Top
Image Alt

“العرف”: تعريفه, أقسامه، حُجيته, الفرق بينه وبين العادة”, شروط العمل به

  /  “العرف”: تعريفه, أقسامه، حُجيته, الفرق بينه وبين العادة”, شروط العمل به

“العرف”: تعريفه, أقسامه، حُجيته, الفرق بينه وبين العادة”, شروط العمل به

مع مصدرٍ جديد من مصادر السياسة الشرعية، مصدرٍ يؤدي دورًا أساسيٍّا فيها بلا نزاع؛ بل إنه لا غنًى عن الإلمام به لكلِّ دارس أو باحث في أي باب في الفقه الإسلامي، حتى لقد احتكم إليه الفقهاء في كثير من مسائل الفقه الإسلامي الكبير، وقالوا: “العادة محكّمة”، وقالوا أيضًا: “المعروف عُرفًا كالمشروط شرطًا”، وحتى قال قائلهم:

والعُرفُ في الشّرع له اعتبارُ

*لِذا عليْه الحُكم قد يُدارُ

إنه العُرف إذًا. ولا شكّ أنّ العُرف أو العادة أو حتى الإجماع -باعتبار الصلة الوثيقة بين المصطلحيْن- جميعًا تدخل في السياسة الشرعية من أوسع أبوابها، وعلى كل مستوياتها الفردية والجماعية، الداخلية والخارجية، في السلم وفي الحرب، في واجبات الحاكم أو الإمام وفي حقوقه، أو في علاقاته بالمحكومين وعلاقتهم به، وكذلك ببعضهم البعض، وهكذا.

أولًا: تعريف “العُرف”:

“العرف” و”العادة” بمعنى واحد، وهو: ما تعارف عليه الناس في عاداتهم ومعاملاتهم، أو كما قال الغزالي: “”العادة” و”العُرف”: ما استقرّ في النفوس من جهة العقول، وتلقّتْه الطباع السليمة من أهل قطر إسلامي، بشرط ألا يخالف نصًّا شرعيًّا”.

فالغزالي جعَل العادة مرادفة للعرف، أمّا غيره من العلماء فيجعل العادة أعمّ وأوسع من العرف؛ لأنها إذا كانت خاصة بالإنسان فلا تسمّى عُرفًا، ثم هي تشمل كلّ متكرّر من الأقوال والأفعال، سواء أكان صادرًا عن الفرد أو الجماعة، وسواء أكان مصدره أمرًا طبيعيًّا كحرارة الإقليم وبرودته التي تجعل البلوغ عادة مبكّرة، أم كان مصدره العقل، وتلقي الطباع له بالقبول وهو: “العرف”، أم كان مصدره الأهواء والشهوات، كالفسق وشهادة الزور ممّا يسميه الفقهاء: “فساد الزمان”.

ومن الفقهاء من قصَر العادة على نوع من العُرف وهو: العرف العملي فقط, لكن سنأخذ بالقول بأنهما مترادفان، ونخلص إلى أنّ “العرف” هو: ما اعتاده الناس وألِفوه، فعلًا كان أو قولًا، دون معارضة لنصّ.

والعُرف عند أغلب الأئمّة مُعتبَر، إن لم يخالف نصًّا ولم يُبطله شرع، كعُرف التّبنِّي وكثير من أعراف الجاهلية التي أبطلها الإسلام؛ لِما فيها من المفاسد، منها: أكل الربا، وشرب الخمر، ونحوهما. أمّا في غير ذلك، فالعُرف معتبَر والعادة محكّمة؛ لأنّ تعارف الناس أمرًا, وتعاملهم به يدل على استقرار مصلحتهم فيه ومناسبته لظروفهم، كما لو كان عرف أهل البلد مثلًا: أنّ المرأة تقبض مهرها كلّه قبل الدخول، أو أنها تشتري بما تقبضه جهازًا, فيُعتبر ذلك ويُلزِمُ ولو لم يأمر به نص شرعي، ما لم يُنصّ في العقد على خلافه.

ثانيًا: أقسام العُرف:

ينقسم العُرف إلى عدّة أقسام باعتبارات مختلِفة، وبيان ذلك على النحو الآتي:

القسم الأول: عُرف عامّ، وعُرف خاص:

أ. العُرف العام:

هو الذي يعمُّ الناس جميعًا، وينتشر بينهم دون نكير منهم؛ كالتّوسّع في النفقة في الأعياد والأعراس مثلًا، وكاستعمال لفظ “الولد” للذكور من الأولاد دون الإناث. ومثله أيضًا: تعارف الناس على عقود الاستصناع، والجلوس في المقاهي والأندية من غير تحديد مدّة.

ب. العرف الخاص:

هو ما انتشر في بلد أو قبيلة أو طائفة من الناس، ومنه: اصطلاحات أهل كلِّ فنّ في فنّهم، والزِّيّ الذي يرتديه أهل الصناعات والحِرَف، وما إلى ذلك.

القسم الثاني: عُرف قوليّ، وعُرف عمليّ:

أ. العرف القولي:

هو ما حوّل اللفظ عن وضعه اللغوي الأصيل إلى وضْع مختلِف عنه؛ كإطلاق لفظ “الولد” على الذّكر دون الأنثى، مع أنّ الأصل اللغوي يُفيد شموله لهما؛ وهو ما جرى عليه القرآن في آيات المواريث. وكذلك تقييد لفظ “دابّة” بذوات الأربع كالفَرس والبقرة مثلًا، مع أنّ الأصل اللغوي لها يشمل كلّ ما يدبّ على الأرض.

ب. العُرف العملي:

هو ما جرى عليه عُرف الناس في حياتهم، وتعارفوه في تعاملاتهم وتصرّفاتهم؛ وهو كثير، كما لو جرَت العادة بلباس معيّن كلُبس العمامة، أو كشف الرأس، وضمان إصلاح سلعة معيّنة لمدّة سَنة مثلًا، ونحو هذا.

القسم الثالث: عرف صحيح، وعرف فاسد:

أ. العُرف الفاسد:

هو: ما أحلّ حرامًا، أو حرّم حلالًا؛ كاعتيادهم التعامل بالربا، أو شرب الخمر جهارًا، أو كشف العورات، أو عدم إقامة الشعائر الدينية في الحفلات، أو ما شابه ذلك. وهذا ما يجب إلغاؤه وعدم الاعتداد به، وإلا زالت الشريعة ودُرست معالِمها بمرور الزمان؛ ولذلك يُعتبر العُرف إذا لم يصادم نصًّا ثابتًا، أو إجماعًا يقينيًا، وكذلك إذا لم يكن مِن ورائه ضرر خالص أو راجح.

فأمّا العرف المصادم للنصوص الذي يُحلّ الحرام، أو يبطل الواجبات، أو يُقرّ البدع في الدِّين، أو يُشيع الفساد والضرر في دنيا الناس؛ فلا اعتبار له، ولا يجوز أن يراعَى في تقنين أو فتوى أو قضاء.

ب. العرف الصحيح:

هو ما لا يُحلّ حرامًا ولا يُحرِّم حلالًا؛ كاعتيادهم الإهداء إلى العروس قبل الزفاف، وجعْلهم المهر قسْمين: حالًا، ومؤجَّلًا إلى أقرب الأجليْن الموت أو الطلاق مثلًا، وتجهيز بيت الزوجية، ونحو ذلك.

وهذا النوع تجب مراعاته في الإفتاء والقضاء؛ لأن المقصود من التشريع: إصلاح حال الناس، وإقامة العدل بينهم في يُسر وسهولة؛ فإذا جرى الإفتاء أو القضاء على غير ما ألِفوه فاتت المصلحة، ووقعوا في ضيق وحرج.

ثالثًا: حُجِّيّة العُرف، وشروطه، ومجال إعماله في السياسة الشرعية:

أ. حُجِّيّة العُرف:

ممّا يدل على أن العرف مُعتبَر في الشّرع أمور كثيرة، نذكر منها:

الدليل الأول: قول الله عز وجل: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِين} [الأعراف: 199]، والعُرف هو: ما تعارف عليه أهل العقول السليمة والطباع المستقيمة، ممّا تقتضيه ظروف الناس وأحوالهم. وقد ترك الشرع أشياء كثيرة للعُرف الصالح يحكم فيها، ويعيِّن حدودها وتفاصيلها، كما في قوله عز وجل مثلًا: {وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 233]، وقوله: {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 241]؛ فالمعروف هو المحكّم في تحديد النفقة للمرأة، والمُتعة للمطَلّقة، في ضوء حال الزوج يسارًا وإعسارًا، ومستوى الأسعار غلاءً ورخصًا.

الدليل الثاني: قوله الله عز وجل: {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ} [الطلاق: 7]، حيث أرجع تقدير نفقة المرضع إلى العُرف, غِنًى وفقرًا.

ومن ذلك أيضًا: قول النبي صلى الله عليه وسلم لهند بنت عتبة: ((خُذي ما يَكفيك, وولَدَك بالمعروف))، حيث أحال في نفقة الزوج والولد إلى العُرف؛ ولذلك قال الحافظ ابن حجر: “فيه اعتماد على العُرف في الأمور, التي لا تحديد فيها من قِبَل الشارع”.

الدليل الثالث: قولهم: إنّ العرف العام يتضمّن الإجماع؛ فالإجماع خاص بأهل الاجتهاد، والعُرف يدخل فيه أهل الاجتهاد وغيرهم. ويكون الفرْق بين العُرف والإجماع من ناحية أنّ العُرف يتحقّق بأغلب الناس، والإجماع لا يتحقّق إلا باتفاق جميع المجتهدين. كما أنّ الإجماع قاصر على المجتهدين فقط، أو أهل الحل والعقد، أمّا العرف فيكون منهم ومن العامة أيضًا.

وأخيرًا، فإنّ حُجِّيّة العُرف قاصرة على من تعارفوا عليه، أمّا الإجماع فيكون حُجّة على الناس جميعًا إذا تحقّق.

ومن جهة أخرى، قالوا: إنّ نزْع الناس عن أعرافهم وعاداتهم فيه حرج عظيم، والحرج منتفٍ في الشريعة للأدلّة الواردة بذلك، مثل قوله عز وجل: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78]. فمعارضة المتعارَف عليه دون ضرورة مخالفته لنص أو حُكم مُجمَع عليه، فيه تضييق على الناس وإحراجهم.

أخيرًا، قالوا: إن الشريعة أتت بإلغاء بعض الأعراف الفاسدة، وأتت بأعراف جديدة تتضمّن مصالح، وأبقت على أعراف فيها خير وتيسير على الناس؛ ولا سيما في أبواب المعاملات، من بيْع ورهن، وإجارة وسَلَم، وإحياء الموات، وغير ذلك.

بل إنّ الفقهاء اعتمدوا على العُرف في مسائل كثيرة في العبادات، والعقوبات، وأحكام الأسرة، مثل: الأفعال المنافية للصلاة، وقوت البلد في الزكاة، والأموال الربوية كيلًا أو وزنًا، وأقلّ سنّ الحيض، وسنّ البلوغ, ونحو هذا كثير جدًّا.

ب. شروط العمل بالعرف, عند القائلين به:

اشترط الفقهاء في العرف لوجوب الإلزام به، أو بناء الحُكم الشرعي عليه عدّة شروط، أهمها ما يلي:

الشرط الأول: ألا يصادم نصًّا شرعيًّا من الكتاب أو السُّنّة؛ فلو تعارف مثلًا بعض طبقات المجتمع على أن تقدِّم الخمور في حفل الزواج، لم يلزم ذلك الزوج ولم يَجُز له أن يفعَله؛ إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. وكذلك لو تعارفوا على تبرّج المرأة وتكشّفها أمام الناس، أو على التعامل الربوي، أو تعاطي القمار أو الرشوة، أو غير هذا ممّا يندرج تحت الأعراف أو العادات المخالِفة لنصوص الشريعة وقواعدها العامة.

الشرط الثاني: أن يكون العرف مطّردًا أو غالبًا، فإن اختلفت العادات أو تغيّر العرف في أمْر ما مثلًا، وكان الذين يفعلونه أقلّ أو مساوين لِما يفعلونه، لا يلزم.

الشرط الثالث: أن يكون سابقًا أو مقارنًا لزمن التعاقد أو للواقعة؛ فإن كان قبْلها ثم زال؛ لم يلزم. وكذلك لو لم يتكوّن العرف إلا بعدها, ومن ثَمّ قالوا: إن عرف الواقف يفسِّره زمنُه, لا زمن غيره.

الشرط الرابع: ألا يعارضه تصريح بخلافِه؛ لأنّ النص مقدّم على السكوت. فالمعروف كالمشروط، ما لم يتّفق العاقدان مثلًا على خلافه، فيعمل حينئذٍ بالاتّفاق ولا يُعمل بالعرف.

ج. مجال إعمال العرف في السياسة الشرعية:

وتبقى الإشارة إلى مجالات إعمال العُرف؛ لأهمِّية بيان ذلك في السياسة الشرعية، فمن هذه المجالات: الحالات التي أحال الشارع فيها على العمل بالعرف، وهي كثيرة في القرآن والسُّنة، ثم في الفروع الفقهية التطبيقية بعد ذلك, ومن أمثلتها: إحالة الشارع مقادير الإنفاق على العرف.

من مجالات إعمال العرف أيضًا: تفسير النصوص التي وردت في الشريعة مطلَقة, ممّا لا ضابط له فيها ولا في اللغة, ومن أمثلة ذلك: تحديد ما يكون حرزًا في السرقة، وما يكون به إحياء الموات.

ولا شك أن مجاله رحب؛ ولا سيما في فقه المعاملات بين المسلمين، بل حتى مع غيرهم، كالألفاظ والتصرفات التي جرى العرف المعتبَر أو الصحيح بها في التعامل الدولي من معاهدات وحصانات وغيرها… فالعرف يرجع إليه في كثير من أمور السياسات؛ ومن ثَم يجب على وليّ الأمر، أو الحاكم المسلم: أن يراعيَ الأعراف اللغوية والسلوكية في تشريع الأحكام الوضعية، أو استصدار ما يكون قانونًا عامًّا ترجع إليه الأمّة في أمورها وتصرّفاتها؛ بما يُحقِّق مصالحها والغرض من هذه التشريعات التي تحكمها.

وهكذا يكون العُرف مصدرًا من المصادر, التي تؤدِّي دورًا في الفقه الإسلامي بعامة، والسياسة الشرعية بخاصة.

error: النص محمي !!