Top
Image Alt

العقيقة؛ حكمها، ومحلها، ومن يُعَقّ عنه، وكم يعق؟ ووقتها، وسنها، وصفتها، وحكم لحمها

  /  العقيقة؛ حكمها، ومحلها، ومن يُعَقّ عنه، وكم يعق؟ ووقتها، وسنها، وصفتها، وحكم لحمها

العقيقة؛ حكمها، ومحلها، ومن يُعَقّ عنه، وكم يعق؟ ووقتها، وسنها، وصفتها، وحكم لحمها

أولًا- كتاب العقيقة:

والقول المحيط بأصول هذا الكتاب ينحصر في ستة أبواب: الأول: في معرفة حكمها، والباب الثاني: في معرفة محلها، والباب الثالث: في معرفة من يعقّ عنه وكم يعق -يعني: كم تكون العقيقة- والباب الرابع: في معرفة وقت هذا النسك، متى نعق، الباب الخامس: في سن هذا النسك وصفته، سن العقيقة وصفتها، والباب السادس: في حكم لحمها وسائر أجزائها.

تلك هي الأبواب الستة التي قسّم ابن رشد كتاب العقيقة إليها.

معنى العقيقة:

يقول الخطيب الشربيني -رحمه الله-: فصل في العقيقة: من عَقَّ يِعِقّ أو يَعُقّ بكسر العين وضمها: عَقّ يَعُقّ أو عَقّ يَعِقّ، وهي في اللغة معناها: اسم للشعر الذي يكون على المولود حين ولادته.

أما المعنى الشرعي لها، فهي: ما يذبح على المولود عند حلق شعره.

سميت الذبيحة التي نذبحها للمولود في يوم سابعه، سميت باسم الشعر الذي يُزَال عنه؛ تسمية للشيء باسم سببه، ولأن من يذبح العقيقة يعق -أي: يشق ويقطع- ومقتضى كلامهم والأخبار التي وردت فيها أنه لا يكره تسميتها عقيقة وهذا هو المشهور، لكن روى أبو داود أنه صلى الله عليه وسلم قال للسائل عنها: ((لا يحب الله العقوق)) فقال الراوي: كأنه كره الاسم، ويوافقه قول ابن أبي الدم: قال أصحابنا: يستحب تسميتها نسيكة أو ذبيحة، ويكره تسميتها عقيقة كما يكره تسمية العشاء عتمة، والحقيقة أن هذا الكلام غير صحيح؛ لأننا سنعلم من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سماها عقيقة؛ حيث قال صلى الله عليه وسلم: ((الغلام مرتهن بعقيقته، تذبح عنه يوم السابع، ويحلق رأسه ويسمى)) وكما قال أيضًا: ((أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتسمية المولود يوم سابعه ووضع الأذى عنه والعق)) والعق يعني: العقيقة.

إذًا لا بأس بتسمية هذه الذبيحة عقيقة أو غير ذلك من الأسماء الواردة: ذبيحة ونسيكة وهكذا؛ ولذلك صار الفقهاء على هذا، فهذا ابن رشد يسمي هذا الكتاب كتاب العقيقة، وهذا الخرقي -رحمه الله- يقول: والعقيقة سنة عن الغلام شاتان وعلى الجارية شاة، قبل أن نسترسل في بيان الحكم فإننا نأخذ من ابن قدامة المعنى، العقيقة: هي الذبيحة التي تذبح عن المولود، وقيل: هي الطعام الذي يُصنع ويُدعى إليه من أجل المولود. قال أبو عبيد: الأصل في العقيقة الشعر الذي على المولود وجمعها عقائق.

الباب الأول: في معرفة حكمها:

قال ابن رشد -رحمه الله-: فأما حكمها فذهبت طائفة منهم الظاهرية إلى أنها واجبة، أما جمهور العلماء فقالوا: إنها سنة، وأما أبو حنيفة فقد خالف القولين وذهب إلى أنها ليست فرضًا ولا سنة بل هي تطوع، وقد قيل: إن تحصيل مذهبه أنها عنده تطوع.

يقول ابن رشد: وسبب اختلافهم تعارض مفهوم الآثار في هذا الباب، وذلك أن ظاهر حديث سمرة، وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((كل غلام مرتهن بعقيقته، تذبح عنه يوم سابعه ويماط عنه الأذى)) يقتضي الوجوب؛ لأن الغلام مرتهن بعقيقته، وظاهر قوله صلى الله عليه وسلم وقد سُئل عن العقيقة فقال: ((لا أحب العقوق، ومن ولد له ولد فأحب أن ينسك عن ولده فليفعل)) وهذا الحديث يقتضي الندب أو الإباحة، فمن فهم منه الندب قال: العقيقة سنة. ومن فهم الإباحة قال: ليست بسنة ولا فرض، وهو أبو حنيفة، وخرَّج الحديثين أبو داود. ومن أخذ بحديث سمرة وهم أهل الظاهر أوجبها.

ويقول ابن قدامة -رحمه الله-: العقيقة سنة في قول عامة أهل العلم منهم: ابن عباس، وابن عمر، وعائشة، والتابعون، وأئمة الأمصار، إلا أصحاب الرأي -يعني: أبو حنيفة وأصحابه- قالوا: ليست سنة وهي من أمر الجاهلية، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن العقيقة فقال: ((إن الله تعالى لا يحب العقوق)) فكأنه كره الاسم وقال: ((مَن ولد له مولود فأحب أن ينسك عنه فليفعل)).

وقال الحسن وداود -أي: داود بن علي الظاهري-: هي واجبة. وروي عن بُريْدة أن الناس يعرضون عليها كما يُعرضون على الصلوات الخمس؛ لما روى سمرة بن جندب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((كل غلام مرتهن بعقيقته، تذبح عنه يوم سابعه، ويسمى فيه، وتحلق رأسه)) وعن أبي هريرة مثله، وقال أحمد: إسناده جيد، وروى حديث سمرة الأثرم وأبو داود، وعن عائشة: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرهم عن الغلام بشاتين وعن الجارية بشاة)) وظاهر الأمر الوجوب.

وقد رجح ابن قدامة الاستحباب والسنية بقوله: ولنا على استحبابها هذه الأحاديث التي ذكرناها. وعن أم كرز الكعبية قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((عن الغلام شاتان مكافئتان وعن الجارية شاة)) وفي آخر: ((عن الغلام شاتان مثلان وعن الجارية شاة)) وفي رواية: ((العقيقة عن الغلام شاتان)).

والإجماع، قال أبو الزناد: العقيقة من أمر الناس كان يكرهون تركها، وقال أحمد: العقيقة سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

الباب الثاني: في معرفة محلها:

يقول ابن رشد –رحمه الله-: وأما محلها فإن جمهور العلماء على أنه لا يجوز في العقيقة إلا ما يجوز في الضحايا من الأزواج الثمانية: الإبل، والبقر، والغنم، والمعز، ذكورها وإناثها. وأما مالك فاختار فيها الضأن على مذهبه في الضحايا، حيث يفضل الكباش على الإبل والبقر، فاختار للعقيقة أن تكون من الأغنام أو الضأن، واختلف قوله: هل يجزي فيها الإبل والبقر أو لا يجزي؟

وسائر الفقهاء على أصلهم أن الإبل أفضل من البقر، والبقر أفضل من الغنم.

يقول ابن رشد: وسبب اختلافهم تعارض الآثار في هذا الباب والقياس. أما الأثر فحديث ابن عباس رضي الله عنهما ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عقّ عن الحسن والحسين كبشًا كبشًا)) وفي رواية: ((بكبشين كبشين)) وقوله: ((عن الجارية شاة وعن الغلام شاتان)) فهذا سرّ التفضيل أن الأغنام أفضل، خرجهما أبو داود.

وأما القياس الذي أخذ بجمهور الفقهاء فلأنها نسك -أي: تقرب إلى الله- فوجب أن يكون الأعظم فيها أفضل -الأعظم لحمًا كالإبل والبقر- قياسًا على الهدي -هدي الحج- وعلى الأضاحي.

الباب الثالث: في معرفة من يُعَق عنه، وكم يُعق؟.

قال ابن رشد -رحمه الله-: وأما من يُعق عنه فإن جمهور العلماء على أنه يُعق عن الذكر والأنثى الصغيرين فقط. وشذ الحسن فقال: لا يُعق عن الجارية وهذا شذوذ وبُعد. وأجاز بعضهم كالشافعي أن يُعق عن الكبير إلى سن البلوغ -يعني: من لم يعق عن المولود في يوم السابع أو في السنة الأولى أو وهو صبي يمكن أن يَعق عنه إلى البلوغ- أما من بلغ فيعق عن نفسه إن شاء.

ودليل الجمهور على تعلقها بالصغير قوله صلى الله عليه وسلم: ((يوم سابعه))، ودليل من خالف أنها تستمر إلى البلوغ أو حتى بعد البلوغ ما روي عن أنس: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم عقّ عن نفسه بعدما بعث بالنبوة)) يعني: بعد الأربعين، ودليلهم أيضًا على تعلقها بالأنثى قوله صلى الله عليه وسلم: ((عن الجارية شاة، وعن الغلام شاتان)) ودليل من اقتصر بها على الذكر قوله صلى الله عليه وسلم: ((كل غلام مرتهن بعقيقتة)) والغلام هو الذكر.

إذًا هناك احتمالات عديدة، ولكن الصحيح ما ذهب إليها الجمهور في أن العقيقة تتعلق بالصغير وحبذا لو كانت يوم السابع، وتستمر لحين ميسرة، وتستمر أيضًا إلى البلوغ، أما من بلغ فيمكن أن يعق عن نفسه كما قال الشافعي. والصحيح أيضًا أن العقيقة تكون على الذكور والإناث كما جاء في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم.

الباب الرابع: في معرفة وقت هذا النسك.

يقول ابن رشد –رحمه الله-: وأما وقت هذا النسك فإن جمهور العلماء على أنه يوم سابع المولود، كما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: ((تذبح عنه يوم سابعه))، ومالك لا يعدّ في الأسبوع اليوم الذي ولد فيه إن ولد نهارًا. وعبد الملك بن الماجشون يحتسب به -أي: يعدّه.

وقال ابن القاسم في (العتبية): إن عق ليلًا لم يجزئ، واختلف أصحاب مالك في مبدأ وقت الإجزاء؛ فقيل: وقتها وقت الضحايا -يعني: الضُّحى- وقيل: بعد الفجر قياسًا على قول مالك في الهدايا، ولا شك أن من أجاز الضحايا ليلًا -كما سبق أن ذكرنا في الأيام والليالي التي تتخلل أيام التشريق- أجاز هذه ليلًا، وقد قيل: يجوز في السابع الثاني والسابع الثالث –يعني: في اليوم الرابع عشر واليوم الحادي والعشرين- وكما قال الشافعية: تجوز إلى سن البلوغ على من تلزمه نفقة هذا الغلام، ومن لم يعق عنه عليه أن يعق عن نفسه.

الباب الخامس: في سنّ هذا النسك وصفته.

يقول ابن رشد: وأما سن هذا النسك وصفته فهو سن الضحايا وصفتها الجائزة، أي: بالنسبة للصفات يتقي فيها من العيوب ما يتقي في الضحايا: العرجاء، العوراء، الهزيلة، المريضة. وبالنسبة للسن ما مضت عليه سنة من الضأن، وسنتان من المعز، وكذلك الثنية من البقرة، ومن الإبل ما مضى على ولادتها. أربع سنوات فأكثر.

إذًا سن العقيقة كسن الأضحية، وصفة ما تصحّ به العقيقة كصفة ما تجوز به الأضحية.

ثم قال ابن رشد: ولا أعلم في هذا خلافًا في المذهب ولا خارجًا منه، يعني: ليس هناك خلاف بين العلماء، لا في المذهب المالكي ولا في غير المذهب المالكي في السن التي تجوز العقيقة عندها، ولا في الصفات الخاصة بإجزائها.

الباب السادس: في حكم لحمها وسائر أجزائها.

يقول ابن رشد: وأما حكم لحمها وجلدها وسائر أجزائها فحكم لحوم الضحايا في الأكل والصدقة ومنع البيع، يعني: يقسمها أثلاثًا: ثلث لأهل البيت وهذا المدخر، وثلث للأجر يدعو إليه الأصدقاء وألي الأرحام، وثلث للصدقة. ويمنع منعًا باتًّا بيع شيء منها كالجلد أو الشعر أو الذيل أو الظفر أو غير ذلك.

ثم قال ابن رشد: وجميع العلماء على أنه كان يُدَمّ رأس الطفل في الجاهلية بدمها، وأنه نُسخ في الإسلام، وذلك لحديث بريدة الأسلمي قال: ((كنا في الجاهلية إذا وُلد لأحدنا غلام ذبح له شاة ولطّخ رأسه بدمها، فلما جاء الإسلام كنّا نذبح ونحلق رأسه ونلطخه بزعفران)) وشذّ الحسن وقتادة فقالا: يمس رأس الصبي بقطنة قد غمست في الدم، وهذا خطأ، والصحيح أنه لا يفعل شيء من ذلك؛ لأن هذا من آثار الجاهلية، أما وقد أعزنا الله بالإسلام فلنكن على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نفعل شيئًا من ذلك.

واستحب بعض العلماء كسر عظامها لما كانوا في الجاهلية يقطعونها من المفاصل، واختلف الفقهاء في حلاق رأس المولود يوم السابع والصدقة بوزن شعره فضة، فقيل: هو مستحب، وقيل: الحلق غير مستحب، أما الصدقة فلا بأس، والقولان عن مالك، والاستحباب أجود وهو قول ابن حبيب؛ لما رواه مالك في (الموطأ): “أن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم حلقت شعر الحسن والحسين وزينب وأم كلثوم وتصدقت بزنة ذلك فضة”.

error: النص محمي !!