Top
Image Alt

العلاقة بين الإسلام والعلم، والإعجاز العلمي في القرآن الكريم

  /  العلاقة بين الإسلام والعلم، والإعجاز العلمي في القرآن الكريم

العلاقة بين الإسلام والعلم، والإعجاز العلمي في القرآن الكريم

أولًا: العلاقة بين الإسلام والعلم: يشتمل هذا العنصر على عدة نقاط، هي:

النقطة الأولى: قواعد المنهج العلمي في القرآن الكريم: ونبين هذه القوعد لأن هناك من الناس -خاصة المفتونين- مَنْ يباهي بما في هذا العصر من مكتشفات العلم، ومستحدثات الاختراع، ويتشدقون بالدعاوى الفارغة، ومنها: أن التفكير الديني تفكير غيبي لا يصلح نظامًا لحياة، ولا منهجًا لبناء أمة، وأن سواء الصراط في معتقدهم هو الفكر العلماني، واللا ديني، ونبيِّن لهؤلاء أن القرآن الكريم هو أعظم دعوة عرفتها الأرض، والتي وضعت العلم الصحيح في موضعه من نفع البشر وإصلاح حالهم، وإنك لواجد في كتاب الله العديد من آيات القرآن التي تأمر بالبحث والنظر، وتحض على الدرس والاختبار والتجريب، فإذا كان العلم لا يعتمد غير الدليل والبرهان، فها هو القرآن الكريم يجعل البرهان هو الفيصل بينه وبين خصومه، فيقول الله رادًّا على دعاوى اليهود في أن الجنة حكر لهم: {تِلْكَ أَمَانِيّهُمْ}، ثم يتحداهم أن يأتوا بالبرهان، فيقول سبحانه: {وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنّةَ إِلاّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىَ تِلْكَ أَمَانِيّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 111].

بل إن أعظم قضية في الوجود كله هي التوحيد، وأكبر كبيرة هي الشرك، ومع ذلك فإن القرآن الكريم يطالب المشركين بالبرهان المصدق لزعمهم أن مع الله آلهة أخرى، فيقول سبحانه: {وَمَن يَدْعُ مَعَ اللّهِ إِلَـهَا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبّهِ إِنّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} [المؤمنون: 117]، وسدد الله مقالة أصحاب الكهف؛ إذ قالوا: {هَـَؤُلآءِ قَوْمُنَا اتّخَذْواْ مِن دُونِهِ آلِهَةً لّوْلاَ يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمّنِ افْتَرَىَ عَلَى اللّهِ كَذِباً} [الكهف: 15].

فهم يبينون أن النزاع بينهم وبين قومهم هو أنهم يعبدون من دون الله آلهة، وأن الذي يفصل في هذا النزاع هو أن يأتوا بسلطان بين، يؤيد زعمهم، وتأملْ تسمية القرآن الكريم للبرهان بأنه سلطان، ووصفه لهذا السلطان بأنه يجب أن يكون بينًا، وأرسل الله أنبياءه بالمعجزات الملموسة القاطعة، وسمى هذه المعجزات آية وعلامة دالة على صدق هذا النبي، كما قال تعالى: {سَلْ بَنِيَ إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مّنْ آيَةٍ بَيّنَةٍ} [البقرة: 211]، وكما في قوله تعالى: {وَمَا مَنَعَنَآ أَن نّرْسِلَ بِالاَيَاتِ إِلاّ أَن كَذّبَ بِهَا الأوّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالاَيَاتِ إِلاّ تَخْوِيفاً} [الإسراء: 59].

ولقد ذَكَرَتْ آيات عديدة من الآيات الكونية؛ لتحرك العقول، ولتستلفت الأنظار إلى آيات الله في الكون كله؛ فهناك آياتٌ تحث على النظر في الأرض، كما في قوله تعالى: {وَفِي الأرْضِ آيَاتٌ لّلْمُوقِنِينَ (20) وَفِيَ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} [الذاريات: 20، 21]، ويقول جل ذكره: {قُلْ سِيرُواْ فِي الأرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمّ اللّهُ يُنشِىءُ النّشْأَةَ الاَخِرَةَ إِنّ اللّهَ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [العنكبوت: 20]؛ فهل يتصور متصور أن أمره تعالى إلى عباده: {فَانظُرُواْ كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ} هي دعوة لهم أن يفتحوا أعينهم ويغمضوها، أو أن يقلبوا أبصارًا شاردة زائغة، أم أن القرآن بقوله: {فَانظُرُواْ كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ} إنما دعاهم إلى النظرة العلمية الفاحصة المدققة، وتأمل قوله تعالى: {بَدَأَ الْخَلْقَ} مع أنه تعالى يقول: {مّآ أَشْهَدتّهُمْ خَلْقَ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتّخِذَ الْمُضِلّينَ عَضُداً} [الكهف: 51]، فهذه آيات تظهر فيها تكاملية الإسلام، وشمولية منهجه، وأنه الدين الذي يربي أتباعه على أن يأخذوا قسطًا من المادة، وألا يغفلوا نصيبهم من حقوق الروح، وهؤلاء هم الذين يبتغون فيما آتاهم الله الدار الآخرة، ولا ينسون نصيبهم من الدنيا.

إذًا المنهج العلمي في القرآن الكريم وَضَعَ قاعدة هامة، وهي النظر في ملكوت السموات والأرض، بل تقليب النظر، والاستفادة مما أودعه الله عز وجل في هذا الكون، وأن يبحث الإنسان وأن يجتهد في التوصل إلى ما يفيده في هذه الحياة الدنيا، والقرآن الكريم أشار إلى ذلك في كثير من آياته.

النقطة الثانية: موقف أعداء الله من العلاقة بين القرآن والعلم:

لا بد عند حديثنا عن موقف الإسلام من العلم الكوني أن نشير إلى هذا الأمر؛ لأن هذه المسألة هي قضية متجددة لدوام محاولات الفكر البشري لفهم القرآن الكريم، وتدبر أسراره، والوقوف على بواطن إعجازه، والتتبع لمرامي غاياته، والباحثون في هذه القضية عمومًا عدة طرائق، فطائفة تجحد القرآن الكريم، وتناصبه العداء، وهي بالتالي تريد في قبح خبيث أن تتسلم موجة المد العلمي في عصرٍ فُتن فيه الناس بمعجزات العلم وفتوحاته أيما فتون؛ لإظهار العلاقة بين القرآن والعلم بأنها علاقة تناقض دائم، وتنافر موصول، وتريد إفساد عقائد المسلمين، وصرفهم عن دينهم باسم العلم، وهم دائمًا يعزفون نغمة واحدة: هي التشكيك في آيات القرآن الكريم باسم العلم، وصد الناس عن الأحكام باسم العلمانية، ويرددون بأن عصر المحراب قد انتهى، واستقبل الناس عهد المختبرات وغرف التشريح.

وهؤلاء إما صليبي أو صهيوني يحمل في قلبه مواريث الحقد على الإسلام وأمجاده، وشر الثلاثة أبناء الشيوعية الذين أشربوا في قلوبهم عبادة الأوهام الماركسية، وذلوا خانعين لطواغيتها، ونذكر هنا بعضًا من نماذج أقوال هؤلاء المجرمين.

يقول صاحب كتاب (الإسلام نشأته ومستقبله) عن العقائد التي تحاربها الشيوعية، وهو يدعو إليها، ويعتنقها، يقول: “ومن ضمن هذه البقايا الخرافات الدينية المخالفة للعلوم، ويمثل الدين الإسلامي إحدى هذه البقايا”. وقد خص هذا القائل الدين الإسلامي بالذات! ويقول: “ويمثل الدين الإسلامي إحدى هذه البقايا المحافظ عليها من قبل جزء من سكان الجمهورية السوفيتية”.

ثم يقول أيضًا: “فآراء القرآن والسنة عن الكون، وكذلك عن نشوء وتطور الحياة في الأرض، وعن أصل الإنسان- وليدة التأخر والجهل، وما هي إلا مقولات من الأساطير التي كُتِبَتْ في التوراة، وكتب في القرآن أن الله خلق جميع الحيوانات من الماء، وفي سبعة أماكنَ مختلفة يذكر القرآن الكريم كيف خُلِقَ الإنسان، ويناقض القرآن نفسه في هذه الخصوص؛ إذ يقول في المرة الأولى: إن الله خلق الإنسان من التراب، وفي الثانية: من الطين، وفي الثالثة: من خلاصة الطين”.

وهذا الكلام الباهت الذي صدر من حاقد على الإسلام ورسوله، وكتاب الله عز وجل لا يحتاج إلى مناقشة، ولكنَّنا أردنا أن نبين أن أعداء الله عز وجل وقفوا موقفا عجيبًا من القرآن الكريم، وحاولوا أن يقولوا للناس وأن يثبتوا- وهم على عماية وضلالة- أن القرآن الكريم لا علاقة له بالعلم، وزعموا- وبئس ما زعموا- أن القرآن الكريم يحارب العلم.

وفي الحقيقة يمكنني أن نقول: المثل السائر في هؤلاء: “رمتني بدائها وانسلت”. فهذا، وإن كان قد وُجِدَ عند الصليبيين فلن يوجد في الإسلام منه شيء، ولكنا هنا قبل أن نشير إلى شيء من ذلك نود أن نذكر موقف التبشير، ونعني بذلك: الحملات الصليبية في القديم والحديث في هذه القضية.

نقول: إن الأحقاد التي حملتها الصليبية – قديمًا وحديثًا- تجاه الإسلام جعلتها دائمًا وأبدًا تحاول النيل من الإسلام، وتسلك كل سبيل للقضاء عليه، ولقد سلك الاستعمار الصليبي سبيل الحرب والمؤامرة، كما سلك عملاؤه وأذنابه – سلكوا جميعًا- بث الدسائس، وزرع الفتن بين المسلمين.

أما أبواقه ودعاته فقد شنوا -ولا يزالون- حربًا فكرية تستهدف صرف المسلمين عن دينهم إلى المسيحية أو حتى إلى الإلحاد؛ لأن القضاء على هذا الدين غاية الغايات عند هؤلاء، وارتداد أتباعه أطيب المنى، ولقد أنشئت المعاهد والإرساليات والجامعات بتخطيط استعماري بعيد النظر طويل النفس، وبقلب ملئ بغضًا للإسلام، وكانت الغاية من هذه المؤسسات العلمية هي تنشئة أبناء المسلمين على طعام الاستعمار وموائد الصليبية؛ حتى يشبوا وقد أصبح الإسلام زادًا لم يعرفوا له طعمًا، وغذاء لم يروا له شكلًا.

واستهدفت الحملة الفكرية على الإسلام زعزعة عقائد المسلمين في الإسلام بشتى السبل، ومنها ادعاء مناقضة القرآن للعلم، وكانت كتابات كثير من المبشرين وصبيانهم تُعرِّض بهذا وتُصرِّح به وفق الأوضاع والظروف، وكانوا يصورون الإسلام على أنه عبارة عن أمور غيبية أو خرافات، وكانت العلمانية هي الراية التي رُفِعت – وما زالت ترفع- في حرب الإسلام.

ولقد وجد هؤلاء المجرمون في العلم الحديث اليوم فرصة لكي يتحدثوا فيه عن القرآن الكريم، وأن القرآن الكريم يناقض هذا العلم الحديث ويعارضه، وبئس ما زعموا وقالوا، فهذا قد وجد عندهم، ودعا أتباع الكنيسة إلى أن يخرجوا عليها، ووجد فيما عرف بعد ذلك بالعلمانية.

أما دين الإسلام فلا يتناقض ولا يتعارض مع العلم بحال، وقد أشرت في النقطة السابقة إلى أن القرآن الكريم يدعو إلى النظر وإلى التأمل، وإلى البحث في ملكوت السموات والأرض، وتتأكد هذه الحقيقة في النقطة التالية، وهي:

النقطة الثالثة: آراء بعض علماء المسلمين في هذه القضية:

سنسوق هنا بعضًا من أقوال علماء المسلمين؛ لندلل بها على أن أهل الإسلام وعلماء المسلمين لم يقولوا قط بأن القرآن يتعارض مع العلم الحديث، ولم يقفوا موقفًا عدائيًّا بحال من الأحوال مع العلم السليم الصحيح، وأول الأقوال التي نبدأ بها هو قول الشيخ عبد الوهاب خلاف -رحمه الله؛ حيث تعرض لهذا الموضوع في كتابه “علم أصول الفقه” عند حديثه عن وجوه إعجاز القرآن الكريم، وكان مما قال:

“القرآن أنزله الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم ليكون حجة له، ودستورًا للناس، وليس من مقصده -يعني: من مقصد القرآن الكريم- أن يقرر نظريات علمية، ولكنه في مقام الاستدلال على وجود الله ووحدانيته، والتذكير بآلائه ونعمه، جاء بآيات تُفهم منها سنن كونية كشف العلم الحديث براهينها، فكان ذلك برهانًا جديدًا على أن القرآن الكريم من عند الله تعالى، وعلى هذا الوجه من وجوه الإعجاز أرشد الله سبحانه وتعالى بقوله: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللّهِ ثُمّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلّ مِمّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (52) سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الاَفَاقِ وَفِيَ أَنفُسِهِمْ حَتّىَ يَتَبَيّنَ لَهُمْ أَنّهُ الْحَقّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبّكَ أَنّهُ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [فصلت: 52، 53]” 

ثم ذكر بعض الآيات الكريمة التي تتضمن صورًا من الإعجاز العلمي، وَرَدَّ على المحتجين بأن آيات القرآن الكريم لها مدلولات لا تتبدل، والنظريات العلمية عرضة للتغير والتبدل؛ بأنه يرى أن تفسير آية قرآنية بما كشفه العلم من سنن كونية ما هو إلا فهم للآية بوجه من وجوه الدلالة على ضوء العلم، وليس معناه أن الآية لا تفهم إلا لهذا الوجه من الوجوه.

ننتقل بعد ذلك إلى رأي عَلَم آخر من علماء الإسلام، وهو الدكتور محمد جمال الدين الفندي -رحمه الله، والدكتور الفندي كان أستاذًا للطبيعة الجوية بكلية العلوم بجامعة القاهرة، وقد اتجه في سنواته الأخيرة إلى بحث العلاقة بين القرآن الكريم والعلم، وقد أصدر في ذلك عدة مؤلفات، منها: (روائع الإعجاز في القرآن الكريم)، و(القرآن والعلم)، و(الكون بين الدين والعلم)، وغير ذلك، وسنبيِّنُ هنا نظرته إلى هذا المنهج من كتابه (الله والكون)؛ إذ يقول فيه:

“اتخذت من الكون مَعْلَمًا لي، منه أستمد حقائق، وإليه أرد تلك الحقائق مستخدمًا حواسي وعقلي، ولقد شاءت إرادة الخالق -جل شأنه- أن يتخذ في الكون أعجب النظم، وأروعها لتنفيذ إرادته، وإظهار آياته، وهي نظم وآيات أقرب ما تكون لفهم المتخصصين من العلماء الذين اتخذوا من الكون مَعْلَمًا لَهُمْ، وَعِندما تكلم الخالق في القرآن الكريم -وهو كتاب الله المقروء- كان من الطبيعي أن يستمد أمثلته وحكمه من الكون الذي هو كتاب الله المنظور، وليس من المعقول أن يخالف الكلام العمل -أي: لا يمكن أن يتحدث القرآن الكريم عن ظاهرة كونية كالسحاب أو السماء أو الرياح بطريقة تخالف ما نراه، وما نلمسه بالعقل- ولهذا ننادي بضرورة إظهار تلك الآفاق الواسعة التي فتحها أمامنا عصر العلم بطريقة سليمة لكثير من معاني الآيات الكونية في القرآن الكريم، مع أننا نقول: إننا لا نُحَمِّلُ القرآن الكريم ولا آيات القرآن الكريم ما لا طاقه لها به، ولا نوغل أيضًا في العلم على غير أساس أو تخصص”.

وقد أشار الدكتور الفندي إلى خطئين منهجيين يقع فيهما كثير ممن نصبوا أنفسهم للكتابة عن علاقة القرآن بالحقائق والنظريات العلمية، وهذان الخطآن أو الخطيئتان هما ظلم اللغة عمدًا أو عن جهالة بتحويل ألفاظها إلى دلالات ما عرفها عربي، ولا سمع بها أعجمي.

الأمر الثاني: القول علم العلم بغير علم؛ ادعاءً وتعالمًا، وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((المتشبع بما لم يعطَ كلابس ثوبي زور)).

وهناك رأي الأستاذ عبد الوهاب حمودة -رحمه الله تعالى، وكان أستاذًا بكلية الآداب بجامعة القاهرة، وله عدد من المؤلفات الإسلامية، وقد عالج الأستاذ هذا الموضوع، وناقش أدلة المانعين لاستخدام العلم، وَبَيَّنَ أن العلم لا يتعارض مع كتاب الله -تبارك وتعالى- طالما أنه علم صحيح مبني على أسس عليمة سليمة فقال:

“والرأي الذي نميل إليه هو أننا في حاجة شديدة إلى أضواء من العلم تكشف لنا عن حِكَمٍ وأسرار جاءت بها الآيات الكريمة، ولا ضرر من عدم قَصْرِ فهمه على ما عند العرب في علمها ومألوف معارفها؛ لأن القرآن الكريم أٌنزل للناس كافة يأخذ منه كل على قدر استعداده وحاجته، ما دام لا يتنافى مع ما قصده القرآن الكريم من الهداية؛ فكم من حكمة فيه إذا مستها يد العلم أسفرت أسرارها، وأبانت عن سر إعجازها، وسحر بيانها، وكل ما يساعد من العلوم على الكشف عن الأسرار الكونية، والدلالة على قدرة الصانع الحكيم، والإبانة عن مبلغ آياته، ونعمه، ولا يتعارض مع أسلوب اللغة، ومألوف تعبيرها من غير إغراب ولا تكلف، ولا إغراق في التأويل، أو إسراف في التحديد، فهو مما يجوز أن يستخدم في فهم آيات القرآن الكريم؛ لا تفنى عجائبه، ولا تُحْصَى أسراره”.

هذه أقوال بعض أهل العلم من المسلمين، سقناها لِنردَّ بها على موقف أعداء الله من العلاقة بين القرآن الكريم والعلم، و لِنردَّ عليهم دعواهم بأن القرآن يتعارض مع العلم، وقد يسأل سائل:  ما هو القول الفصل في هذه القضية، وقد اختلف فيها بعض المسلمين؟ وتكمن الإجابة في النقطة التالية:

النقطة رابعة: فيصل القول في علاقة القرآن الكريم بالعلم:

بعد قراءة وبحث في هذا الموضوع وجدنا أن النظرة العلمية إلى آيات القرآن الكريم تنقسم إلى ثلاثة أنواع، هي:

النوع الأول: بيان وجه الإعجاز العلمي: ومن نافلة القول أن نقول: إن إعجاز القرآن الكريم ليس مقصورًا على وجه واحد من وجوه الإعجاز، بل الصحيح أن للإعجاز وجوه شتى، منها هذا الوجه العلمي، وبيان هذا الوجه من الإعجاز العلمي يتضح في بعض آيات القرآن الكريم، خاصة تلك التي يتعلق موضوعها بالأكوان، وبالخلق العامل لهذه الأكوان، ويجد القارئ لتلك الآيات الكريمة أنها تقرر حقيقة علمية مستقرة لا يعتريها الزيف، ولا التغيير، وأن هذه الحقيقة لم تكن معروفة في عصر التنزيل، وهي لا تتعلق بأمر اعتقادي يجب أن يكون قاطعًا، ولا بحكم شرعي لا ينبغي أن يكون مفصلًا، ولا ينتقص من قدر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم لم يعرفوا تفاصيل هذا السر من أسرار الكون الذي جاءت آيات قرآنية تشير إليه في إيجاز.

فهو -كما ذكرنا- أمرٌ لا تتعلق به عقيدة ولا شريعة، وقد ظهر لهؤلاء السابقين في حياتهم من وجوه إعجاز القرآن ما ظهر من وجوه كثيرة، وأولها: الإعجاز البياني، وهو يكفي أن يكون حُجَّةً ناهضةً، ودليلًا رائعًا، ومطمعًا رادعًا لمن لم يؤمن، ثم شَاءَتْ حكمة العليم الخبير سبحانه أن يكون هذا الوجه من الإعجاز كامنٌ في هذا الكتاب الذي لا تنقضي عجائبه لهذا الجيل من الناس الذي فتن فتونًا كبيرًا بمبتكرات العلم التجريبي ومخترعاته، وهذا من رحمة الله بعباده، وقد أنزل الله سبحانه وتعالى كتابه هاديًا للبشر في كل عصر كافيًا لحاجاتهم القلبية، والعقلية، والنفسية، والتشريعية، والسياسية، والاقتصادية في كل مصر، ومن صور هذا الإعجاز، وهي كثيرة أنك تقرأ قول الله -تبارك وتعالى-: {أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَلّن نّجْمَعَ عِظَامَهُ (3) بَلَىَ قَادِرِينَ عَلَىَ أَن نّسَوّيَ بَنَانَهُ} [القيامة: 3، 4]، ففي هذه الآية الأخيرة صورة من صور الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، ذلك أنه قد أضحى من المسلمات القطعية أن بصمات أصابع أي إنسان لا تتشابه مع بصمات أي إنسان آخر من هذه الملايين التي عاشت أو تعيش أو ستحيا على هذه الأرض حتى أصبحت هذه البصمات دليلًا لا يرقى إليه الشك في كثير من المعاملات الرسمية، فتوقيع إنسان ما على صك مالي أو وثيقة بيع قد يداخله التزييف و التزوير، ونحن نسمع عن هذا كثيرًا.

وأما أمر البصمة فهو يستعصي على التزييف، وعلى التزوير؛ ولهذه الأسرار في البصمة الإنسانية جاء قول الله تعالى: {بَلَىَ قَادِرِينَ عَلَىَ أَن نّسَوّيَ بَنَانَهُ}، ومعنى نسوي بنانه هنا هي كمعنى قول الله تعالى: {يَأَيّهَا الإِنسَانُ مَا غَرّكَ بِرَبّكَ الْكَرِيمِ (6) الّذِي خَلَقَكَ فَسَوّاكَ فَعَدَلَكَ (7) فِيَ أَىّ صُورَةٍ مّا شَآءَ رَكّبَكَ} [الانفطار: 6: 8]، فمعناها في الموضعين: أنه جعل خلقته على النحو الأتم الأكمل السواء، وتمام تسوية البنان، وهو طرف الإصبع أن يكون على النحو المعجز الذي ذكرناه من قبل، وقد جاء هذا الإعجاز في كتاب الله -تبارك وتعالى- وتوصل العلم الحديث إليه.

النوع الثاني: من نظرتنا العلمية للقرآن الكريم: هو التفسير العلمي، ونعني بالتفسير العلمي أن يقوم المفسر بشرح بعض التفصيلات العلمية لشيء ذكره القرآن الكريم، وذكر آية الله فيه، وفهم الذين استمعوا القرآن الكريم من رسول الله صلى الله عليه وسلم نعمة الله فيما ذكر على سبيل الإجمال، ونفصل هذا الإجمال الآن بمثال شارح: قال الله -تبارك وتعالى-: {وَإِنّ لَكُمْ فِي الأنْعَامِ لَعِبْرَةً نّسْقِيكُمْ مّمّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لّبَناً خَالِصاً سَآئِغاً لِلشّارِبِينَ} [النحل: 66]، فالله سبحانه وتعالى يمتن على عباده بهذا اللبن السائغ، وكل من سمع هذه الآية وقت نزولها من مؤمن أو كافر لا يشك في فائدة هذا اللبن، وما فيه من سُكَّريات، وما فيه من فيتامينات، وما ماثل ذلك بالكميات المحددة، والمقادير المفصلة؛ فهل يكون ذكر هذه المعارف حول هذه الآية الكريمة إلا إظهارًا لأسرار آيات الله في الخلق، وبيانًا لمزيد فضله على عباده، وردًّا على بعض المولعين بتقدم العلوم في عصرهم، وهذا ما أعنيه بالتفسير العلمي.

والفرق بين بيان الإعجاز العلمي في الآية، وتفسيرها تفسيرًا علميًّا، أن الأول: هو كشف المغطى، والثاني: هو تفسير المجمل، وبيان وجه الإعجاز العلمي، والتفسير العلمي صحيح ومقبول.

النوع الثالث: من نظرتنا العلمية إلى آي القرآن الكريم: ما يُعرف بالتأويل العلمي، والتأويل العلمي هو التعسف في فهم آيات القرآن الكريم، وبترها من سياقاتها؛ لتخدم معاني بعيدة عن أغراضها، فتأول آيات القرآن الكريم بالمزعزع من النظريات، والمضطرب من التخمينات، وهذا التأويل في الحقيقة سفه في الرأي، وقول على الله بغير علم، وعدوان على بيان القرآن الكريم، ومسخ لدلالات الألفاظ  اللغوية، وهذا هو المردود والمرفوض والمرذول، وأمثلته كثيرة، وفي كل يوم ترى منها جديدًا؛ لأن التأويل تفسير بالهوى، وقول بالظن، والهوى لا ضابط له، والظن لا يقمعه إلا اليقين، والذي نود تقريره هنا في هذه القضية هو أن القرآن الكريم لا يوجد فيه نص من النصوص يناقض حقيقة علمية ثابتة بحال من الأحوال، وهذه ناحية من نواحي إعجازه، كما أن الذي أشار إليه القرآن الكريم من الحقائق العلمية يُعَدّ أيضًا دليلًا من دلائل هذا الإعجاز، وهذا القدر من التدليل على إعجاز القرآن الكريم من هذه الناحية يكفي، ويشفي، وما وراءه تزيد بغير يقين، وتعريض للنص القرآني لبلبلة الآراء والنظريات والأفكار، فالقرآن الكريم -ولا شك- يشتمل على آيات معجزة في هذا الكون توصل العلم إليها، فما توصل العلم إليه من حقائق علمية ثابتة وافقت ما جاء سلفا في كتاب الله عز وجل قبل أكثر من أربعة عشر قرنًا من الزمان نقبله، ونقول بأن القرآن الكريم قد سَبَقَ إلى ذلك، وهذا لون يكشف عن إعجاز كتاب الله -تبارك وتعالى.

ثانيًا: الإعجاز العلمي في القرآن الكريم: ويشتمل على النقاط التالية:

النقطة الأولى: نماذج من الإعجاز العلمي في كتاب الله: طالما أن بيَّنَّا أن القرآن الكريم لا يتناقض مع العلم، وأن الله عز وجل قد ذكر في كتابه آياتٍ كونية كثيرة وعلمية تَوَصَّلَ العلمُ الحديث اليوم إلى شيء منها، وأصبحت لدى العلماء اليوم حقائق علمية ثابتة، إذن نشير هنا إلى شيء من تلك النماذج التي تدل على ذلك، فمن هذه النماذج مراحل خلق الجنين؛ ولقد فصل القرآن الكريم هذه المراحل تفصيلًا دقيقًا، ولم يعرف العلماء هذه التفصيلات إلا قريبًا، وبعد أن اكْتُشِفَتْ وعرفت العلوم الحديثة، قال الله -تبارك وتعالى- مثلًا: {يَأَيّهَا النّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مّنَ الْبَعْثِ فَإِنّا خَلَقْنَاكُمْ مّن تُرَابٍ ثُمّ مِن نّطْفَةٍ ثُمّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمّ مِن مّضْغَةٍ مّخَلّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلّقَةٍ لّنُبَيّنَ لَكُمْ} [الحج: 5]، ثم قال سبحانه وتعالى في موطن آخر: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مّن طِينٍ (12)  ثُمّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مّكِينٍ (13) ثُمّ خَلَقْنَا النّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} [المؤمنون: 12: 14].

ولو رجعنا إلى أوثق المصادر الطبية التي تتحدث عن خلق الجنين لوجدناها لا تتناقض أبدًا مع هذه الحقائق التي ذكرها العزيز العليم، ومن الأمثلة أيضًا الأذى الذي في المحيض، فقد نهى الله -تبارك وتعالى- في كتابه الرجالَ عن معاشرة أزواجهم في المحيض؛ حيث قال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النّسَآءَ فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنّ حَتّىَ يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222]، وقد تَبَيَّنَ للعلماء في هذا العصر أن دَمَ الحيض دمٌ فاسد يحتوي على مايكروبات عديدة، وجراثيم متنوعة؛ فإذا عاشر الرجل زوجته أثناء فترة الحيض فلا يأمن أن يصاب بالتهابات وأمراض مؤذية، أضف إلى هذا أن الأعضاء التناسلية في المرأة تكون محتقنة أثناء فترة الحيض، وبخاصة الرحم الذي يكون محتقنًا إلى درجة أنه ينزف، فإذا خالط الرجل زوجته فإن هذا قد يؤدي إلى تمزيق أغشية رحم المرأة، فتنتشر العدوى بواسطة المايكروبات الموجودة في الأغشية مما يؤثر في صحة المرأة، ثم هناك أذى من نوع ثالث، وهو الأذى النفسي الذي يصيب الزوجين، فكثير من الرجال والنساء يصابون باشمئزاز، ونفور نفسي ينتج عنه ضعف جنسي قد يكون شديدًا.

ومن الأمثلة أيضًا على نماذج الإعجاز العلمي في القرآن الكريم مكان الأعصاب التي تحس بالحرق أو الإصابة، هذه الأعصاب لا توجد إلا في الجلد فقط؛ ولذلك لو قطعت أمعاء إنسان بعد فتح بطنه ما أحسَّ بقطعها، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة بقوله: {إِنّ الّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ إِنّ اللّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً} [النساء: 56]، ولا يعترض على هذا بإحساس الإنسان بالبرودة والحرارة في أمعائه؛ لأن الذي في الجلد هو أعصاب الإحساس بالإصابة والحرق، وهناك أعصاب أخرى كثيرة منتشرة في أجزاء الجسم.

ومن أمثلة الإعجاز العلمي أيضًا الشمس الجارية في الفضاء، وقد كان الناس يظنون أن الشمس تدور حول الأرض، ثم ثَبَتَ لدى العلماء أن الأرض هي التي تدور حول الشمس، ولكن العلماء أيضا أخطئوا عندما زعموا أن الشمس واقفة، وأخيرًا تبين لهم أنها تسير بسرعة خارقة، وأفضل تعبير عن حركتها هو الجريان، وصدق الله إذ يقول: {وَالشّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرّ لّهَـا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} [يس: 38].

ومن الأمثلة أيضًا العسل الذي فيه شفاء للناس، فقبلَ نصفِ قرنٍ تقريبًا كان الشائع في أمريكا أن العسل ناقل للجراثيم، ولم يظهر للعلماء فوائد العسل الطبية إلا منذ عهد قريب، واليوم يدخل العسل في أكثر من خمسينَ دواءً، وتبين للعلماء أن العسل قاتل للجراثيم، وتبين لهم أيضا أنه علاج جيد لكثير من الأمراض كفقر الدم، وأمراض الرئة، وأمراض الجهاز التنفسي، وأمراض العين، والأمراض الجلدية، وغيرها كثير، وصدق الله إذ يقول: {يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَآءٌ لِلنّاسِ} [النحل: 69].

النقطة الثانية: الإعجاز العلمي دليل صدق النبي صلى الله عليه وسلم:

العجيب في أمر القرآن أن إعجازه متجدد على مر الزمان، فكل قوم يصل إليهم هذا القرآن، وينظرون فيه نظر معتبر متبصر يجدون فيه من الآيات والدلائل ما يؤكد لهم أنه من عند الله، ونحن اليوم في هذا العصر نبغنا في العلوم التي كشفت عن شيء من أسرار هذا الكون، فتطلعنا نبحث عن في مواقع النجوم، ومساراتها، وأحجامها، وأجوائها، كما بحث العلماء في تكوين الخلق، وأسرار المخلوقات، فبحثوا في الذرات والخلية، وغاصوا في أعماق الأرض وقيعان البحار، وإذا بنا نفاجأ بأن كثيرًا من الحقائق التي توصل إليها العلماء بعد دراسات طويلة وجهود مضنية قد تحدث عنها هذا القرآن العظيم، أو أشار إليها إشارات موضحة، وكل هذا مما يزيد في الإيمان ويعمقه، وهذا ما نود الوصول إليه أن الإعجاز العلمي اليوم يدعو إلى تصديق النبي صلى الله عليه وسلم ويؤكد رسالته، ويدل على أن هذا القرآن العظيم منزل من عند الله الحكيم العليم الخبير، فهذا القرآن قول الله وأمره، والخلق خلقه، فإذا تحدث الخالق عن الكون، وذكر شيئًا من حقائق الخلق فلا بد أن يتطابق الخبر القولي مع الخلق الكوني، فالقول قوله، والخلق خلقه، كما قال تعالى: {أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأمْرُ} [الأعراف: 54]، والنفوس الإنسانية تخضع خضوعًا عظيمًا عندما تعلم أسرارًا مذهلة لم يكن للبشر علم بها، ثم تجد أن النبي العربي الأمي صلى الله عليه وسلم الذي لم يخط بقلم، ولا قرأ من كتاب، ولا درس في جامعة، ولا تعلم من معلم من بني آدم تحدث عن تلك الحقيقة العلمية، وأشار إليها.

فلو لم يكن هذا القرآن وحيًا من الخالق لما استطاع محمد صلى الله عليه وسلم أن يقرر هذه الحقائق المجهولة، والأسرار الخفية التي لم يتطلع عليها البشر قبل هذا العصر؛ قال الله -تبارك وتعالى-: {وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لاّرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} [العنكبوت: 48]، ونزيد القول هنا تفصيلًا، فنقول: إن هذا القرآن الكريم لا تنقضي عجائبه، ولا تنتهي وجوه إعجازه، وقد جعل الله عز وجل القرآن معجزة رسوله الخالدة الباقية، وإذا كان سبحانه قد أعطى كل نبي من الأنبياء من المعجزات ما يناسب حال قومه، كما قال صلى الله عليه وسلم: ((ما من نبي من الأنبياء إلا أوتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا يوحى، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة)).

ولذلك نقول: إن إعجاز القرآن المتجدد يظهر منه في كل عصر وجه، لم يكن قد بدا من قبل، فالمعاصرون للنبي صلى الله عليه وسلم قد بدا لهم من وجوه إعجازه ما دفعهم أن يخروا لجلال الله ساجدين، وكل من تدبر القرآن الكريم على اختلاف الأعصار، وتباين الأمصار، لا يملك إلا هذا الإجلال وهذا السجود.

error: النص محمي !!