Top
Image Alt

أقسام مفهوم الموافقة

  /  أقسام مفهوم الموافقة

أقسام مفهوم الموافقة

ذكرنا تعريف مفهوم الموافقة، الذي قولنا بأنه: ما يكون مدلول اللفظ في محل السكوت، موافقًا لمدلوله في محل النطق، وذكرنا أمثلته، وهو قوله تعالى: {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} [آل عمران: 75]، وأيضًا قوله تعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة: 7، 8]، وأيضًا قوله تعالى: {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} [الإسراء: 23]، وأيضًا قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا } [النساء: 10].

فمن هذه التعريفات التي أوردناها لمفهوم الموافقة وأمثلتها، يمكن تقسيم مفهوم الموافقة إلى قسمين:

القسم الأول: مفهوم موافقة يكون المسكوت عنه فيه أولى بالحكم من المنطوق به، وهذا يمكن تصوره في حالتين:

الحالة الأولى: حالة يرد فيها التنبيه من جهة اللفظ بالأدنى على الأعلى، ومن أمثلة هذه الحالة، تحريم شتم الوالدين وضربهما، المفهوم من قوله تعالى: { فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا } [الإسراء: 23]، فإن المنطوق في هذه الآية، النهي عن التأفف والنهر، والتأفيف والنهر المنهي عنهما نطقًا أقلّ شأنًا في الإيذاء من الضرب والشتم؛ فيكون الضرب والشتم محرمين بمفهوم الموافقة، وهذا مفهوم موافقة من قسم الأولى؛ لأن المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق به، وهو التحريم؛ إذ أن معنى الإيذاء والإهانة -أي: في المسكوت عنه- أوضح وأشد منه في المنطوق به.

ومن أمثلة هذه الحالة أيضًا، توقع الجزاء بما فوق الذرة من عمل الخير، وتوقع العقاب بما فوق الذرة من عمل الشر، المفهوم من قوله تعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}؛ فإن هذه الآية أيضًا فيها مفهوم موافقة من قسم الأولى؛ لأن المسكوت عنه، وهو ما زاد على الذَّرة من الخير أولى بالثواب عليه من الذرة في ذلك، وما زاد على الذرة من الشر أولى بالعقاب عليه من الذرة في ذلك، وفي هذين الشاهدين جاء التنبيه على الأدنى من جهة الأعلى؛ لأن محل الحكم نطقًا هو الأدنى، ودخل فيه الأعلى المسكوت عنه من طريق مفهوم الموافقة الأولوية.

الحالة الثانية: حالة يرد فيها التنبيه من جهة اللفظ بالأعلى على الأدنى، ومن هذه الحالة قوله تعالى في شأن أهل الكتاب: {ﮜ وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا} [آل عمران: 75]؛ إذ نبَّه اللفظ الأعلى -وهو القنطار الذي دلَّ المنطوق على أن بعض أهل الكتاب يؤدونه- على ثبوت حكم الأداء بالنسبة إلى هذا البعض فيما دونه، وهو الدينار والدرهم، وهذا أيضًا مفهوم الموافقة من قسم الأولى؛ لأن المسكوت عنه -وهو الدرهم والدينار- أولى في تأديتهم له من القنطار الذي دلَّ المنطوق على تأديتهم له.

وردُّ مفهوم الموافقة الذي يكون من قسم الأولى إلى الحالتين السابقتين التنبيه بالأدنى على الأعلى، والتنبيه بالأعلى على الأدنى، هو الذي جرى عليه كثير من علماء المتكلمين، إلَّا أن في: (مختصر ابن الحاجب)، اكتفى بإيراد التنبيه بالأدنى على الأعلى وحده، على أن يُراد بالأدنى، الأدنى مناسبة للحكم المترتب عليه، وبالأعلى الأكثر مناسبة؛ فتدخل الحالتان في حالة واحدة من حيث إن الحكم في منع التأفيف الإكرام، والتأفيف أقل مناسبة فيه من الضرب، فإذا حُرِّم التأفيف، فهنا يكون الضرب حرامًا وممنوعًا من باب أولى، وأن الحكم في أداء القنطار الأمانة، والقنطار أقل مناسبة بالتأدية مما دونه، فإذا أدى يكون من أداه أكثر استعدادًا لأداء الدينار والدرهم، على أن العضد، والسعد التفتازاني، أشارا إلى أن في: (المنتهى)، الحالتين ،اي: أن في كتاب: (المنتهى)، لابن الحاجب، الحالتين: التنبيه بالأدنى على الأعلى، والتنبيه بالأعلى على الأدنى.

القسم الثاني من مفهوم الموافقة: وهو الذي يكون المسكوت عنه فيه مساويًا للمنطوق به في الحكم، وهذا القسم يُمثّلون له بقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} [النساء: 10]، وذلك من جهة دلالته على تحريم حرق وإتلاف مال اليتيم، فإن الحرق والإتلاف مسكوت عنهما، لم يرد لهما ذكر في الآية؛ لكونهما في معنى المنطوق؛ إذ أنهما يساويان الأكل في تبديد مال اليتيم، وبالتالي في حرمانه فيكونان -أي: الحرق والإتلاف- محرمين من طريق مفهوم الموافقة. والمفهوم هنا مساوٍ للمنطوق وليس بزائد عليه؛ إذ أن الحرق والإتلاف يتساويان في المعنى مع الأكل.

error: النص محمي !!