Top
Image Alt

العذر بالخطأ في التأويل

  /  العذر بالخطأ في التأويل

العذر بالخطأ في التأويل

المراد بالتأويل: نقل ظاهر اللفظ عن وضعه الأصلي إلى ما يحتاج إلى دليل، لولاه ما ترك ظاهر اللفظ، وأهل السنة والجماعة الذين يعذرون بالجهل يعذرون بالخطأ في التأويل مخالفين بذلك أهل الأهواء والبدع الذين يقولون: إن الخطأ في معرفة حكم الله كفر والخطأ المؤدي إلى العمل بغير حكم الله يخرج المسلم من الإسلام مهما صحت نيته، وهذا كلام خطير.

ودليلهم الوحيد على ذلك حادثة قدامة بن مظعون مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه  إذ استعمل عمر قدامة بن مظعون على البحرين، وكان ممن شهد بدرًا مع النبي صلى الله عليه وسلم فقدم الجارود من البحرين فقال: “يا أمير المؤمنين إن قدامة بن مظعون قد شرب مسكرًا، وإني إذا رأيت حدًّا من حدود الله حق علي أن أرفعه إليك، فشهد عليه أبو هريرة والجارود وامرأته هند بنت الوليد فقال عمر: يا قدامة إني جالدك فقال قدامة: والله لو شربت كما يقولون ما كان لك أن تجلدني يا عمر. قال: ولم يا قدامة؟ قال: إن الله عز وجل قال: { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [المائدة: 93] فقال عمر: إنك أخطأت التأويل يا قدامة إذا اتقيت اجتنبت ما حرم الله ثم جلده”.

فهذا الحادث يدل على أن من أخطأ في التأويل فهو غير معذور، وأن هذا الاجتهاد الذي أدى إلى سوء التأويل لم يقبل منه، وذلك لوجود مظنة العلم ولو بسؤال أهل الذكر كعمر وعلي وابن عباس وغيرهم، فإن كان المكلف في مكان تتوفر فيه مظنة العلم كدار الإسلام كان آثمًا ولم يعذر بجهله، ويقام عليه الحد إن انبنى على قوله عمل فيه حد، سواء أكان متأولًا أم غير متأول هذا كلامهم.

والرد على ذلك أن هذا كلام خطير يترتب عليه أنه ما وجد أحد غير مخطئ سوى المعصوم صلى الله عليه وسلم والحقيقة تقول: ما من أحد بعد المعصوم صلى الله عليه وسلم من الصحابة الأجلاء والتابعين الفضلاء وأئمة المسلمين وفقهائهم، المأمورين بالتبليغ والإنذار والاجتهاد إلا وقد أخطأ في حكم من أحكام الشريعة، فليس بعد النبي صلى الله عليه وسلم معصوم، وعامة الناس أقل علمًا وفقهًا، وأقل قدرة على النظر في الأدلة، وأكثر خطأ في فهم النصوص واستنباط الأحكام، بل جلهم عاجز عن النظر في الأدلة جاهل بمعرفة كيفية إقامة البراهين، فماذا تقول في شأنهم؟! وقد حدَّث هشام بن عروة عن أبيه عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قال: “توفي عبد الرحمن بن حاطب وأعتق من صلى من رقيقه وصام، وكانت له نوبية قد صلت وصامت وهي أعجمية لم تفقه فلم يرعه إلا حبلها وكانت ثيبًا، فذهب إلى عمر بن الخطاب فحدَّثه فأرسل إليها عمر فسألها فقال: أحبلت؟ قالت: نعم مِن مرعوش بدرهمين فإذا هي تستهل به ولا تكتمه.

فصادف عنده علي بن أبي طالب وعبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان رضي الله عنهم فقال: أشيروا علي وكان عثمان جالسًا فاضطجع، فقال علي وعبد الرحمن: قد وقع عليها الحد، فقال عمر: أشر علي يا عثمان قال: قد أشار عليك أخواك قال: أشر علي أنت قال عثمان: أراها تستهل به كأنها لا تعلمه، وليس الحد إلا على من علم، فقال عمر لعثمان: صدقت، والذي نفسي بيده ما الحد إلا على من علم ثم أمر عمر رضي الله عنه  بجلدها مائة وتغريبها عامًا تأديبًا لها؛ لقعودها عن السؤال عما يلزمها معرفته من أمر دينها”. وهذه الواقعة تتضمن:

  1. اتفاق عمر وعثمان بحضرة علي وعبد الرحمن بن عوف على أن الجاهل معذور بجهله، ولا حد عليه فيما اقترفه غير عالم بتحريمه.
  2. خطأ علي وعبد الرحمن فيما حكما به من استحقاق الجارية الحد دون ملاحظة جهلها.
  3. أن هذه الأعجمية كانت من الجهل وعدم القدرة على الفهم، حتى إنها لم تدرك أن الزنا محرم وهي محكوم بإسلامها عتقت لأنها صلت وصامت، ولم يتشكك أحد من الصحابة الأربعة الكرام في إسلامها.
  4. لم يقل أحد من الصحابة الأربعة الكرام: إنها ارتدت عن الإسلام لارتكابها الزنا أو لجهلها حكمًا عامًّا مشهورًا من أحكام الشريعة، معلوما من الدين بالضرورة في دار الإسلام وحيث مظنة العلم.
  5. إن الجاهل غير مؤاخذ بالحد لجهله وقد يؤدب تعزيرًا لعدم سؤاله عما يلزمه معرفته من أمر دينه، فهذا فهم الصحابة وهم خير القرون.

وتأول بعض الصحابة فأخطئوا، وأما التابعون ومن جاء بعدهم من فقهاء الأمصار فاختلافاتهم أشهر وأكثر من أن تعرف أو تعد، وإنما ذلك نتيجة التأويلات المختلفة والاجتهادات المتنوعة، وذلك لثراء لغة القرآن الكريم ووجود الاحتمالات فيما هو ظني الدلالة أو ظني الثبوت وما إلى ذلك، ولم يكفر بعضهم بعضا بل ولم يخطئ أحدهم الآخر، فذلك كله مبني على أمر الاجتهاد الذي يؤجر صاحبه على كل حال أصاب أم أخطأ، فلو كان الخطأ في معرفة حكم الله كفرا فما حكم هؤلاء الأئمة والصحابة إذًا؟! والله عز وجل قال في القرآن: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} [الأحزاب: 5].

يقول ابن كثير: “فإن الله قد وضع الحرج في الخطأ ورفع إثمه، كما أرشد إليه في قوله تعالى آمرًا عباده أن يقولوا: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة: 286] وثبت في (صحيح مسلم) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((قال الله عز وجل: قد فعلت)) وفي (صحيح البخاري) عن عمرو بن العاص رضي الله عنه  قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإن اجتهد فأخطأ فله أجر)) وفي الحديث الآخر: ((إن الله تعالى رفع عن أمتي الخطأ والنسيان والأمر الذي يكرهون عليه))”.

وقوله تعالى ها هنا: { وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا } أي: وإنما الإثم على من تعمد الباطل كما قال تعالى: { لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} [المائدة: 89] ولكن ما هو حد الخطأ والتأويل؟ بدهي ألا يكون متأولًا من لا علم له بالشريعة ولا باللغة التي نزل بها القرآن، فذلك إن قال في دين الله بجهله وهو عالم بجهله، وأنه لا قدرة له على فهم النصوص واستنباط الأحكام من مختلف الآيات والأحاديث؛ فإنه يكون خائضًا في دين الله بغير علم وقائلًا على الله بما لا يعلم، وبدهي أيضًا أن التأويل الذي يعذر من قال به هو ما يكون له وجه تسمح به لغة القرآن وفيما هو خارج عما وقع فيه الإجماع، وهذا التأويل ينبغي إقامة الحجة عليه وإظهار خطئه في تأويله وإعلامه بالحق، فإذا قامت عليه الحجة الظاهرة التي لا محل لجدل فيها؛ فإن تمادى على ما هو عليه فإنه يكون جاحدًا لما افترض الله عليه الإيمان به فهو كافر مشرك.

والحق أن هذا من الأمور الدقيقة والخطيرة، وذلك أن هذه المسألة تتعلق بالقلب أكثر مما تتعلق بالظاهر، وذلك أن التأويل قد يصدر من الخاطئ المتعمد للإفساد والغواية وتلبيس الحق بالباطل، وهذا كفر، وقد يصدر من مجتهد لم يظهر له وجه الحق فأول كلام الله وصرفه عن ظاهره، ولا يعلم الفرق بين هذا وهذا إلا علام الغيوب المطلع على السرائر سبحانه وتعالى، ولذلك فالمسارعة إلى تكفير شخص ما صدرت منه فتوى أو رأي جاء على خلاف كلام الله تعالى تعجل غير محمود، وإنما الواجب في مثل هذه الأمور هو التعرف الكامل على مراد المتكلم من كلامه، والغاية التي يقصدها في النهاية وإقامة الحجة عليه إن كان بالإمكان ذلك.

وعلى كل فهذا المجال محفوف بالمخاطر لأنه في غالبه اتهام للنيات، واتهام النيات شيء خطير إن لم ينبن على أسس ثابتة قطعية صريحة، وأما مجرد الشبهات والظواهر وتتبع الأخطاء فكل ذلك لا يجوز أن يحمل مسلمًا على تكفير مسلم، ولم يبق إلا إقامة الحجة والإعذار إلى الله وبيان الخطأ دون اللجوء إلى التكفير والتشهير، والحكم أولًا وأخيرًا لله رب العالمين العليم بالنيات المطلع على السرائر، ولقد كان هذا الباب -أعني: باب تأويل كلام الله وصرفه عن الظاهر- وما يزال أعظم أبواب الشر التي فتحت على المسلمين، فيجب الحذر منه كل الحذر وقد كان من الأسباب التي ساعدت على التأويل ما يأتي:

الأول: اللغة العربية بحسب وضعها فيها كثير من الصور البلاغية والبيانية، التي تلجأ إلى التمثيل والتشبيه والاستعارة والكناية، وفيها من وجوه المجاز ما فيها، وهذا أحد أسباب اختلاف الآراء وتباين الأفكار ليس من الأمور العملية الشرعية وحدها، بل وأيضًا في الأمور العقائدية الإيمانية، وليس هذا ينقص في اللغة بل كل اللغات كذلك، وإن كانت اللغة العربية أثْراها وأكثرها تصرفًا في القول وتحسينًا في البيان، وهذا في حقيقته ميزة وليس بثغرة.

 الثاني: استغل المبطلون من أعداء الإسلام وأهل الأهواء هذا، فلجئوا إلى التحريف بدعوى أن هذا مضمون اللفظ والمعنى المقصود، ولجئوا إلى تحريف الآيات والأحاديث وصولًا إلى المعنى الخبيث الذي يهدفون إليه.

الثالث: ثم جاء من يحمل كلام الله على معان لا يريدها الله ورسوله جملة وتفصيلًا، ولذلك نشأت التأويلات البعيدة وكلها تحت ستار دعوى الإسلام، ولذلك فيجب التصدي لكل ذلك والرجوع في فهم الإسلام إلى بساطته الأولى والقواعد العربية، والالتزام بظاهر اللفظ دائمًا إلا إذا قام الدليل على وجوب صرف اللفظ عن ظاهره، وعلى كل فإن أمر المبطل المؤول للإفساد والغواية لا يشتبه بأمر المحق المجتهد المتأول، وذلك على الناقد الخبير، ولذلك فلا يجوز لنا والحالة هذه التعجل في إطلاق لفظ الكفر على من ظهر التأويل في كلامه إذا عرفنا مقصده وغايته، وأنها ليست تحريفًا للإسلام ولا إيثارًا للباطل على الحق، ولذلك لم يكفر علماء السلف المعتزلة والمؤولين من الأشعرية؛ لأن غايتهم كانت دفاعًا عن حوزة الإسلام وتصديًا للزنادقة والفلاسفة، وإن كان هؤلاء العلماء من السلف قد حكموا ونشروا بأن كتب الكلام التي ألفوها في العقيدة -أو في الإسلام- باطلة يجب حرقها ولا يجوز ميراثها.

وكلام الإمام الشافعي رضي الله عنه  واضح صريح في هذا، وكذلك كلام الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه ، وهذا الموقف الصلب الذي وقفه علماء السنة في كل عصر هو الموقف اللازم في عصرنا الحاضر، حيث كثر المبطلون المؤولون الزاعمون نصر الإسلام والمسلمين، فالرد إلى كتاب الله ورسوله أولى، والتزام بظاهر اللفظ ومعناه العربي وتحريم التأويل ما لم يأتِ دليل قطعي يبين أن مراد الله ومراد رسوله ليس الظاهر المتبادر، وإنما هو المعنى الآخر المؤول.

هذه أمور يجب التمسك بها وفهمها فهما جيدًا وتعلم تطبيقها على شتى أنواع التأويلات؛ ليكون المؤمن على بصيرة من أمره، ثم بعد ذلك ترك الرمي بالكفر وغيره إلا بعد البيان القطعي الذي لا يقبل المكابرة والجدل.

يقول ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: “وهكذا الأقوال التي يكفر قائلها قد يكون الرجل لم تبلغه النصوص الموجبة لمعرفة الحق، وقد تكون بلغته ولم تثبت عنده أو لم يتمكن من فهمها، وقد يكون عرضت له شبهات يعذره الله تعالى بها، فمن كان من المؤمنين مجتهدًا في طلب الحق وأخطأ فإن الله سبحانه وتعالى يغفر له خطأه، كائنًا ما كان سواء كان في المسائل النظرية أو العلمية أو العملية، هذا الذي عليه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وجماهير أئمة المسلمين”.

ويقول ابن القيم -رحمه الله- في معرض حديثه عن الجحود حيث قال: “والخاص المقيد أن يجحد فرضًا من فروض الإسلام أو تحريم محرم من محرماته، أو صفة وصف الله بها نفسه أو خبر أخبر الله به”، إلى قوله: “وأما من جحد ذلك جهلًا أو تأويلًا يعذر فيها صاحبه فلا يكفر صاحبه به”.

ويقول ابن حزم -رحمه الله-: “ولو أن امرأ بدل القرآن مخطئًا جاهلًا أو صلى لغير القبلة كذلك ما قدح ذلك في دينه عند أحد من أهل الإسلام، حتى تقوم عليه الحجة بذلك، فإن تمادى فهو فاسق وإن عاند الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم فهو كافر مشرك”. قال: “وكذلك من قال: إن ربه جسم فإنه إن كان جاهلًا أو متأولًا فهو معذور لا شيء عليه ويجب تعليمه، فإذا قامت عليه الحجة من القرآن والسنة فخالف ما فيها عنادًا فهو كافر يحكم عليه بحكم المرتد، وأما من قال: إن الله هو فلان لإنسان بعينه أو أن الله يحل في جسم من أجسام خلقه، أو أن بعد محمد صلى الله عليه وسلم نبيا غير عيسى ابن مريم؛ فإنه لا يختلف اثنان في كفره لصحة قيام الحجة لكل هذا على كل أحد، ولو أمكن أن يوجد أحد يدين بهذا لم يبلغه قط خلافه لما وجب تكفيره حتى تقام الحجة عليه، وأما من كفر الناس بما تئول إليه أقوالهم فخطأ لأنه كذب على الخصم وتقويل له ما لم يقل به، وإن لزمه فلم يحصل على غير التناقض فقط والتناقض ليس كفرا بل قد أحسن إذ فر من الكفر”.

وقال أيضًا: “واحتج بعضهم بأن قال الله تعالى: { قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا } [الكهف: 103، 104]. وآخر هذه الآية مبطل لتأويلهم لأن الله وصل قوله: { يُحْسِنُونَ صُنْعًا } بقوله: { أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (105) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آَيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا} [الكهف: 105، 106] فهذا يبين أن أول الآية في الكفار المخالفين لديانة الإسلام جملة.

ثم نقول لهم: لو نزلت هذه الآية في المتأولين من جملة أهل الإسلام -كما يزعمون- لدخل في جملتها كل متأول مخطئ في تأويله في فتيا، ويلزمه تكفير جميع الصحابة رضي الله عنهم لأنهم قد اختلفوا، وبيقين ندري أن كل امرئ منهم قد يصيب ويخطئ، بل يلزمه تكفير نفسه؛ لأنه لا بد لكل من تكلم في شيء من الديانة من أن يرجع عن قول قاله إلى قول آخر تبين له أنه أصح منه، إلا أن يكون مقلدًا فهذا أسوأ؛ لأن التقليد خطأ كله ولا يصح بل ويلزمه تكفير جميع الأمة؛ لأنهم كلهم لا بد من أن يصيب كل امرئ منهم ويخطئ، ومن بلغ إلى ها هنا فقد لاح غوامر قوله.

وقد أقر عمر بن الخطاب رضي الله عنه  لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لم يفهم آية الكلالة { يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ} [النساء: 176] فما كفره بذلك ولا فسقه ولا أخبره أنه آثم بذلك، لكن أغلظ له في كثرة تكراره السؤال عنها فقط، وكذلك أخطأ جماعة من الصحابة رضي الله عنهم في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم في الفتيا فبلغه صلى الله عليه وسلم ذلك فما كفر أحدًا منهم بذلك، وهذا كفتيا أبي السنابل بن بعكك في آخر الأجلين، والذين أفتوا على الزاني غير المحصن الرجم”. قال: “وقد تقصينا هذا في كتابنا الموسوم بكتاب (الإحكام في أصول الأحكام) وقد قال عمر رضي الله عنه  بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم عن حاطب -وحاطب مهاجر بدري: دعني أضرب عنق هذا المنافق، فما كان عمر رضي الله عنه  بتكفيره حاطبًا كافرًا بل كان مخطئًا متأولًا.

فصح بما ذكرنا أن كل من كان على غير الإسلام وقد بلغه أمر الإسلام فهو كافر، ومن تأول من أهل الإسلام فأخطأ فإن كان لم تقم عليه الحجة ولم يتبين له الحق فهو معذور مأجور أجرًا واحدًا؛ لطلبه الحق وقصده إليه مغفور له خطؤه إذ لم يتعمده لقول الله تعالى: { وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} وإن كان مصيبًا فله أجران: أجر لإصابته وأجر آخر لطلبه إياه، وإن كان قد قامت عليه الحجة وتبين له الحق فعند عن الحق غير معارض لله تعالى ولا لرسوله صلى الله عليه وسلم فهو فاسق؛ لجرأته على الله تعالى باجترائه على الأمر الحرام، فإن عند عن الحق معارضا لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم فهو كافر مرتد حلال الدم والمال، لا فرق في هذه الأحكام بين الخطأ في الاعتقاد في أي شيء كان من الشريعة، وبين الخطأ في الفتيا في أي شيء كان، وحادثة قدامة بن مظعون مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه  حجة على أهل الأهواء والبدع وأهل التكفير، وليست لهم؛ وذلك لأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه  لم يكفر قدامة بن مظعون بخطئه في التأويل.

وهذا يختلف عما ذهبوا إليه من كفر من أخطأ في الحكم وإن كان متأولًا، وأما عن جلد عمر إياه فقد يكون ذلك على سبيل التعزير في تقصيره عن السؤال ومعرفة الحلال والحرام، كما عزر عمر رضي الله عنه  الحبشية التي زنت مع جهلها بحرمة الزنا، فجلدها مع أن حدها الرجم لأنها كانت ثيبة، فأمر الجلد هنا يحتمل أن يكون تعزيرًا وهذا وجهه، ويحتمل أن يكون حدًّا وذلك لما رآه عمر بن الخطاب رضي الله عنه  من أن قدامة يبرر خطأه بذلك التأويل الخاطئ المتعمد؛ ليكون شبهة يدرأ بها قدامة الحد عن نفسه، ولكن عمر بن الخطاب رضي الله عنه  لم يخْف عليه ذلك وعلم كذب قدامة فيما ادعاه أو ذهب إليه، فجلده عمر رضي الله عنه  وأيا كان الأمر حدًّا أو تعزيرًا فإن هذا من الكفر الذي ذهبوا إليه.

وعلى هذا فالمتأول الذي أخطأ في تأويله في المسائل الخبرية والأمرية، وإن كان في قوله بدعة يخالف بها نصًّا أو إجماعًا قديمًا وهو لا يعلم أنه يخالف بذلك، بل قد أخطأ فيه كما يخطئ المفتي والقاضي في كثير من مسائل الفتيا والقضاء باجتهاده؛ يكون أيضًا مثابًا من جهة اجتهاده الموافق لطاعة الله غير مثاب من جهة ما أخطأ فيه، وإن كان معفوًا عنه، ثم قد يحصل فيه تفريط في الواجب واتباع الهوى يكون ذنبا منه، وقد يقوى فيكون كبيرًا وقد تقوم عليه الحجة التي بعث الله عز وجل بها رسله، ويعاندها مشاقة للرسول صلى الله عليه وسلم من بعد ما تبين له الهدى متبعًا غير سبيل المؤمنين، فيكون مرتدًا منافقًا أو مرتدًا ردة ظاهرة”. فالكلام في الأشخاص لا بد فيه من هذا التفصيل، وأمر قدامة بن مظعون لا يخرج عن دائرة ذلك التفصيل الذي ذكره ابن تيمية -رحمه الله، فأين هذا من الكفر الذي قالوا به ومما قعدوا عليه قاعدتهم أن الخطأ في معرفة حكم الله كفر، أو أن الخطأ المؤدي إلى العمل بغير حكم الله يخرج المسلم من الإسلام مهما صحت نيته؟!.

error: النص محمي !!