Top
Image Alt

العناية بالإسناد واتصاله، وسلامة رواته

  /  العناية بالإسناد واتصاله، وسلامة رواته

العناية بالإسناد واتصاله، وسلامة رواته

من خصائص الأمة الإسلامية: العناية بالإسناد واتصاله، وسلامة رواته، والمقصود: أن الإسناد في عصر التابعين بدأ البحث فيه عمن أخذ عنه التابعي لظهور الكذب من أهل البدع، وأن الأئمة من التابعين تحرزوا فيما يروونه؛ فكانوا لا يروون إلا عن ثقة, ومن روى منهم عن ضعيف بيَّنه، ومن أرسل أسقط ثقات غالبًا، ومن أرسل عن ضعيف لم يعتبر إرساله، وأن المرسلات درسها العلماء؛ فمن كان في روايته ضعيف تبيَّن بدراسة المتصل ضعفه ضعّفوا إرساله، ومن كان إذا سمى من أرسل عنه ثقة أو ظهر أن الساقط في مرسله ثقة وثّقوه.

وبدأ البحث في اتصال السند وإيثار المتصل على ما عداه، وقل الاعتماد على إرسال من أرسل إذا لم يوجد ما يؤيده من الأحاديث المتصلة, أو لم يعرف الساقط في السند وأنه ثقة.

وتحدث العلماء عن أهمية الإسناد واتصاله وسلامة رواته، وأن ذلك من خصائص الأمة الإسلامية؛ فروى الشافعي بسنده عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، وحدثوا عني ولا تكذبوا علي)) ثم قال الشافعي تعليقًا على هذا الحديث: هذا أشدّ حديث روي في تخريج الرواية عمن لا يوثق بخبره عن النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- معلوم منه أنه لا يبيح اختلاق الكذب على بني إسرائيل ولا على غيرهم، فلما فرَّق بين الحديث عن بني إسرائيل وبين الحديث عنه -صلى الله عليه وسلم-؛ لم يحتمل إلا أنه أباح الحديث عن بني إسرائيل عن كل أحد، وأنه من سمع عنهم شيئًا جاز له أن يحدث به عن كل من سمعه منه كائنًا من كان، وأن يخبر عنهم بما بلغه؛ لأنه -والله أعلم- ليس في الحديث عنهم ما يقدح في الشريعة، ولا يوجب فيها حكمًا، وقد كانت فيهم الأعاجيب؛ فهي التي يحدث بها عنهم ولا شيء من أمور الديانة. وهذا الوجه المباح عن بني إسرائيل هو المحظور عنه -صلى الله عليه وسلم-, فلا ينبغي لأحد أن يحدث عنه -صلى الله عليه وسلم- إلا عمن يثق بخبره, ويرضى دينه وأمانته؛ لأنها ديانة.

ونستطيع -بناء على ذلك- أن نقول: إن المحدث إذا روى عن ضعيف فلا يقصد ثبوت الرواية عنه، وإنما يقصد التنبيه على ضعفه وأنه خالف الرواة الثقات في روايته، وأنه أقام الدليل عليه بروايته عنه على أنه ضعيف، وقد قال ابن حزم: نقل الثقة عن الثقة يبلغ به النبي -صلى الله عليه وسلم- مع الاتصال, خص الله به سائر المسلمين دون سائر الملل؛ وأما مع الإرسال والإعضال فيوجد في كثير من اليهود، لكن لا يقربون فيه من موسى قربنا من محمد -صلى الله عليه وسلم-؛ بل يقفون حيث يكون بينهم وبين موسى أكثر من ثلاثين عصرًا -أي: طبقة من طبقات الرواة- قال: وإنما يبلغون إلى شمعون ونحوه؛ وأما النصارى فليس عندهم من صفة هذا النقل إلا تحريم الطلاق فقط، على أن مخرجه من كذاب قد صح كذبه، قال: وأما النقل بالطريق المشتملة على كذاب أو مجهول العين؛ فكثير في نقل اليهود والنصارى، قال: وأما أقوال الصحابة والتابعين -أي: الأحاديث الموقوفة والمقطوعة- فلا يمكن لليهود أن يبلغوا إلى صاحب نبي أصلًا ولا إلى تابع له، ولا يمكن للنصارى أن يصلوا إلى أعلى من شمعون وبولص.

وعد أبو علي الجياني الإسناد من خصائص هذه الأمة، فقال: خص الله تعالى هذه الأمة بثلاثة أشياء لم يعطها من قبلها، وذكر من ذلك الإسناد، وقال محمد بن حاتم بن المظفر: إن الله أكرم هذه الأمة وشرفها وفضلها بالإسناد، وليس لأحد من الأمم كلها قديمها وحديثها إسناد؛ إنما هي صحف في أيديهم وقد خلطوا بكتبهم أخبارهم؛ فليس عندهم تمييز بين ما نزل من التوراة والإنجيل وبين ما ألحقوه بكتبهم من الأخبار التي أخذوها عن غير الثقات، قال: وهذه الأمة إنما تنقل الحديث عن الثقة المعروف في زمانه، المشهور بالصدق والأمانة -أي: الضبط- عن مثله حتى تتناهى أخبارهم، ثم يبحثون أشد البحث حتى يعرفوا الأحفظ فالأحفظ, والأضبط فالأضبط, والأطول مجالسة لمن فوقه ممن كان أقل مجالسة، ثم يكتبون الحديث من عشرين وجهًا وأكثر حتى يهذبوه من الغلط والزلل ويضبطوا حروفه ويعدوه عدًّا؛ فهذا من أفضل نعم الله على هذه الأمة؛ فليوزع شكر هذه النعمة، أي: لا نهمل مثل هذه المزايا فتضيع منا.

وقال أبو حاتم الرازي: لم يكن في أمة من الأمم منذ خلق الله آدم أمةٌ يحفظون آثار الرسل إلا في هذه الأمة، وهذا كله يدل على أن مزية الأمة الإسلامية: العناية بالإسناد، واستمرار هذه العناية، وقد خفَّ العبء قليلًا بعد أن ظهرت المصنّفات الأصلية في السنة حاوية للأسانيد والمتون، وقابلة لاستمرار البحث والدراسة للتأكد من الأحاديث ومن جهود العلماء على استمرار العصور، وأصل ذلك قول الله تعالى: {ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ}القيامة: 19], أي: السنة المبينة للقرآن.

وأما كتب أصحاب الحديث المراسيل وروايتهم لها؛ فالسبب في ذلك ما تضمنت من الأحكام عند من رأى قبولها, ووجوب العمل بها مع إجماعهم على الفرق بينها وبين المسندات في المرتبة وفي التثبيت، هذا في المرسلات التي لم تثبت متصلة بوجه من الوجوه، وكتبها أيضًا أصحاب الكتب على معنى المعرفة لعلل المسندات بها؛ لأن في الرواة من يسند حديثًا يرسله غيره، ويكون الذي أرسله أحفظ وأضبط فيجعل الحكم له, وقد قال أحمد بن حنبل بمثل هذا.

قال أبو بكر الخلال: أخبرني الميموني قال: تعجب إلي أبو عبد الله -أي: أحمد بن حنبل- ممن يكتب الإسناد ويدع المنقطع، ثم قال: وربما كان المنقطع أقوى إسنادًا وأكثره، قلت: بينه لي, كيف؟ قال: يكتب الإسناد متصلًا وهو ضعيف، ويكون المنقطع أقوى إسنادًا منه وهو يرفعه -أي: الضعيف- ثم يسنده، وقد كتبه هو على أنه متصل, وهو يزعم أنه لا يكتب -أي: المرسل- فمراسيل الثقات قد يكون الإسناد إليها أقوى من الحديث المتصل إليهم؛ فيكون المرسل أقوى من المتصل عنهم, ويترك المرسل الأقوى ويكتب المتصل الأضعف.

error: النص محمي !!