Top
Image Alt

العلاقة الوطيدة بين الدولة والتربية

  /  العلاقة الوطيدة بين الدولة والتربية

العلاقة الوطيدة بين الدولة والتربية

ظل التعليم فترة طويلة مسئولية وزارة يطلق عليها “المعارف العمومية”، تساندها بعض الجمعيات الخيرية, التي آمنت بأهمية التعليم لشعب يريد النهوض.

وكانت مراحل التعليم تبدأ من الأولية -أي: رياض الأطفال- وصولًا إلى إتمام الدراسة الثانوية؛ لينتقل من يشاء من خريجيها إلى التعليم العالي الذي بدأ في شكل معاهد عليا، ومنها ما كان يعنى بإعداد العاملين في الحقل التربوي اللازم لتزويد المنظومة التعليمية بمعلمين ومعلمات، مفسحة بذلك مساحة للمرأة تخدم فيها مجتمعًا كان يضيق الخناق عليها في التخصصات الأخرى، حتى الصحة التي ظلت مشاركتها فيها من قبيل المهن الحرة, التي تنتقل من جيل إلى آخر.

وكان للجهد المدني الفضل في إنشاء أول جامعة مصرية, سرعان ما بسطت الدولة عليها سلطانها، ولم تبخل عليها بما يلزمها من موارد، في مقدمتها الموارد البشرية، وحين كان للتعليم الرسمي شأنه, كان يتلقف المتعثرين فيه علميًّا أو ماديًّا مدارس خاصة ترضى بأجور بسيطة؛ لتفتح مجالًا لبعض التلاميذ وبعض المعلمين.

ويحلو للبعض أن يضيف إلى تلك المنظومة الكتاتيب, بقدرتها على النفاذ إلى الأزقة والكفور والنجوع؛ لتقود الصغار إلى عالم الحروف والأرقام، وتلقنهم أصول دينهم، وإجادة تلاوة القرآن الكريم.

وكانت لشخصية سيدنا وعصاه -ذلك الذي كان يطلق على الشيخ- التي لا تضل طريقها لكل من يخطئ, ذكرى لا تمحوها الأيام؛ لأنها كانت توفر قدرًا من التربية, يستعين به الآباء في ترويض الصغار ليصبحوا كيانات يسهل اندماجها معًا في مجتمع, كانت له نواميسه الثقافية المتوارثة أبًا عن جد.

ومع التغير الذي أصاب الدولة, تغير اسم الوزارة من المعارف إلى “التربية والتعليم”؛ لكي تمتد المنظومة التعليمية إلى مساحة تربوية تتفق على أمرين:

الأول: امتداد التعليم بجميع مراحله إلى جميع فئات المجتمع، وهو ما كان يتطلب تنظيم تناغم مجموعات, تتباعد المسافات الاجتماعية بين أفرادها.

والثاني: تعويض النقص في إعداد الآباء أنفسهم لاستيعاب مفاهيم التقدم والتحديث، وإعداد الجيل الناشئ لمهام التنمية, التي كانت هي الثمرة المنشودة من تخليص المجتمع من آفات التخلف التي غرسها الاستعمار، خاصة في ظل الثنائية التي حرص على ترسيخها تحت مظلة الامتيازات الأجنبية؛ لتتيح للأجانب فرصًا للعمل اللائق والدخل المرتفع، كانت حرامًا على أصحاب الحق من المواطنين، ومع تصاعد المد الوحدوي العربي كان لا بد من مراجعة شاملة للمواد التعليمية؛ لتهيئ الشباب لمفهوم المواطنة العربية.

ولسنا بصدد تقييم مدى النجاح في ابتداع آليات تناسب تلك الأهداف العريضة، ولكننا نود إبراز عدد من التغييرات التي أدخلت على المنظومة التعليمية، انحرفت بها عن تلك الأهداف, ووجهتها لأهداف بديلة تسربت إلى مراكز اتخاذ القرار، محدثة انقلابات غير معلنة على كل ما تبنته ثورة يوليو من أهداف, رغم استتارها وراء راياتها على سبيل التضليل.

فبدون استناد إلى أي تبرير بيداجوجي دقيق, بدأ العبث بسنوات التعليم في فترة عمرية، حيث تعرضت لقلق حول أوضاعها ومصائرها، وتم الكثير من الحروب الطاحنة حول مفاهيم استقرت على المستوى العالمي, الذي يرعاه اليونسكو والإلكسو بشأن مجانية التعليم، وفقد المعلم مكانته الاجتماعية لتصبح مهنة التعليم مهنة منفرة، بينما غزاها البعض في مستنقع الدروس الخصوصية.

واستحدثت صنوف من التعليم باسم الإسلام تارة، وباسم اللغات تارة أخرى؛ لتدور حرب خفية بين فئات انحرفت بالتعليم إلى مسرحٍ؛ لإعادة تشكيل المجتمع من باب خلفي، وتعرض التعليم العالي لضربات قاصمة بدوره ليتحول أساتذته إلى أستاذ حقيبة, تحمل أوراقًا يستعين بها في جني قروش معدودات, وبالمشاركة في مؤتمرات وندوات تحولت إلى مكلمات بلا مضمون، بل الأدهى أنها كثيرًا ما كان مضمونها يندرج تحت عنوان “السرقة الفكرية”.

إن مفهوم إكساب التعليم أولوية لا يعني مجرد حصوله على نسبة أعلى من موازنة هزيلة، وليس مجرد نظرة إليه كعملية لها مدخلات تترتب عليها مخرجات, تقاس بمدى صلاحية الخريجين لسوق عمل كليلة وقليلة.

فالأولوية لا تعني الاستئثار، بل تدعو إلى استحضار التعليم في مناقشة مختلف إستراتيجيات العمل وبرامجه، بدءًا بالإستراتيجية العامة للتنمية. وتحمّل الدولة المسئولية لا يعني انفرادها بشئونها؛ بل لا بد من رسم خريطة تشارك فيها كافة تشكيلات المجتمع، سواء من ناحية الأسرة، أو وحدات المجتمع المدني وقطاع الأعمال.

غير أن فاعلية هذه المنظومة رهن بتوفر البيئة القادرة على استيعاب نواتجها، وتوفير متطلباتها، ومساندة خطاها، وهنا يأتي دور السلوكيات التي تحكمها تربية قويمة. وإذا كان المجتمع قد مر في العقود الأخيرة بخطى تطور, انتقلت به من حيث كانت المدرسة هي أداة التخلص من حالة الجمود في وضع التخلف، بل والنهوض بالأسرة ذاتها من منظومة متوارثة ضبطت إيقاع التخلف؛ لتكون جهاز تطوير يقبل مفهوم التطور، ويهيئ المناخ اللازم للإبداع والعطاء اللذين يوفر التعليم السليم القاعدة للانطلاق نحوهما.

ويتطلب هذا تفاعلًا مجتمعيًّا يواصل تصويب المنظومة الثقافية, التي تضع الضوابط لعملية تربوية مجتمعية، هي الأساس فيما ننشده من سيادة ديمقراطية، شعارها احترام النفس وتقدير الآخر.

error: النص محمي !!