Top
Image Alt

العلاقة بين علم الأصوات وعلم اللغة

  /  العلاقة بين علم الأصوات وعلم اللغة

العلاقة بين علم الأصوات وعلم اللغة

هناك أربعة اتجاهات رئيسة تتعلق بموضوع الفونيتيك  والفنولوجيا، أو علم الفونيمات وعلم اللغة وطبيعة هذه العلاقة، تبرز لنا من تلك الآثار الضخمة والمادة الغزيرة في الدراسات الصوتية على فترات مختلفة من الزمن، هذه الاتجاهات التي يمكن تلخيصها فيما يأتي:

أولًا: الفونيتيك  فرع مستقل من علم اللغة، وليس جزءًا منه، وإن كان بينهما ارتباط واتصال من نوع ما، كما يلتمس علم اللغة العون والمساعدة من من علم الأصوات؛ ما الفنولوجيا ونظيره علم الفونيمات فهو أحد فروع اللغة، وجزءٌ أساسي من مناهجه، ويأخذ بهذا الاتجاه فريقان من الدارسين:

الفريق الأول: فريق يمثله القائلون بالتفريق بين الكلام المنطوق باستثناء مبتكر هذا التفريق نفسه وهو “دي سوسير”؛ السر في عدم انتماء الفونيتيك  إلى علم اللغة عند هؤلاء، أن موضوعه- هو الكلام نفسه- ليس من مباحث علم اللغة عندهم.

الفريق الثاني: ونعني به أولئك الدارسين الذين يعنون بالدرجة الأولى بالفونيتيك ، وبتعميق الدراسة فيه وفي فروعه حتى ربطوه ربطًا وثيقًا بعلوم اللغة أو بعلوم أخرى غير لغوية كالفسيولوجية والفيزياء، بل عدوه فرعًا من هذه العلوم، وجزءًا لا يتجزأ من مباحث هذه العلوم.

ثانيًا: بالرغم من أن “دي سوسير” هو صاحب فكرة التفريق بين الكلام واللغة، فقد نَحَا منحًى آخر في هذه النقطة ذاتها، فالفونيتيك  عنده: جزءٌ لا يتجزأ من علم اللغة، على حين يرى أن الفنولوجيا نظام من البحث ثانوي بالنسبة لهذا العلم، وهو في الوقت نفسه خاص بالكلام، وليس خاصًّا باللغة.

ثالثًا: الفونيتيك  فرع من فروع علم اللغة، ولكنه فرع جانبي أو هامشي، أما الفنولوجيا فهو فرع أساسي أو مركزي من هذا العلم.

رابعًا: الفونيتيك  والفنولوجيا ونظيره علم الفونيمات كلاهما جزء لا يتجزأ من علم اللغة، وليس أحدهما أهم من الآخر أو أشد ارتباطًا من صاحبه بعلم اللغة.

وهناك وجهة نظر أخيرة تجدر الإشارة إليها لاختلافها عما سبق في بعض الوجوه، وهي نظرة ترتبط برأي أصحابها في اللغة ذاتها وفي علومها، فاللغة عند هؤلاء ذات ثلاثة جوانب هي المادة الأساسية المكونة لها، وتتحقق في الأصوات في صورتها المادية، ثم الصيغة أو التركيب وسياق الحال وهو ربط اللغة بالظروف والأحداث الخارجية في البيئة اللغوية. هذه الجوانب الثلاثة يقوم بدراستها عدد من النظم أو المستويات اللغوية، تنضم كلها في إطار عام واحد يطلق عليه “علوم اللغة” بصيغة الجمع، وبشيء من التفصيل يقررون أن المستوى الذي يخصص لدراسة المادة الصوتية هو الفونيتيك ، أما الذي يقوم بدراسة الجانبين الآخرين معًا فهو علم اللغة بصيغة المفرد، وهذا الأخير تنضم تحته مستويات فرعية هي علم القواعد والمعجم ويختصان بدراسة التراكيب، ثم علم الدلالة أوالسمنتكس، وينظر هذا الأخير في عملية ربط اللغة بسياق الحال.

وبهذا يتضح أن الفونيتيك  ليس جزءًا من علم اللغة، وإنما هو قسيمه فرع يقابله وهما معًا يكونان علم اللغة، ولكن العلاقة بينهما علاقة وثيقة لاتفاقهما في الموضوع والهدف، وإذا كانت اللغة عبارة عن ضوضاء تتسم بالتنظيم فإن الفونيتيك  يدرس الضوضاء، وعلم اللغة يبحث في هذا التنظيم وقواعده.

أما الفنولوجيا فمستوى خاص من البحث اللغوي في الموقع الوسط بين الفونيتيك  وعلم اللغة، أو هو بمثابة الواصلة أو الرابطة التي تربط بينهما.

إن الفنولوجيا يقدم وسائل ربط المادة الصوتية بالصيغة أو التركيب اللغوي، فهو الذي يقوم بوضع أصوات اللغة في أنماط ونظم تستغل في بناء التركيب اللغوي وفي عناصره، ولهذا السبب ينسب الفنولوجيا عند هؤلاء إلى كل من الفونيتيك  وعلم اللغة، وتُناقش مبادئه وأسس البحث فيه في إطار البحث فيهما معًا القضايا العامة اللغوية.

ومعنى هذا في النهاية أن الفنولوجيا ذو ارتباط وثيق بهذين العلمين ولا غنى لأحد هذه الثلاثة عن الآخر إذا كان لنا أن نصل إلى نتائج دقيقة في دراسة اللغة.

وإذا كان هناك من فصل بين الفونيتيك  والفنولوجيا، فإنما يجوز ذلك في حالتين:

الحالة الأولى: عند العرض الخاص لمناهج البحث اللغوي، أو الصوتي بصفة خاصة، وتحديد الإطار العام لعمل كل من الفونيتيك  والفنولوجيا.

الحالة الثانية: عند التحليل المرحلي للأصوات، فقد تبدأ بتحليل فونيتيك ي ثم تعقبه بآخر فنولوجي على أن هذا التحليل نفسه محدود وموقوت، فالتحليل الفونيتيك ي الصرف ليس هدفًا في ذاته، وإنما هو خطوة في الطريق، ولا تعدو أن تكون خطوة ممهدة لغيرها من الخطوات.

يضاف إلى هذا أن عالم الفونيتيك  حين يمارس هذا التحليل الضيق لا يستطيع أن يتخلص تمامًا من التأثير الفنولوجي الذي قد يتمثل على أقل تقدير فيما يجري في ذهنه من أفكار ولمحات فنولوجية ترجع في الغالب إلى انطباعاته الذهنية، وخبرته السابقة أو الحالية تؤثر أيضًا في حدود أصوات اللغة التي يقوم بدراستها، وعلى كل حال استقر الرأي على أن الفنولوجيا- بمعنى نظام البحث في الأصوات من حيث قيمتها ووظائفها في اللغة- لا يمكن تصوره منفصلًا بُرهةً واحدةً عن الفونيتيك  عند مراحل التطبيق والتحليل الفعلي للأصوات.

ولهذا كله ليس من الخطأ أو سوء التقدير أن ينظر إلى الفرعين على أنهما جانبان لشيء واحد، وأن يشار إليهما معًا باسم واحد هو علم الأصوات ما لم تكن هناك ضرورة علمية ملحة، وذلك عندما يكون العمل مركزًا على أحد الجانبين دون غيره أو دون الجانب الآخر.

وعلم الأصوات ليس بالجديد في الدراسات اللغوية؛ فهو علم قديم قد عرفته العرب والهنود والإغريق والرومان، وأسهم كل منهم بنصيب وافر في هذه الدراسات الصوتية، ولا ندعي أنهم- منفردين أو مجتمعين- قد وصلوا بعلم الأصوات إلى مستوًى علمي دقيق يقرب أو يكاد يقرب ممن عاهدوه في العصور الحديثة، ولكنهم بالرغم من ذلك بذلوا جهودًا موفقة تسترعي انتباه الدارسين في الوقت الحاضر.

على أن الدراسات الصوتية بالرغم من اهتمام الأقدمين بها لم تلق العناية اللائقة بها في العصور المتتالية بعد ذلك، ولم تحظ بما حظيت به البحوث اللغوية الأخرى من الدرس الشامل والبحث المستقيم، وأغلب الظن أنها لم تدخل في عداد البحوث العلمية الدقيقة إلا في أواخر القرن الماضي أو قبل ذلك بقليل.

وربما يرجع الإهمال في هذه الفترة الوسطى من الزمان إلى نوع من الكسل الذهني الذي يصيب الناس من وقت إلى آخر، ومن الجائز أن ينسب هذا الإهمال وذلك الإحجام عن تقصي مسائل الأصوات ومشكلاته إلى انعدام وسائل الدراسة الدقيقة لدى هؤلاء العلماء آنذاك، فالدارسون في هذه العصور شأنهم في ذلك شأن أسلافهم من القدامى لم تكن لديهم إلا وسيلة واحدة من وسائل البحث الصوتي، وهي الاعتماد على الملاحظة الذاتية، ومن هنا جاءت نتائجهم متشابهة أو متقاربة ولم يستطيعوا أن يأتوا بجديد يذكر، وكان هذا بالطبع داعيًا لتراخيهم في الدراسة والاكتفاء بما أتى به الأقدمون.

أما في العصور الحديثة فيختلف الأمر عنه في الفترات السابقة، فقد هيأت الظروف للدارسين فرصًا أفضل من ذي قبل، ووضعت في أيديهم أنماطًا دقيقة من وسائل البحث في الأصوات، وهي وسائل لم يعرفها السابقون، لقد أضحت الدراسة الصوتية الحديثة تستعين بفروع العلم الأخرى كوظائف الأعضاء والتشريح والفيزياء وغيرها، وأصبحت تخضع للتجارب المعملية والتطبيقات العملية المختلفة، هذا إلى جانب الوسيلة القديمة وهي الملاحظة الذاتية، وقد كان هذا كله بالطبع دافعًا قويًّا إلى الدخول في هذا الميدان من جديد وإلى السير فيه سيرًا حثيثًا موفقًا، حتى غدت الدراسات الصوتية تضارع في دقة شمولها غيرها من الدراسات اللغوية، بل تفوقها وتمتاز عليها بخاصتها العلمية الموضوعية التي اكتسبتها من التجارب المعملية والآلية تلك التجارب التي لا يعرف الصرف والنحو إليها ما عرفه علم الأصوات.

ولا شك أن هذا يصدق على الدراسات الصوتية عند العرب في تلك العصور الطويلة التي تلت فترات النهضة الفكرية والازدهار العلمي بالبصرة والكوفة وبغداد، وليس من العسير أن نضيف سببًا آخر أدى إلى ركود البحث في الأصوات على مستوى شامل واسع منذ أيام الرعيل الأول من علماء العربية حتى اليوم، ذلك أن الجهود الجبارة التي بذلها هؤلاء العلماء الأول في دراسة الأصوات لم تجذب إليها إلا نفرًا قليلًا من الدارسين، وبخاصة أولئك الذين كانوا يشغلون أو يشتغلون بالقراءات القرآنية وتجويد القرآن الكريم، والحق أن كل الزيادات التي زيدت والتفصيلات والتطبيقات على أعمال الأولين من علماء الأصوات كالخليل وسيبويه وابن جني إنما يرجع الفضل فيها إلى علماء التجويد أو علماء الأداء القرآني كما يطلق عليهم.

وهكذا انتقلت البحوث الصوتية على ما يبدو من الميدان اللغوي الدقيق إلى ميدان البحث في مناهج الأداء القرآني، وظلت تتابع سيرها عبر الزمان في هذا الميدان بصورة أو بأخرى حتى يومنا هذا، ولم يشأ أن يعرج عليها أو ينتفع بها إلا عدد قليل من الباحثين في علوم اللغة كبعض علماء البلاغة، وبعض النابهين من علماء الصرف والنحو المتأخرين.

error: النص محمي !!