيم} ومرة واحدة جاءت هكذا في سورة المزمل: {أَنكَالاً وَجَحِيمًا} [المزمل: 12]، ولم تذكر في القرآن هذه الكلمة فعلًا ماضيًا أو مضارعًا أو أمرًا، وما إلى ذلك، إنما هكذا: {الْجَحِيم} وهي صيغة مبالغة -كما ترى- على صيغة “فعيل” تدل على المبالغة التامة في تأجج هذه النار وفي شدتها؛ ولذلك قلنا: بأن هذه الكلمات الثلاثة تدل على شدة الألم الذي يلقاه هؤلاء المجرمون الذين كفروا وكذبوا بآيات الله، ولعلنا ندرك ونعلم أن الله سبحانه وتعالى يؤنب هؤلاء على أنهم لم يؤمنوا بآيات الله عز وجل ومن هنا استحقوا هذا العذاب.

4. حفظ الله للمؤمنين:

أ. صلة الآيات بما قبلها، ومعناها العام:

يقول ربُنا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُون} [المائدة: 11].

والسؤال هنا: ما سبب نزول هذه الآيات الكريمة؟ ومن هم هؤلاء القوم الذين هموا أن يبسطوا أيديهم إلى المؤمنين فكف الله أيدي أعداء الله عن أهل الإيمان؟

يذكر المفسرون عدة أمور؛ منها ما يصلح أن يقال: بأنه سبب نزول، ومنها ما لا يصلح أن يقال: بأنه سبب نزول، لكنه من باب التذكير بما كان في تاريخ المسلمين من حفظ لهم من كيد عدو الله وعدوهم؛ لأن معنى قولنا: بأن هذا سبب النزول أن يسأل سائل، أو تحدث حادثة فيأتي الوحي ليجيب على هذا السؤال أو ليقول ما يقول بشأن هذه الحادثة، فما الأسباب المباشرة والأسباب غير المباشرة التي وردت في هذه الآية الكريمة؟

الأول: أن المشركين في أول الأمر -كما يقول الإمام الفخر الرازي- كانوا غالبين، والمسلمين كانوا مقهورين مغلوبين، ولقد كان المشركون أبدًا يريدون إيقاع البلاء والقتل والنهب بالمسلمين، والله تعالى كان يمنعهم عن مطلُوبهم إلى أن قوي الإسلام وعظمت شوكة المسلمين، فقال تعالى: {اذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ} ويبدو أن هذا لا يقال: بأنه سبب نزول، وإنما هذا تذكير بما كان في تاريخ المسلمين وفي حياتهم في أول عهدهم وما صار إليه أمرهم، وأن الله سبحانه وتعالى يذكرهم بهذه النعمة كما نرى في كثير من مثل هذه المواقف، ومنها مثلًا ما نقرأه في قول الله تعالى: {وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون} [الأنفال: 26] إلى مثل هذه الآيات، ويقال أيضًا: بأن الآية نزلت في واقعة خاصة، ولكن ما هذه الواقعة؟

ذكر محمد بن إسحاق بن يسار ومجاهد وعكرمة وغير واحد أنها نزلت في شأن بني النضير، حين أرادوا أن يلقوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم الرحى لما جاءهم يستعينهم في دية العامريين، ووكلوا عمرو بن جحش بن كعب بذلك، وأمروه إن جلس النبي صلى الله عليه وسلم تحت الجدار واجتمعوا عنده أن يلقي تلك الرحى من فوقه، فأطلع الله النبي صلى الله عليه وسلم على ما تمالئوا عليه؛ فرجع إلى المدينة وتبعه أصحابه، فأنزل الله في ذلك هذه الآية.

وروى عبد الرزاق بسنده عن جابر: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل منزلًا وتفرق الناس في العضاة -أي: في الأشجار الكبيرة- يستظلون تحتها، وعلق النبي صلى الله عليه وسلم سلاحه بشجرة، فجاء أعرابي إلى سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذه فسله، ثم أقبل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: من يمنعك مني؟ قال: الله عز وجل. قال الأعرابي مرتين أو ثلاثًا: من يمنعك مني؟ والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: “الله”)) يقول جابر رضي الله عنه في الأعرابي قال: ((فشام الأعرابي السيف -أي: سله وأغمده- فدعا النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه؛ فأخبرهم خبر الأعرابي وهو جالس إلى جنبه ولم يعاقبه؛ فنزلت هذه الآية)).

وقال معمر: كان قتادة يذكر نحو هذا، ويذكر أن قومًا من العرب أرادوا أن يفتكوا برسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسلوا هذا الأعرابي، وتأول: {اذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ} وقصة هذا الأعرابي والذي يسمى بـ”غورث بن الحارث” ثابتة في الصحيح.

وهناك رأي ثالث أو رواية ثالثة تتعلق بما كان من أمر المسلمين حين شرع الله لهم صلاة الخوف، وذلكم أن المسلمين قاموا إلى صلاة الظهر بالجماعة وذلك بعسفان، فلما صلوا ندم المشركون، وقالوا: ليتنا أوقعنا بهم في أثناء صلاتهم، فقيل لهم: إن للمسلمين بعدها صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم وآبائهم، يعنون بذلك صلاة العصر، فهمُّوا بأن يوقعوا بهم إذا قاموا إليها؛ فنزل جبريل عليه السلام بصلاة الخوف.

وعلى هذا فالنعمة العظيمة في الروايات الأولى هي نعمة حفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم من تدبير اليهود من بني النضير، ومما كان من أمر غورث بن الحارث، وما همَّ به من الفتك برسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى الرواية الأخيرة يكون المقصود بقوله: {اذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ} بأن هذا كان بفضل الله أن شرع لهم صلاة الخوف، ونجاهم بذلك من تدبير هؤلاء الذين قد عقدوا النية على أن يهجموا على المسلمين إذا وقفوا لصلاة الجماعة جميعًا؛ فنزل تشريع عظيم من الله عز وجل لصلاة الخوف.

لكن يبقى هذا المعنى من معاني القرآن العظيم يحتاج إلى وقفة متأنية، ذلكم أن الله سبحانه وتعالى ينادي المؤمنين، يأمرهم أن يذكروا نعمة الله عليهم؛ أن حفظهم من كيد عدوهم الذي همّ بأن يبسط إلى أهل الإيمان يديه، فكف الله أيدي هؤلاء الأعداء عن المؤمنين، وهذه النعمة وإن كانت هي نعمة إنجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم أو نعمة تشريع الله لصلاة الخوف لكن تبقى هذه المسألة تحتاج إلى أن ننظر إليها بعين الاعتبار، وأن يعتبر أهل الإيمان ذلك طوال عمرهم وطوال حياتهم، من يوم بُعث محمد صلى الله عليه وسلم وإلى يوم الناس هذا، ذلكم أن هذا الدين من أول لحظة وهو مستهدف من أعدائه، ولعلنا لو استعرضنا تاريخ هذا الدين من أول لحظة بُعث فيها محمد صلى الله عليه وسلم لرأينا أن الله قد ألقى سرادقات حفظه على هذا الدين وأتباعه فبقي شامخًا قويًّا إلى يوم الناس هذا، وسوف يبقى هكذا إلى يوم القيامة، فالرسول الذي حمَّله الله هذه الرسالة محفوظ بحفظ الله، لا تستطيع قوة في الأرض أن تغتاله، وهذا وعد من الله تحقق: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة: 67].

وإذا كان هذا بالنسبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم في حفظ الله له فإن الله عز وجل حفظ أهل الإيمان وأهل الإسلام، فعلى امتداد التاريخ حاولت قوى الضلال والكفر أن تستأصل هذه الأمة ولكن ماذا كان؟ لم يستطع أحد أن يصنعَ هذا، وبقيت أمة الإسلام شامخة قوية تزداد عددًا إلى وقتنا هذا.

نقول: بأن نعمة إنجاء الله عز وجل وحفظ الله لنبيه صلى الله عليه وسلم ولأصحابه هي نعمة جليلة عظيمة يجب أن يشكر اللهَ عليها كلُّ مؤمنٍ، سعد ورضي بما كان قد مَنَّ الله عليه من هذا الإيمان ومن هذا الإسلام؛ لأنه -كما قلنا- لو وصل هؤلاء إلى غرضهم فأطفئوا هذا السراج، وقتلوا هذا النبي صلى الله عليه وسلم لما وصلنا شيء من هذا الوحي، ولو أنهم استطاعوا أن يستأصلوا هذه الجماعة، وأن يُطفئوا هذا السراج لما وصلنا أيضًا شيء من ذلك؛ لأنه لن يكون هناك من يحمل هذه الرسالة إلى دنيا الناس، فإذن هذه نعمة لكل مؤمن.

ب. متى همّ القوم بالاعتداء على المسلمين:

انظر إلى قوله: {إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ} الهَمّ هو التفكير والترتيب والتخطيط، وبعد هذا التفكير وهذا التخطيط ينتقل هؤلاء إلى التنفيذ، والتنفيذ في مراحله الأولى هو هذا الهمّ، فإذن لم تكن المؤامرة من أعداء الله مجرد خيالات وأفكار طرأت على عقولهم وقلوبهم المريضة وبقيت هكذا مجرد فكرة، إنما خرجت من هذا الفكر ومن هذه العقول المأفونة، ومن هذه القلوب المريضة إلى الواقع الذي بدءوا فيه تنفيذ ما فكروا فيه وما عزموا عليه، وهذا يعني أن هناك خطرًا قادمًا لأمة الإسلام ولرسول الإسلام صلى الله عليه وسلم.

وقد رأينا ما كان من هذا الشرير الحاقد الحاسد الذي حمل الحجر وصعد به إلى المنزل، الذي يجلس تحت حائطه رسول الله صلى الله عليه وسلم مع بني النضير وسيدهم حيي بن أخطب، وحاول هذا المجرم الآثم أن يُلقي هذا الحجر على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقتله، ولكن الله سبحانه وتعالى الحافظ لرسوله صلى الله عليه وسلم أوحى إليه بما دبّر هؤلاء؛ فقام وانطلق عائدًا إلى المدينة ولحق به أصحابه، وكان ما كان من أمر الله عز وجل في أن هذا كان سببًا في إخراج هؤلاء من ديارهم كما نقرأ ذلك في سورة الحشر، حيث يقول ربنا: {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَار * وَلَوْلاَ أَن كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاَء لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابُ النَّار * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَاب} [الحشر: 2- 4].

أو هذا الذي حمل السيف ورسول الله صلى الله عليه وسلم نائم تحت ظل شجرة، ولم يكن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يدافع به عن نفسه، ونادى بأعلى صوته يا محمد من يمنعك مني؟ وبكل ثقة في فضل الله وكرمه وحفظه وتأييده له، قال صلى الله عليه وسلم: ((الله))، فسقط السيف من يد الأعرابي، وأمسك به الرسول صلى الله عليه وسلم كما رأينا، وقال لهذا الأعرابي: ((من يمنعك مني؟)) قال: لا أحد. فعفا عنه الرسول صلى الله عليه وسلم.

إلى غير ذلك مما نراه من هذا المشرك الذي دخل الإسلام حديثًا وحاول أن يقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة حنين. وإلى غير ذلك من مواقف للمشركين الذين حاولوا قتله بأي وسيلة من الوسائل فما استطاعوا، فإذن هذا لم يكن مجرد فكر وإنما هذا همّ، هذا همّ وبداية عمل وتنفيذ مخطط، ولكن هذا المخطط بعد أن يخرج إلى حيز التنفيذ، فإن الله عز وجل يحمي رسوله صلى الله عليه وسلم من هؤلاء.

وانظر إلى قوله أيضًا: {إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ} بسْط اليد ماذا يعني؟ نحن نقول: بسط إليه لسانه؛ إذا شتمه، وبسط إليه يده؛ إذا بطش به، وإذن فقوله: {يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ} ليس معنى ذلك أنهم يريدون إيقاع الضرر بالمسلمين أو برسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما هؤلاء استعملوا كل حواسهم التي عبر عنها بالأيدي، واستغلوها كل الاستغلال ليصل ضررها إلى المؤمنين.

فهذه العبارات تصور لنا عِظم المؤامرة؛ ليتضح لنا مدى فضل الله عز وجل على المؤمنين حين نقول ويقول ربنا: {فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ} كف الأيدي معناه أن هذه الأيدي المبسوطة، كفها الله عز وجل وأوقفها وردّها بفضله وقوته وقدرته عن أن تصل إلى ما تريد من قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم أو من استئصال أمة الإسلام، ولكن هذا لا بد أن يعود بنا إلى فضل الله عز وجل ولمن يكون.

سوف نلمح في هذه الآية أمورًا ثلاثة:

أولها: الإيمان الصحيح: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ}.

وثانيها: ما يترتب على هذا الإيمان من تقوى الله عز وجل.

وثالثها: حسن التوكل على الله سبحانه وتعالى.

هناك إذن ثلاثة أسباب يجب أن نلتفت إليها هي التي أدت إلى أن يُنعم الله على أهل الإيمان بما أنعم عليهم من حفظ نبيهم وحفظهم، وهذه الأسباب يجب أن نكون -نحن المؤمنين- على ذكر منها دائمًا وأبدًا؛ لأننا لو التزمنا بها وطبقناها ونفذناها وكانت لنا شعارًا ودثارًا لما تركنا الله نهبًا لأعداء الله وأعداء رسوله وأعداء دينه، إنما سوف نجد من الله التسديد والتوفيق والحفظ، فهذا وعده الذي لا يتخلف.

ج. ما في ختام الآية من دروس:

قلنا: بأن هذه الأمور ثلاثة تتلخص في الإيمان بالله وهذا هو الذي تشير إليه بداية الآية حين نادى المؤمنين بصفة الإيمان فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ}، وختم بهذا الإيمان الآية؛ فقال: {وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُون}، الأمر الثاني الملازم لهذا الإيمان والمبني عليه هو ما جاء في هذا الأمر {وَاتَّقُواْ اللّهَ} التقوى حالة تعتري النفس المؤمنة تجعلها وقافة عند كتاب الله، مؤتمرة بأوامر الله، منتهية عما نهى الله عنه، وقد جاءت كلمات السلف تبين المطلوب في هذه التقوى، ومنها -على سبيل المثال لا الحصر؛ لأن المقام لا يتسع لأكثر من ذلك:

ما جاء عن الإمام علي رضي الله عنه حين قال: “بأن التقوى هي الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والرضا بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل”، تبقى التقوى نورًا في القلوب، ومنهجًا صادقًا في حياة الإنسان المؤمن لا يعدل بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم شيئًا آخر، وإذا استقر الإيمان في القلوب وكانت التقوى هي الترجمة العملية لهذا الإيمان، فسوف يبقى شيء مهم ينبثق أيضًا من هذه التقوى ويعطف عليها، وهو التوكل على الله عز وجل.

والتوكل على الله يعني اتخاذ الأسباب التي تؤدي إلى تحقيق الغايات المنشودة على مستوى الفرد، وعلى مستوى الجماعة ثقة في الله عز وجل وانطلاقًا من الإيمان بما قال، وليس التوكل على الله عبارة عن أُمنيات يتمناها من يتمناها، وإنما التوكل على الله تخطيط محكم وعمل دءوب متواصل في أمر الدنيا وأمر الآخرة، ثم تبقى النتائج لله رب العالمين، فهذا معنى التوكل على الله.

وهذا يتبين من حال رسول الله صلى الله عليه وسلم وحفظ الله لرسوله صلى الله عليه وسلم فقد رأيناه وهو يحمل سلاحه، يخوض به المعارك، وينتقل به من مكان إلى مكان، ناشرًا لهذا الدين، ومبلغًا لرسالة الله، ورادًّا لكيد أعداء الله.

وإذا كان المؤمنون على هذا الحال من العمل المتواصل من القوة والتمكين والاستعداد بكل ألوان الاستعداد؛ ولذلك جاء نداء القرآن: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُم * وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَّهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُم} [محمد: 7-  8].

error: النص محمي !!