Top
Image Alt

العلة والسبب

  /  العلة والسبب

العلة والسبب

أقسام الحُكْم الوضْعيّ:

ينقسم الحُكم الوضعيّ إلى أقسام هي:

السّبب.الشّرط.
المانع.الصّحّة.
الفساد.العزيمة.
الرّخصة. 

ويلحق بذلك: القضاء، والأداء، والإعادة.

وقَسّم الحنفيّة الحُكْم الوضعيّ إلى أقسام، هي:

الرُّكْن.العِلّة.
السّبب.الشّرط.
الحِكمة.العلامة.
المانع.الصّحّة.

ويضيف بعضهم: العزيمة، والرّخصة، والقضاء، والأداء، والإعادة.

وقد جعل ابن قدامة -رحمه الله- النّوع الأوّل مِن أنواع الحُكم الوضعيّ: ما يظهر به الحُكم؛ وهو نوعان عنده:

  1. العِلّة.
  2. السّبب.

العلّة لغةً: اسم لِما يتغيّر الشيء بحصوله، مأخوذ مِن: “العِلّة” التي هي: المرض.

وقيل: أُخذَت مِن: “العلَل”، وهو: معاودة شُرب الماء مرّة بعد أخرى.

وقيل: مِن: “الدّاعي”، ومنه: قولهم: عِلّة إكرام فلان لفلان: دينه وعلْمه وخُلُقه.

والعلّة في الأصل: عَرَض موجب لخروج البدن الحيوانيّ عن الاعتدال الطّبيعيّ، ثم استُعيرت العلّة عقلًا لِمَا أوجب حُكمًا عقليًّا. فالعلة العقلية عبارة: عمّا يوجب الحُكم لا محالة، وذلك كتأثير الكسرْ في الانكسار، والتسويد في السّواد.

استعمالات العلّة شرعًا: استعار الفقهاء العلّة العقليّة واستعملوها في ثلاثة معانٍ:

المعنى الأول: ما أوجب حُكمًا شرعيًّا لا محالة.

وهو المجموع المركّب مِن مقتضى الحُكم، وشروطه، ومحلّه، وأهله.

ومثال ذلك: وجوب الصلاة: حُكم شرعيّ.

مقتضى الحُكم: أمْر الشّارع بالصلاة.

شرْطه: أهليّة المُصلِّي.

محلّه: الصّلاة.

أهله: المصلِّي.

المعنى الثاني: أطلقوا العلّة بإزاء المقتضِي للحُكم، وإنْ تخلّف الحُكم عن مقتضيه لِفوات شرْط، أو وجود مانع.

مثال ذلك: اليمين هي المقتضية لوجوب الكفّارة، فتُسمَّى: عِلَّة لِلحُكم.

وإن كان وجوب الكفّارة إنّما يتحقّق باجتماع أمْرَيْن:

  • الحلف (اليمين).
  • الحَنث فيها.

فقالوا: الحلف: عِلَّة؛ فإذا حلف الإنسان على فعْل شيء أو تَرْكه، قيل: وحدث منه علّة وجوب الكفّارة، وإن كان الوجوب لا يوجد حتى يَحنث، لكن بمجّرد الحلف انعقد السّبب. وكذلك مَن مَلَك النّصاب، يقال وُجِدت منه علّة وجوب الزّكاة؛ لأنّ ملك النصاب مُقتضٍ لوجوب الزكاة، وإن كان الوجوب لا يتحقّق إلاّ بعد حَوَلان الحوْل، ولكن بملك النّصاب انعقد سبب الوجوب.

قولهم: “وإنْ تخلّف الحُكم لفوات شَرْط”، مثل: ملْك النّصاب؛ فإنّ وجوب الزّكاة قد يتخلّف عنه لفوات شرْطه وهو: خروجه عن ملْكه قبْل تمام الحوْل.

قولهم: “أو وجود مانع”، مثل النّصاب كذلك؛ فإنه علّة لوجوب الزّكاة، وإنْ تخلّف وجوبها لوجود مانع وهو: الدَّيْن.

المعنى الثالث: استعارتها (للحِكْمة)، أي: حكمة الحُكم، وهي: المعنى المناسب الذي ينشأ عنه الحُكم، كمشقّة السّفر بالنّسبة للقَصْر والفِطْر.

ضابط الحِكْمة: أنّها المعنى الذي مِن أجله صار الوصْف علّة.

فعلّة تحريم الخمْر مثلًا: الإسكار، وحكمته: حِفْظ العقل؛ لأنّ حفْظ العقل هو الذي صار مِن أجْله الإسْكار علّة للتّحريم في الخمْر.

النّوع الثّاني مِن أنواع العَلَم المعرِّف لحُكم شرعيّ بطريق الوضع هو: السّبب.

السّبب لغة: ما يُتوصَّل به إلى الغرَض المقصود.

ومثال السّبب: قوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ} [النور: 2]؛ فللّه تعالى في الزّاني حُكمان:

  1. وجوب الرّجْم.
  2. كوْن الزِّنا سببًا للرّجم.

السّبب اصطلاحًا: ما يلزم مِن وجوده الوجود، ومِن عدمه العدم لذاته.

شرح التّعريف:

“ما يلزم من وجوده الوجود”: أي: إذا وُجد السّبب وُجد الحُكْم؛ وهذا احتراز مِنَ الشّرط؛ لأنه لا يلزم مِن وجوده الوجود.

“ومِن عدمه العدم”: احتراز مِن المانع؛ لأنه لا يلزم مِن عدمه وجود ولا عدم.

“لذاته”: احتراز ممّا لو قارن السّببَ فقدانُ الشّرط أو وجود المانع؛ فإنه في هذه الحالة لا يلزم مِن وجوده وجود الحُكم، لكن لا لذات السّبب، بل لأمْر خارج عنه، وهو انتفاء الشّرط ووجود المانع. وذلك كالنِّصاب قبل تمام الحوْل؛ فحَوَلان الحوْل شرْط وقد انقضى، وكذلك وجود الدَّيْن مانع لوجوب الزكاة.

مِن تعاريف “السّبب” اصطلاحًا:

وصْف ظاهر منضبط دلّ السّمع على كونه معرِّفًا لِحُكْم شرعيٍّ.

استعمالات السّبب شرعًا:

استُعير السّبب مِن الوضع اللّغوي إلى التصرّف الشّرعيّ لِمَعانٍ أربعة:

المعنى الأول: ما يقابل المباشرة، مثل: حفْر البئر مع التّردية منها.

فإذا حفَر شخصٌ بئرًا، ودفع آخرُ إنسانًا فتردَّى فيها فهلَك، فالأوّل (وهو: الحافِر) سبب إلى إهلاكه، والدّافع (مُباشِر له)؛ فأُطلِق السّبب على ما يقابل المباشرة.

المعنى الثاني: علّة العلّة.

كالرّمْي: سبب للقتْل.

فالرّمي: علّة الإصابة، والإصابة: علّة لزهوق النّفس (القتل)؛ فيكون الرّمي هو: علّة القتْل، وقد سمّوه: سببًا.

المعنى الثالث: العلّة بدون شرطها.

كالنّصاب بدون حوَلان الحوْل يُسمَّى سببًا لوجوب الزكاة.

المعنى الرابع: العلة الشّرعيّة كاملة.

وهي: المجموع المركّب مِن مقتضّى الحُكم، وشرْطه، وانتفاء المانع، ووجود الأهل والمحلّ.

وهنا سؤال يطرح نفسه:

لماذا سَمّيْنا العلّة الشّرعيّة الكاملة التي يَلزم مِن وجودها وجود معلولِها: سببًا، مع أنّ السّبب لا يلزم مِن وجوده وجود مسبّبه؟ مثل: تسميد الأرض، بأنه لا يلزم منه النّموّ. وهذا تسمية للعلّة بدون اسمها، ووضْع لها دون موضعها؛ إذ العلّة العقليّة موجبة لوجود معلولها؟

والجواب عن هذا السؤال:

أنّ العلّة العقليّة علّيّتها لذاتها، والعلّة الشّرعيّة -وإن كانت كاملة، ويلزم مِن وجودها وجود معلولها وهو الحُكم الشرعي- لكن علّيّتها ليست لذاتها، بل بِنَصْب الشّارع لها أمارة على الحُكم؛ فضعفت بذلك عن العلّة العقليّة، فأشبهت السّبب. وحيث أشبهت السبب مِن هذا الوجْه، سُمّيَت “سببًا”. والدليل على أنّها ليست مؤثِّرة بذاتها: أنها كانت موجودة قبل وجود الشّرع، ولم توجد أحكامها، كالإسكار في الخمْر، ولم يوجد التحريم، ونحو ذلك. ولو كانت موجبة لِحُكمها بذاتها، لمَا تخلّفت عنها أحكامُها في بعض الأوقات.

الفَرْق بيْن العلّة والسبب:

العلّة والسّبب كلّ منهما علامة على وجود الحُكم. فالإسكار: علامة على التّحريم. والزوال: علامة على وجوب الظّهر. وقد ذهب بعض العلماء إلى أنّ السبب والعلّة بمعنى واحد.

وذهب البعض الآخر إلى تغايُرِهما؛ فالعلة هي: الأمارة المؤثّرة في الحُكم، وهي التي يوجد بيْنها وبيْن الحُكم مناسبة ظاهرة، كالإسكار: علة لتحريم الخمر. وأمّا السبب، فهو: الأمارة غيْر المؤثِّرة في الحُكم، والتي لا يوجد بيْنه وبيْن الحُكم مناسبة ظاهرة، كالوقت مِن حيث كونه سببًا لوجوب الصّلاة؛ فإنه لا توجد مناسبة ظاهرة بين الوقت ووجوب الصلاة.

وقال آخرون: السّبب أعمّ مِن العلّة؛ فكلّ علّة سبب، ولا عكس. فإذا كان هناك مناسبة ظاهرة، سُمِّي: علّة وسببًا، وإن لم يكن هناك مناسبة ظاهرة، سُمِّي: سببًا فقط، ولا يُسمَّى: علّة.

error: النص محمي !!