Top
Image Alt

العلاقة بين الحقوق والواجبات في النظام الإسلامي، ومناقشة لبعض المواد المختارة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان من منظور إسلامي. 3.3

  /  العلاقة بين الحقوق والواجبات في النظام الإسلامي، ومناقشة لبعض المواد المختارة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان من منظور إسلامي. 3.3

العلاقة بين الحقوق والواجبات في النظام الإسلامي، ومناقشة لبعض المواد المختارة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان من منظور إسلامي. 3.3

تتأكد هذه العلاقة المتجانسة بين المبادئ الإسلامية من خلال توضيح العلاقة الحقيقية بين الحقوق والواجبات في النظام الإسلامي، قبل ذلك ينبغي أن نوضح أن الإسلام في جوهره يؤكد المبادئ الأساسية التالية:

1- الإنسان مستخلف في الأرض لأمر الله تعالى وذلك من أجل عمارتها.
2- البيئة وباقي الخلائق في الأرض وضعت في خدمة الإنسان لإنجاز مهمة الاستخلاف.
3- إقامة العدل والأمن في العالم هما الهدف الرئيس للإسلام.
4- الإنسان يملك إرادة الاختيار واتخاذ القرار في المسائل التي تحقق مصالحه وفق المبادئ العامة للإسلام.
5- الإنسان مكرم لذاته بصرف النظر عن انتمائه القومي أو العرقي أو الجنسي أو الديني أو اللوني.
6- إقامة العدل والإحسان هما نتاج لتطبيق منهاج الله تعالى في عمارة الأرض، والواجبات والحقوق في منهاج الإسلام تكاليف إيمانية، والعلاقة بين واجبات الإنسان وحقوقه علاقة متلازمة.

وعلى أساس مما تقدم يمكننا أن نعرض صور هذه التلازم بين واجبات الإنسان وحقوقه في منهاج الإسلام وهي على النحو التالي:
أولًا: واجب الإنسان تجاه ربه وخالقه:
إخلاص العبودية لله تعالى وحده وعدم الشرك به هذا يبعث في النفس الإنسانية أعلى مراتب الإحساس بالحرية والمساواة مع الغير، أي: أن واجب العبودية لله وعدم الشرك به ينشئ للإنسان حقين أساسيين في الحياة:

الأول: حق التحرر من العبودية والذلة لغير الله.
والثاني: حق المساواة مع بني البشر.

ثانيًا: واجب الإنسان تجاه والديه وأقاربه:

ومن ذلك طاعة الوالدين والإحسان إليهما والبر بهما، والسهر على خدمتهما وراحتهما، ورعايتهما وبذل كل ما تحتاج العناية بشيخوختيهما، وهو ما يجب أن ينشئ الإنسان لأجله أعمالًا كثيرة، وهو ما يجب أيضًا أن يربي الإنسان أبناءه وبناته عليه؛ فيتعين أن يكون للوالدين حق الطاعة في غير معصية الله، وحق الإكرام والمودة، وحق الرعاية والنفقة.

ثالثًا: واجب الإنسان تجاه أسرته:
والأسرة في الإسلام: هي الزوجة والأبناء من ذكور وإناث، فأما واجب الإنسان تجاه زوجته؛ فإن الإسلام يوجب احترام الزوجة والبر بها وعدم إهانتها ويطلب الإنفاق عليها في غير تبذير ولا تقتير؛ كما يطلب توفير كل ما تحتاجه متطلبات الحياة بحسب طاقته وقدرته، ولا يكلفها المشاركة في الإنفاق إلا برضاها؛ وعلى الرجل إذا تزوجها أن يحترم أموالها وممتلكاتها، وألا يعتدي عليها.

وهذا ينشئ للمرأة حقًّا على الرجل؛ فمن هذا:
– حق الرعاية والاحترام والإنفاق.
– ومنه أيضًا حق الاحتفاظ بأموالها وممتلكاتها لصالحها الشخصي.
– وحق تنمية أموالها بالتجارة وغيرها من وسائل الاستثمار.
– حق المشاركة في مسئولية رعاية الأسرة.

وهذا ينشئ بالمقابل للرجل على المرأة حقوقًا، منها:
– احترامه وطاعته بغير معصية الله.
– وألا تخونه في نفسها وماله.
– وأن تشاطره مسئولية رعاية الأسرة.
وأما واجب الإنسان تجاه أبنائه؛ فقد رأينا الإسلام يوجب على الأب حسن اختيار الزوجة الصالحة التي ستصبح أمًّا لأبنائه، وحسن اختيار الاسم الكريم، وحسن التربية والتنشئة لابنه، وحسن إعداده للحياة، وتحمل المسئولية، والتخلق بقيم العدل والمساواة.

وهذا ينشئ للأسرة على الأبناء حقوقًا كثيرة:
منها:
– حق الطاعة والبر والرعاية للوالدين.
– وحق المحافظة على شئون الأسرة.

رابعًا: واجب الإنسان جهة ولاة الأمر:
الإسلام يوجب على المسلم السمع والطاعة للحاكم في غير معصية الله تعالى؛ كما يوجب النصح له وإعانته على مسئولياته في تحقيق مصالح الرعية، وعدم الخروج على سلطانه أو التمرد على أوامره إلا إذا نقض العهد مع الله في شروط عقد الولاية، مع تحري مصلحة الأمة في ذلك؛ لأن مصلحة الأمة شرط مرجح في هذا الأمر.

وهذا ينشئ للرعية على الحاكم حقوقًا:
منها:
– حق المحافظة على عقيدة الأمة وهويتها الثقافية والفكرية والعمل على بنائها حضاريًّا.
– حق إقامة العدل بين الناس.
– حق حماية مصالح الرعاية.
– حق حماية السيادة العامة للأمة.
– حق تحقيق الأمن العام للأمة.
– حق تحقيق الأمن العام للأمة.
– حق المساواة بين أبناء الشعب.
– حق السهر على حياة الناس.
– حق توفير أسباب الحياة الكريمة الآمنة … إلى آخر هذه الحقوق.

خامسًا: واجب الإنسان تجاه المجتمع:
يتمثل واجب الإنسان تجاه مجتمعه في ميادين متعددة، ننجزها فيما يلي:
1- عهدها مع حاكمها، والتزام عهدها تجاه بعضها البعض في إقامة مجتمع ينعم بالأمن والسيادة والكفاية.
2- واجب الحفاظ على عقيدة الأمة وهويتها الثقافية والعمل على ارتقائها حضاريًّا.
3- واجب السهر على أمن الأمة العام؛ فكل مسلم رجل أمن يتحمل مسئولية السهر على حماية أمن الأمة كلها، كل في مجاله، أو كل في مجال اختصاصه؛ وفي هذا يقول النبي -صلى الله عليه وسلم: ((كل منكم على ثغرة من ثغور الإسلام؛ اللهَ اللهَ أن يؤتَى الإسلام من قبله)).
4- واجب التنمية الزراعية وعدم قطع الأشجار المثمرة وغيرها إلا لحاجة ملحة، مع العمل على إثراء الثروة الزراعية؛ حيث يقول النبي -صلى الله عليه وسلم: ((إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع ألا يقوم حتى يغرسها؛ فليفعل؛ فإن له بذلك أجرًا)).
5- واجب التنمية الصناعية؛ حيث يؤكد النبي -صلى الله عليه وسلم- أن الله تعالى يحب إذا عمل أحدنا عملًا أن يتقنه.
6- ومن تلك الواجبات أيضًا: واجب التنمية التجارية؛ لقوله -صلى الله عليه وآله وسلم: ((تسعة أعشار الرزق في التجارة)).
7- واجب بذل الجهد للتعلم: وهذا في قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم: ((طلب العلم فريضة على كل مسلم)).
8- واجب البحث العلمي: وفي هذا قول الله تعالى: ((قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ)) (يونس: 101). 9- بذل الجهد لاستثمار مكنونات الأرض: وهذا في قول الله تعالى: ((فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ)) (الملك: 15).
10- واجب المحافظة على البيئة وعدم إفسادها: وهذا في قول الله تعالى: ((وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا)) (الأعراف: 56)، وكما في قوله -صلى الله عليه وسلم: ((الإيمان بضع وسبعون شعبة؛ أعلاها: لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق)).
11- واجب المحافظة على أموال الآخرين: وفي هذا قول الله تعالى: ((وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ)) (البقرة: 180)، وقوله -صلى الله عليه وسلم: ((إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام)).
12- واجب تحقيق التضامن الاجتماعي: وهذا في قوله -صلى الله عليه وسلم: ((والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، من بات شبعان وجاره إلى جنبه، جائع وهو يعلم)).
13- واجب محاربة المخدرات والمسكرات: كما في قول الله تعالى: ((إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ)) (المائدة: 90)، وكما في قوله -صلى الله عليه وسلم: ((كل مسكر حرام)). 14- واجب العمل على إشاعة المحبة بين الناس وحب الخير لهم: كما في قوله -صلى الله عليه وسلم: ((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)).
15- يوجب الإسلام على المسلم احترام الأقليات غير المسلمة في مجتمع مسلم؛ حيث يقرر الإسلام لها حق المواطنة الكاملة، وحق الاعتقاد والعبادة، حرية احتكام الأقليات إلى شرائعها في قضاياهم الشخصية، إذا رغبوا في ذلك.
سادسًا: واجب المسلم تجاه المجتمعات الدولية:
يقرر الإسلام المبادئ العامة الآتية:
1- الأصل الواحد للبشرية؛ كما في قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)) (الحجرات: 13).
2- التعارف والتعاون على كل ما يحقق الخير للمجتمع؛ كما في قوله تعالى: ((وتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ)) (المائدة: 2).
3- تكريم النفس البشرية؛ بصرف النظر عن الانتماء القومي أو العرقي أو الديني أو اللوني؛ كما في قوله تعالى: ((وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ)) (الإسراء: 70).
وفي هذا الصدد يمكن أن نذكر بمثالين عمليين:
1- وذلك أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان جالسًا مع بعض أصحابه فمرت بهم جنازة فقام لها نبي -صلى الله عليه وسلم- إجلالًا واحترامًا؛ فقيل له: إنها جنازة يهودي؛ فقال صلى الله عليه وسلم: ((أليست نفسًا؟!)) وهذا يدل على احترام الإنسان لذاته دون تمييز.
2- وفي أحد الأيام كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يسير في شوارع المدينة؛ فشاهد رجلًا مسنًّا يدب في الشارع دبيبًا مما أحزنه حزنًا شديدًا؛ فسأل أمير المؤمنين: من يكون هذا الرجل؟ فقيل له: إنه رجل نصراني؛ فسارع عمر -رضي الله عنه- إليه وأخذ بيده قائلًا: والله ما أنصفناك. ثم أخذه إلى بيت المال قائلًا: أفرضوا لهذا فريضة.
3- احترام حياة الإنسان وعدم الاعتداء عليهما؛ كما في قول الله تعالى: ((أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا)) (المائدة: 32).
4- واحترام العهود والمواثيق بين الناس؛ كما في قول الله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)) (المائدة: 1)، ولقول الله أيضًا: ((وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا)) (النحل: 91).

وقد رأينا أنّ الإسلام يحترم هذه المواثيق الدولية، وفي التاريخ شاهد ذلك:
فمعلوم أنّ دولة سمرقند وهي التي كانت جزءًا من جمهوريات آسيا سابقًا، كانت خاضعة للإمبراطورية الفارسية؛ فلما حررها الإسلام من احتلال الفرس لم يكره أهلها على الإسلام؛ عملًا بقول الله تعالى: ((لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)) (البقرة: 256)؛ فما كان من أهلها إلا أن عقدوا صلحًا مع المسلمين، من شروطه: عدم بقاء الجيش المسلم المنتصر على بيزنطة وفارس في بلادهم؛ غير أن الجيش الإسلامي لم يلبث بعد أكثر من نصف قرن أن دخل البلاد على الرغم من معاهدة الصلح مع أهلها ملتمسًا بعض المبررات التي لم يوافق عليها أهل البلاد الذين أوفدوا إلى الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز -رضي الله عنه- في دمشق؛ وشكوا له احتلال الجيش المسلم لبلادهم، ولم يكن لديهم غير هذه الصحيفة صحيفة الصلح منذ الخليفة عمر -رضي الله تعالى عنه- فأمر الخليفة الأموي بتأليف محكمة تسمع دعوى البلاد المغلوبة على الجيش الفاتح؛ فتألفت؛ فحكم القاضي المسلم ضد الجيش المسلم بالجلاء؛ التزامًا بنصوص المعاهدة التي كانت قد وقعت في زمن الفاروق عمر.

كانت تلك المحكمة الدولية العادلة الأولى من نوعها في حياة الناس آنذاك؛ بل إن المجتمعات الدولية في عالمنا المعاصر اليوم لتعجز كل العجز عن الارتقاء إلى مثل هذه المحاكمة العادلة إلى يوم الناس هذا، وعلى الرغم من وجود ما يسمى بهيئة الأمم المتحدة ومؤسساتها العالمية ومواثيقها الدولية التي كثر الحديث فيها عن حقوق الإنسان -كما قدمنا وأسلفنا- وحقوق الدول وسيادتها؛ حيث يقول الله تعالى: ((إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً)) (البقرة: 30) إنما الإنسان بهذا التكليف بأعلى مراتب المسئولية بين الخلق، ويوم يستشعر الإنسان عظم هذا التكليف ومسئولياته وواجباته في الحياة تنمو وتترسخ بالمقابل في نفسه قيمة الآخر وحقوقه.

5- إقامة العدل حتى مع وجود الخصومة والعداوة: كما في قوله تعالى: ((وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)) (المائدة: 8).
6- احترام الجهود الخيرة للآخرين، وعدم التقليل من شأنها؛ كما في قول الله تعالى: ((وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ)) (هود: 85).

خلاصة القول: إن منهاج الإسلام يمتاز بالتكامل والشمول الذي يقيم المعادلة المتوازنة والمحكمة بين واجبات الإنسان وحقوقه؛ فمنهاج الإسلام عندما يقرر ويؤكد على غرس وتنمية روح المسئولية عند الإنسان، ثم يرتقي بقيمة هذه المسئولية في النفس البشرية يجعلها ثمرة التكليف والتشريف الرباني للإنسان، أيًّا كان هذا الإنسان، أو أيًّا كان هذا الآخر حتى ولو كان حيوانًا أو نباتًا.

وعلى هذا أساس إخلاص العبودية لله: لا إله إلا الله.

العلاقة بين الواجبات والحقوق كما قال عمر -رضي الله تعالى عنه: “لو أن بغلة عثرت في اليمن لخشي عمر أن يسأله الله: لماذا لم يعبد لها الطريق؟!”، وعلى أساس هذا الإحساس بالمسئولية والواجب تجاه الآخر، قال عمر قولته التي لا تزال تدوي في أذن الزمان لعمرو بن العاص التي لا تزال تتردد في أذن الزمان، وتتلقفها الأجيال البشرية بالإعجاب والتقدير: “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟”.

هذه الكلمة الخالدة وتلك القصة تقول: إن ابن عمرو بن العاص والي مصر دخل في سباق بالخيل مع شاب مصري قبطي؛ فكان السباق في نتيجته لصالح المصري، مما استفز ابن والي مصر فضرب القبطي قائلًا له: أتسبق ابن الأكرمين؟ فما كان من والد الشاب القبطي إلى أن توجه إلى المدينة؛ حيث مركز الخلافة الإسلامية مصطحبًا معه ولده؛ ليشكو أمره إلى عمر -رضي الله تعالى عنه- فلما عرض أمر ولده عليه الخليفة عمر -رضي الله تعالى عنه- كتب لواليه في مصر عمرو بن العاص خطابًا جاء فيه: “من عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص؛ فإذا جاءك خطابي هذا؛ فاحضر إليَّ وأحضر ابنك معك”.

وحضر عمرو بن العاص إلى المدينة يصطحب ولده معه، وجمع الناس للمحاكمة العلنية، وطلب عمر بن الخطاب من القبطي أن يقتص من ابن الأكرمين، وبعد أن فعل أمره عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- أن يضع السوط على صلعة عمرو بن العاص؛ فقال القبطي: يا أمير المؤمنين؛ لقد أخذت حقي ممن ظلمني؛ فما لي من حاجة عند أبيه! فقال له عمر بن الخطاب -رضي الله عنه: ما كان لابنه أن يفعل ما فعل إلا بسلطان أبيه. ثم التفت إلى عمرو بن العاص وقال قولته التي لا تزال تتردد في سمع الزمان بالإعجاب والتقدير: “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟!”.

ومما يؤكَّد عليه هنا بأن شمولية وتكامل القيم المبادئ الإسلامية يؤهلها لمواجهة التحديات التي تعاني منها المجتمعات المعاصرة، تلك التحديات نتيجة لعدة أسباب من أكثرها أهمية: اضطراب العلاقة بين واجبات الإنسان وحقوقه التي هي اليوم بازدياد لصالح الحقوق على حساب الواجبات؛ مما ينمي ثقافة الاستهلاك على حساب ثقافة الإنتاج لدى الأجيال البشرية؛ كما تسبب في تكريس ظاهرة عدم المسئولية على حساب فضيلة المسئولية؛ كما أنها ستكون العامل الأكبر الذي يهدد الحضارة البشرية.

ونتيجة لهذه الحالة العالمية المتردية نشاهد تزايد ظاهرة الفقر والجهل والأمراض كما نشاهد تفاقم الجرائم والإرهاب والعطالة والبطالة والتدهور الأخلاقي، وهذا بأسره يستدعي منا التعاون الجاد لوقف تدهور الأحوال في العالم، وأن مثل هذا التعاون أمر أساسي لإنقاذ الحضارة الإنسانية من عوامل الهلاك والدمار.

إننا ننظر إلى حقوق الإنسان في عالمنا اليوم فنراها ما تزال تهدر بكل قسوة وجبروت وظلم في بقاع عديدة من العالم، وإنه لا يزال هناك ملايين من المسلمين في العالم يعانون من أوضاع قاسية وانتهاكات صارخة تقع في وضح النهار؛ فما تزال التفرقة والتمييز قائميْن في كثير من الأقطار على رأس ذلك في دولة الكيان العنصري، وما يزال المسلمون يتعرضون للقهر في العديد من البلدان غير الإسلامية، رغم نصوص الحرية العقيدة وحرية ممارسة شعائر الأديان، وأكبر شاهد وأصدق شاهد ما نراه على الشاشة الصغيرة في كل يوم من إتلاف للأنفس وإزهاق للأرواح في هذه الحروب البشعة في كل من كشمير والشيشان وفلسطين والعراق وغيرها من بؤر الصدام في العالم.

ليس أدل على ذلك وأبشع مما يشاهده العالم اليوم في تاريخنا المعاصر من الانتهاكات الصارخة الواقعة على الشعب العراقي والشعب الفلسطيني؛ فهي انتهاكات شملت كل أنواع الحقوق الإنسانية التي يتشدق بها العالم اليوم، والتي وردت بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان؛ فالقتل والإبادة والتشريد والتجويع هي سمة الاعتداءات التي تقع على الشعب الشيشاني والشعب العراقي والشعب الفلسطيني المسلم، هذه الهجمة الأمريكية الإسرائيلية لا تفرق بين رجل وامرأة، ولا بين طفل رضيع وشيخ كبير، ولا بين دور للعبادة أو دور للعمل، ومن المثير والعجيب أن تتم هذه الاعتداءات المتكررة تحت سمع وبصر العالم، وهي تنقل صوت وصورة يراها العالم ثم يدير ظهرها لها كأن شيئًا لا يعنيه أو كأن هذه المواثيق استحالت إلى حبر على ورق.

ومن المعاناة التي عانى منها الإنسان في الماضي ولا يزال يعاني منها في هذه الحضارة الغربية صور التمييز اللوني؛ فلا تزال توجد في العالم حتى اليوم صور لتعالى الرجل الأبيض، وسيادة الرجل الأبيض، وحضارة الرجل الأبيض، وقد تكون بعض الحيوانات -كالقطط والكلاب- أكثر كرامة وحقوقًا من الإنسان الملون في حضارة الرجل الأبيض، وليست نظريات التمييز العرقي والقبلي والقومي التعصبي والطائفي بأقل هدرًا وإلغاء لحقوق الإنسان وكرامته من التمييز اللوني والحكم الطبقي والإقطاعي.

كم ذاق ويلات الحروب والشرور بسبب هذه النظرة المتعصبة التي احتلت بعض العقول؛ قد رأينا صفاء العرق الجِرماني التي كان شعارها: “ألمانيا فوق الجميع”، وهذه الدعاوي الفاشية التي دمرت الكثير من الجنس البشري باسم القومية العنصرية أيضًا، ولا تزال آثار الصراع القومي وضحاياه تملأ تاريخ البشرية وتتسرب إلى بعض حاضرها في عالمنا المعاصر.

في ظل هذه الأنظمة الوضعية التي تقوم على أساسٍ قانوني وضعي وسياسي أو على أساس اقتصادي أو اجتماعي طبقي؛ فإن هناك طبقة أعلى من طبقة، وهناك شعب مختار وآخر منبوذ، وهناك أناس من دم أزرق ملكي نبيل، وآخر من نوع دماء العامة، وهؤلاء أفضل من أولئك بطبيعتهم.

إننا نتحدث عن الهدف النبيل: وهو إنقاذ البشرية المدمرة من خلال الدعوة للاستفادة من التشريعات الإسلامية التي ارتضاها الله -عز وجل- للبشر في قول الله -تبارك وتعالى: ((إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ)) (آل عمران: 19) نؤكد على ما امتازت به الشريعة التي تعتمد على عقدين اثنين:
أولهما: عقد الإيمان، وهو عقد رباني بين الله -تبارك وتعالى- وبين الحاكم والمحكومين.

والثاني: عقد الأداء، وهو عقد رباني بين الحكام والمحكومين.
وهذا يعني أن الله -تبارك وتعالى- هو المصدر الوحيد لثوابت ومنطلقات التشريع، وأن الحاكم -وفق عقد الإيمان ووفق عقد الأداء- مسئول أمام الله تعالى -ثم أمام الشعب- عن تطبيق شريعة الإسلام وإقامة العدل وتحقيق المصالح، وأن الشعب -وفق عقيدة الإيمان ووفق عقد الأداء- مطالب بالسمع والطاعة لولي الأمر في غير معصية الله ومطالبٌ بإعانته والنصح له، ومطالبٌ بالاجتهاد والإبداع فيما يحقق مصالح العباد وفق إرادة الله -تبارك وتعالى.

والفارق بين العقد الاجتماعي في الشريعة الإسلامية والعقد الاجتماعي في المواثيق الدولية ينشئ فوارق جوهرية -فيها تفصيل قد يطول ونضرب عنه الذكر صفحًا، مكتفين بما سبق وأن أشرنا إليه.

ثم إننا نلحظ بعد ذلك فوارق عديدة بين الإسلام والأنظمة الوضعية، من ذلك:

أولًا: المواثيق الدولية المعاصرة أدخلت العمل السياسي والمشاركة في الحكم في الحقوق مما جعل هذا الأمر هو الأساس في حياة الأمم وفي أمنها، ويدخل في ثقافة المكاسب والانتفاع عند الأديان البشرية؛ فأصبح مادة للتنازع والصراع بينهم؛ بينما الشريعة تقرر أن العمل السياسي والحكم هو من الواجبات؛ فهو من الأعباء والتكاليف وليس من المكاسب أو المغانم أو سبل الانتفاع، وبالتالي أبعدت هذه القضية في تكوين الأديان الثقافي عن منهجية صراع المكاسب والمصالح الذي يفشو في كل هذه العقائد المخالفة أو الأنظمة الوضعية التي تناقض الإسلام.

ثانيًا: المواثيق الدولية المعاصرة استبعدت الأسرة، ولم تدخلها في مؤسسات المجتمع المدني؛ ولذا لم تقنن لها أو تقرر لها؛ بينما شريعة الإسلام تقرر أن الأسرة هي أول وأهم مؤسسات المجتمع المدني؛ فشرعت لها القوانين والآداب والضوابط التي تحدد مسئولياتها وتسير إدارتها في إطار حركة المجتمع العام.

ثالثًا: المواثيق الدولية المعاصرة ركزت على الحقوق وتجاهلت الواجبات مما نمَّى ثقافة الاستهلاك عند الأجيال على حساب ثقافة الإنتاج؛ فأصبح اليوم يشكل عاملًا خطيرًا من عوامل الخلل الأمني والحضاري في بنية المجتمعات المعاصرة؛ بينما الشريعة الإسلامية تؤكد على التوازن الدقيق بين الواجبات والحقوق باعتبارهما عامليْن متكاملين ومتوازنين في معادلة المسيرة الحضارية الآمنة.

رابعًا: المواثيق الدولية المعاصرة اهتمت بالحديث عن الديمقراطية على المستوى الأقليمي؛ ولكنها للأسف عطلت هذه الديمقراطية على المستوى الدولي، وفي مؤسسات الأمم المتحدة؛ حيث تهيمن جهات دولية محدودة على طبيعة وآليات تنفيذ القرارات الدولية؛ بل إن إصبعًا واحدًا لدولة واحدة من دول امتياز حق الفيتو بمقدوره أن يلغي أو يقرر الإرادة الدولية بأكملها.

بينما الشريعة الغراء تؤكد على المساواة في التمثيل والمساواة في الفاعلية والكفاءة بين الأمم، وتؤكد العدل للجميع دون تمييز أو استثناء لدولة أو أمة في الحقوق والواجبات؛ فالناس جميعهم سواسية، لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى، وهذا عند الله -تبارك وتعالى.

ورغم هذه الفوارق التي أشرنا إليها ينبغي أن نؤكد بأن هناك مساحة واسعة للاتفاق بين الشريعة الإسلامية وغيرها من المواثيق الدولية المعاصرة، وأن ما يجمع بينها هو أكثر مما يفرق، وأن الفوارق يمكن التغلب عليها بالتفهم والتفاهم؛ لأنها تبقى من خصوصيات الشعوب وتقاليدها وأعرافها؛ مما يمكن الاتفاق على احترامها أو استثنائها؛ ومن ثم التركيز على القيم العامة والكليات العليا، وعدم التعرض للتفاصيل والخصوصيات الثقافية، والاهتمام بتأصيل مبادئ المصالح العامة التي تحقق كرامة الإنسان مع عدل وأمن وأمان واستقرار وسلامة للبيئة، وتعايش بين الأمم على أسسٍ صحيحةٍ وسليمةٍ ومتكافئةٍ.

مناقشة لبعض المواد المختارة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان من منظور إسلامي:
في مطلع هذه المقارنات نرى المادة الثانية من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والذي صدر عام ثمانٍ وأربعين وتسعمائة وألف من الميلاد، تثير هذه المادة إشكالية حقوقية أو قانونية وكذلك إنسانية؛ وإن كانت مستمدة من الواقع، وبالأخص في ذلك الحين؛ عندما تنص على عدم جواز التمييز على أساس الوضع السياسي للإقليم، ثم تُعرِّج على ذكر أنواع من الأوضاع القانونية للأقاليم، وكأنها تقر بذلك هذه الأنواع وتعترف بوجودها عندما تنص على ذلك؛ سواء كان مستقلًّا أو موضوعًا تحت الوصاية، أو غير متمتع بالحكم الذاتي، أو خاضعًا لأي قيد على سيادته، وفي هذه الأخيرة إطلاق قد يصل إلى درجة أن يندرج تحته الاحتلال.

وبالرغم من أنّ الدعوة الأساسية هي عدم التمييز بين بني البشر؛ لكن إقرار مثل هذه الأوضاع التي تشكل صورًا مختلفة للاستعمار، أو التدخل الأجنبي أو الاحتلال أو اغتصاب السيادة من أصحاب الموطن الأصلي؛ فإنّ ذلك لا يليق بإعلان صادر عن هيئة دولية كبرى وُجِدت لتناهض هذه الأوضاع، وكان يتوجب الإشارة إلى ذلك والعمل على تغيير هذه الأوضاع؛ ومن ثم تعديل هذا النص بدلًا من إقراره وبقاء النص على حاله.

كما نلحظ أن المادة السادسة من الإعلان العالمي تنص على أن لكل إنسان الحق بأن يعترف له بالشخصية القانونية، وهكذا جاء النص بدون قيود وعلى إطلاقه، في حين تقوم حالات تكون الأهلية ناقصة أو مفقودة، وأبسطها حالات فقدان العقل أو الصغر أو الكبر؛ فيجب الإشارة إلى أنّ الشخصية القانونية لا تكون له مباشرة؛ وإنما لوليه أو للوصي عليه ليقوم بها نيابة عنه.

المادة الثامنة عشرة وهي من أكثر المواد حساسية وقد تثير جدلًا في مفهومها؛ لذلك نتعرض بداية إلى النصين من الإعلان العالمي والإعلان الإسلامي:
1- الإعلان العالمي يقول: لكل شخص الحق في حرية الفكر والوجدان والدين، ويشمل هذا حريته في تغيير دينه أو معتقده، وحريته في إظهار دينه أو معتقده بالتعبير وإقامة الشعائر وممارسته والتعليم بمفرده أو مع جماعة، وأمام الملأ أو على حدة.
2- الإعلان الإسلامي في المادة العاشرة يقول: الإسلام دين الفطرة، ولا يجوز ممارسة أي لون من الإكراه على الإنسان واستغلال فقره وجهله لحمله على تغيير دينه إلى دين آخر أو الإلحاد.
ويلاحظ -بوضوح وصراحة- كيف ينطلق كل إعلان من ذاته ومنطلقاته آخذًا في الاعتبار التركيبة التي صدر عنها والأيديولوجية أو الفلسفة التي انطلق كل واحد منها؛ فالأول لم يمكن فيه اعتبار لأي أحكام شرعية أو دينية، وهذا منطلق مقرر وسائد لدى التوجهات العلمانية والليبرالية وما شابهها، ولعل في ذلك نسيانًا مقصودًا أو تناسيًا لآلاف الملايين من البشر الذين تحكمهم عقائد وشرائع واعتبارات دينية هي في صلب حياتهم ووجدانهم، وأن الانسياق وراء نص الإعلان في المادة السادسة عشر يعتبر خروجًا عنها؛ بل دعوة صريحة للخروج على المعتقدات والأديان عامة.

وعلى الرغم من العلم؛ بل والمشاركة، من بلدان كثيرة واضعة لهذا الإعلان في حملات التنصير وما يسمى بالتبشير، وحملات أخرى للتضليل وإخراج الناس من دينهم؛ فكيف سنقيم النص وهذه الحملات مستمرة ومتزايدة منذ قرون؟! في الوقت الذي تعلم الأمم -حق العلم- أن الإسلام وحده قد ارتقى بالإنسان إلى مرحلة أوصلته إلى ربه في عبادته له كأنه يراه؛ وإن لم يكن يراه فإنه يعتقد بأن الله يراه؛ هكذا تكون الصلة المطلوبة وتقوم العلاقة بين المخلوق وخالقه عبر القرون وآلاف السنين، وعبر العديد من الأنبياء المختومين بسيد البشر -عليه الصلاة والسلام- وفي ذلك مواجهة صريحة وتحرش بنصوص الأديان؛ حيث استقر التشريع الإسلامي الخاتم بأن تغيير الدين هو ردة تشكل حدًّا من حدود الله تعالى، وهو جريمة مغلظة جزاؤها القتل بعد الاستتابة والبيان.

وقبل مناقشة النص الإسلامي نحاول إيضاح مسألة لعل فيها توفيقًا بين النصوص والحقوق المدعى بها؛ ذلك أن للقواعد القانونية نطاقًا من حيث الزمان والمكان، وإن التشريع الذي يسري في مرحلة معينة ربما يأتي زمن يُنسخ بتشريع لاحق له أو ظرف استثنائي يعطل تطبيقه حتى تعود الظروف الطبيعية:

أما من حيث المكان؛ فلكل دولة سيادة على أرضها، ومن أوجه هذه السيادة العمل بتشريعاتها واحترامها ولو تناقضت مع تشريعات الدولة الأخرى؛ ولا سيما إذا مست هذه التشريعات قضايا عامة أو ماسة بالآخرين في استقرارهم النفسي والأمني والشخصي، وإن لنا في ذلك قناعة وعقيدة راسخة لا تتزحزح بأن العقيدة والدين وممارسة الشعائر من أشد الأمور تأثيرًا على سلوك الإنسان وحياته واستقراره النفسي، وهو بذلك يؤثر على الآخرين أيضًا؛ فلا يمكن لدولة أن تسمح بانتهاك أبسط قوانينها؛ كالمرور أو التعليم أو الإقامة والهجرة.

قامت الدنيا ولم تقعد على فتيات ارتديْن الحجاب في فرنسا، كما تعاقب المقيمين بصورة غير مشروعة في بلاد من هذه البلاد؛ فكيف بحق الدولة الذي يرتبط بالعقيدة ويعتبر جزءًا من كيانها القانوني الفعلي، وهذا ما يجب أن يكون في ظل الدولة الإسلامية.

أما من تخلت من الدول الإسلامية عن هذا المعنى؛ فإنها تحاول أن تساير هذه النصوص، أو ربما تحاول أن تحاكي الدول الأخرى تحت ضغوط سياسية أو اعتبارات تاريخية أو مصالح متبادلة؛ حتى إن بعضها أجرى تعديلًا على دساتيره بغية مسايرة الأوضاع العصرية دوليًّا ومحليًّا، وتجري الآن محاولات كثيرة في شتى الدول في هذا السبيل، ومحاولات تصدى لها بالمقابل؛ ولذلك لا يكون المخرج من هذا إلا بتشريع مضاد، وهذا ما يحدث عادة، أو أن يكون من حق من أراد أن يغير دينه أن يخرج عن النطاق المكاني للقاعدة الإسلامية، ولو غير البلد إلى بلد آخر في أوربا مثلًا؛ فإنه سيمارس ما يشاء من أفعال ربما تكون محرمة في بلده أو في بلاد العالم الإسلامي بأسره، ومنها: تغيير الدين والمعتقد وإظهار الشعائر … وغير ذلك.

أما النص في الإعلان الإسلامي؛ فهو أيضًا ينطلق من أحد أكبر الهموم والأخطار الواقعة على عالمنا، والتي شعر بها فاعتبرها أيضًا منافية لحرية الإنسان؛ حيث تمارَس عليه الضغوط النفسية والإنسانية، وتستغل ظروفه وفقره وجهله ليتحول من دين إلى آخر.

المادة التاسعة في نص الإعلان العالمي:
لا يجوز القبض على أي إنسان أو حجزه أو نفيه تعسفيًّا، ويقابل هذا النص في الإعلان عن حقوق الإنسان في الإسلام: لا يجوز القبض على إنسان أو تقييد حريته أو نفيه أو عقابه بغير موجب شرعي، وعندما يقال هنا: “شرعي” يقصد به: مستمد من الشريعة، وليس مجرد صدوره من جهة شرعية أو مشرعة في الدولة، وهو النص الذي يقابله لفظ: “تعسفي” في الإعلان العالمي، وهي بهذا المعنى تبدو كلمة غير واضحة وغير محددة كما هو في الشريعة التي حددت حالات الجرائم وأنواعها وبموجب تقييد حرية الإنسان فيها، وأُعطي لولي الأمر بعد ذلك حق تقرير الحالات الموجبة للاستثناء والقيد الوارد على الحرية؛ سواء أكان إجراء احترازيًّا أمنيًّا أم كان عقوبة بحد ذاته؛ لكن لفظ “التعسف” قد جاء مستمدًّا من نظرية التعسف في استخدام الحق، وهو ما يصدر عادة من سلطة مخولة تجاوزت الحدود المرسوم لها بموجب القوانين؛ فكيف لو أن هذه السلطة حمت نفسها بقرارات أو قوانين صادرة عن السلطة التشريعية؛ وبذلك لا يجد المشرع نفسه مقيدًا بأي قيد لأن يسن ما يشاء من ممارسات للسلطة كما تقوم بعض السلطات فعلًا بموجب قوانين تسمى قوانين الطوارئ، وتحت هذا الستار يتم اختراق هذه المادة، ولا يصبح بذلك الإجراء تعسفيًّا.
error: النص محمي !!