Top
Image Alt

التخصيص بالصفة

  /  التخصيص بالصفة

التخصيص بالصفة

والمقصود بالصفة ما يقيد بها الاسم لغة أو معنى، نحو: أكرم الطالب المجد؛ والطالب هنا وصف بأنه مجد؛ إذًا كلمة المجد صفة للطالب وقد تقيد بهذا الوصف؛ فلا يحمل على عمومه وشموله في كل طالب؛ بل يختص بالطالب المجد.

ويقصد الأصوليون من الصفة: ما كانت معنوية فقط لا لفظية، بمعنى الوصف القائم بالغير، وليس شرطًا، ولا استثناء، ولا استدراكًا، وهي بهذا تخرج من العامِّ ما كان داخلًا فيه لولا ورودهم؛ كقولهم: أكرم الجنود البواسل؛ فلولا هذا الوصف الذي أعطي للجنود قيدًا معينًا؛ للزم إكرام كافة الجنود البواسل، وغيرهم.

فهي هنا قد صرفت المعنى العام عن عمومه وشموله وأوجبت قصره على البواسل فقط، وكلما ازدادت الأوصاف كلما اقتضى ذلك تخصيصًا أكثر، وتقليلًا من شيوع الحكم، ولذلك وردت القاعدة التي تقول: كلما زادت القيود قل المطلوب، مثاله قول الله -تبارك وتعالى-: { وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ } [النساء: 25]؛ فلفظ { الْمُؤْمِنَاتِ }، التي وردت قيدًا للفتيات قد قصرت معناها عن الشيوع، واقتضى ذلك أن تختص الأمة المؤمنة دون الكافرة بالحكم، فيما لو لم يستطع الرجل أن ينكح المحصنة المؤمنة، وكذلك فيما يتعلق بزواج المحصنات لم يترك الحبل على الغارب؛ بل تم تحديده بوصف المؤمنات، ولولاه لم يكن هناك اختصاص، ولا قصر للحكم العام.

إذًا المراد بالصفة هنا المعنوية، لا النعت بخصوصه، فلو قلنا مثلًا: أكرِم العلماء الزهاد؛ فإن التقييد بالزهاد يخرج غيرهم، يقول إمام الحرمين، في باب القضاء من كتاب: (النهاية): الوصف عند أهل اللغة معناه: التخصيص؛ فإذا قلت: رجل، وسكتَّ؛ شاع هذا في ذكر الرجال؛ فإذا قلت: طويل اقتضى ذلك تخصيصًا؛ فلا تزال تزيد وصفًا؛ فيزداد الموصوف اختصاصًا؛ وكلما كثر الوصف قل الموصوف.

والصفة؛ قد اتفق العلماء على تخصيص العام بها، وأنه يشترط فيها الاتصال بالموصوف، فلا يصح أن يفصل بينهما بفاصل؛ فالذين يستحقون الإكرام من قولك: أكرم العلماء الزهاد، هم الموصوفون بالزهد، ومن هنا نقول: إن وصف العلماء بالزهاد؛ يخرج ما عداهم ممن لم يتصف بهذا الوصف.

إذًا الصفة كالاستثناء في وجوب الاتصال، وأيضًا كالاستثناء في عودها إلى الجمل، يقول المازري: ولا خلاف في اتصال التوابع: وهي النعت، والتوكيد، والعطف، والبدل؛ وإنما الخلاف في الاستثناء، وقال بعضهم الخلاف في الصفة النحوية، وهي التابع لما قبله في إعرابه؛ أما الصفة الشرطية فلا خلاف فيها يقول ابن تيمية -رحمه الله-: فأما الصفات، وعطف البيان، والتوكيد، والبدل، ونحوها من المخصصات؛ فينبغي أن تكون بمنزلة الاستثناء، وقال الإمام فخر الدين الرازي في كتابه: (المحصول): إذا تعقبت الصفة شيئين؛ فإما إن تتعلق إحداهما بالأخرى، نحو: أكرم العرب، والعجم المؤمنين؛ فالمؤمنين هنا، تعود على العرب والعجم؛ وإما ألَّا يكون كذلك، نحو: أكرم العلماء، وجالس الفقهاء الزهاد؛ فههنا الصفة عائدة إلى الجملة الأخيرة فقط؛ فكلمة: “الزهاد”، تعود على الفقهاء فقط، ولا تعود على العلماء، فههنا الصفة عائدة إلى الجملة الأخيرة، وللبحث فيه مجال كما في الاستثناء. 

وقال الإمام صفي الدين الهندي -رحمه الله-: إذا كانت الصفات كثيرة وذكرت على الجمع عقب الجملة؛ تقيدت بها، أو ذكرت على البدل؛ فلواحدة غير معينة، وإن ذكرت عقب جمل؛ فللعود إلى كلها، أو إلى الأخيرة خلاف.

وعلى ذلك فمن أحكام الصفة، نستطيع أن نلخِّص أحكام الصفة في النقاط الآتية:

أولًا: الصفة تقلل من شمول العموم وتقصره على معنى معين وارد في النص، ولو لم تكن هذه الصفة؛ لأدرك أن المقصود هو العموم المطلق، وهي بهذا الحكم تتفق مع سائر القيود؛ كالشرط مثلًا.

ثانيًا: من أحكام الصفة إذا وردت الصفة بعد جمل متعاطفة؛ فإنها ترجع إلى أحد أمرين:

الأمر الأول: إلى الأقرب لها.

الأمر الثاني: إلى جميع الجمل المتعاطفة، ويعرف مرجع الصفة بالقرينة التي يتضمنها النص، أو من معنى السياق، والاختلاف في مرجع الصفة لدى عدم وجود القرينة قائم بين العلماء؛ كالاختلاف في الاستثناء.

ثالثًا: إذا توسطت الصفة بين اسمين؛ فإنها ترجع إلى الذي سبقها بالاتفاق، لا إلى الذي تلاها، نحو: أوقفت داري على أولاد المحتاجين وأولادهم؛ فالمحتاجين هنا صفة لأولاد فقط؛ أما أولادهم فما زال هذا الاسم على عمومه، وهناك فرق بين القيد الذي يرد بعد المطلق والذي يرد بعد العام من حيث إن أمثلة المطلق لا تطبق على العام؛ لقول الله تعالى: { وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ } [النساء: 92]، فلفظ {مُؤْمِنَةٍ }، وإن كان وصفًا وقيدًا يقلل شيوع المطلق ويقصره عليه، إلَّا أن هذا المثال لا يدخل ضمن نطاق العام المقيد بالصفة، وذلك للفرق بين العموم والإطلاق، وبتعبير أوضح لما يوجد من فرق بين العام والمطلق، ألفاظًا وحكمًا.

وينبغي أن نشير هنا إلى أن الإمام البيضاوي -رحمه الله- قد مثل في كتابه: (المنهاج)، بالمثال المذكور سابقًا، على العام المقصور بالصفة؛ لكن الإسنوي رد عليه هذا قائلًا بأن: هذا المثال غير مطابق وهو من باب تقييد المطلق، لا من باب تخصيص العام؛ وعلى ذلك فإذا توسط الوصف بين الجمل؛ ففي عوده إلى الأخيرة خلاف حكاه ابن داود من الشافعية في: (شرح مختصر المزني)، قال: وبنى عليهما القولان، في إيجاب المتعة للمطلقة بعد الدخول؛ استنباطًا من قولهسبحانه وتعالى: { لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ} [البقرة: 236]، قال: ووجه البناء أن الحكم المقصود، إنما هو رفع الجناح عن المطلقين قبل المسيس، والفرض، ثم إنه عطف عليه بقوله: { وَمَتِّعُوهُنَّ }، فإن أعدنا الصفة إليه أيضًا؛ لم تجب المتعة لغير هؤلاء؛ وكأنه قيل: ومتعوا المذكورات؛ فإن لم نعده وجبت، وكأنه قيل: ومتعوا النساء، وقضيته عدم ترجيح عوده إليهما.

الحكم إذا وقعت الصفة بعد متَّحِدٍ أو متعدِّد:

فإذا وقعت الصفة بعد شيء واحد اختص بها؛ مثل قولهم: ارحم الأطفال اليتامى، وإن وقعت بعد متعدد؛ نحو قولهم: أكرم بني تميم، وبني ربيعة الطوال؛ كان في ذلك الخلاف المذكور في عود الاستثناء على الجميع، أو ما يليه فقط.

وقد فصَّل فخر الدين الرازي -رحمه الله- الكلام في هذه المسألة فقال: الصفة إما أن تكون مذكورة عقب شيء واحد؛ كقولنا: رقبة مؤمنة، ولا شك في عودها إليه، أو عقب شيئين، وههنا إما أن يكون أحدهما متعلقًا بالآخر؛ كقولك: أكرم العرب والعجم المؤمنين؛ فههنا تكون الصفة عائدة إليهما، وإما ألَّا تكون كذلك؛ كقولك: أكرم العلماء، وجالس الفقهاء الزهاد؛ فههنا الصفة عائدة إلى الجملة الأخيرة.

الحكم إذا تقدمت الصفة أو توسطت:

إذا تقدمت الصفة، نحو: وقفت على محتاجي أولادي وأولادهم؛ فتعود الصفة على أولاد الأولاد مع الأولاد، وقيل: لا تعود، يقول ابن النجار -رحمه الله-: لو تقدمت الصفة، نحو: وقفت على محتاجي أولادي وأولادهم؛ فتشترط الحاجة في أولاد الأولاد، على الصحيح الذي عليه الأكثر.

ومعنى هذا: أن الصفة تتجه إليهما؛ وإن توسطت الصفة، نحو: وقفت على أولادي المحتاجين وأولادهم؛ فالمختار اختصاصها بما وليته، ويحتمل أن يقول: تعود إلى ما وليها أيضًا، يقول تاج الدين السبكي في كتابه: (جمع الجوامع): لا نعرف فيها نقلًا، والمختار اختصاصها بما وليته.

فائدة: الوصف إما أن يكون لمعرفة وإما أن يكون لنكرة؛ فإن كان لنكرة؛ ففائدته التخصيص، نحو: مررت برجل صالح، ونحو قوله تعالى: { مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ } [آل عمران: 7]، وإن كان لمعرفة ففائدته التوضيح ليتميز به عن غيره، نحو: زيد العالم، ومنه قوله تعالى: { حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ } [البقرة: 238] .

والبيانيون يسمون مثل ذلك؛ الصفة المفارقة، وخالفهم “ابن الزملكان” تلميذ ابن الحاجب؛ حيث قال: إذا دخلت الصفة على اسم الجنس المعرف بالألف واللام؛ كانت للتخصيص لا للتوضيح؛ لأن الحقيقة الكلية لو أريدت باسم الجنس من حيث هي هي؛ كان الوصف لها نسخًا؛ فيتعين أن يكون معينًا بها، ثم الصفة تأتي مبيِّنة لمراد المتكلم، ويتفرع على هذا ما لو قال: والله لا أشرب الماء البارد؛ فشرب الماء الحار؛ لم يحنث؛ بخلاف ما لو قال: والله لا كلمت زيدًا الراكب؛ فكلمه وهو جالس يحنث؛ لأنه حينئذ لم تفد الصفة فيه تقييدًا.

إذًا الصفة قد تكون لمعرفة، وقد تكون لنكرة، وظاهر تصرف الشافعية، أن الصفة إذا وقعت للنكرة؛ فهي للتوضيح، خلافًا لأبي حنيفة؛ فإنها للتخصيص؛ ولهذا كانت العارية عند الشافعية على الضمان، وعند الحنفية على الأمانة، بمعنى أن من استعار شيئًا؛ فإنه يضمنه إذا تلف، أو هلك عند الشافعية، ولا يضمنه عند الحنفية.

ومنشأ الخلاف، أن قوله صلى الله عليه وسلم: ((عارية مضمونة))، هل هي مضمونة للتخصيص، أو للتوضيح؟ فعند الشافعية: للتوضيح، وعند الحنفية: للتخصيص، وكذلك العبد لا يملك عندنا، أي: أنه لا يملك شيئًا عند الشافعية، وعند أبي حنيفة: يملك، ومدرك ذلك قوله تعالى: { ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ} [النحل: 75]، هل هذا الوصف للتوضيح أو للتخصيص؛ فعند الشافعية للتوضيح؛ إذ العبد لا يخرج حاله عن هذا، وعند الحنفية للتخصيص على سبيل الشرط.

وقد اتفق العلماء على القول بتخصيص العام للصفة، واختلفوا في مفهوم الصفة، نحو: ((في سائمة الغنم الزكاة))، فهنا ((الغنم))، وصفت بكونها ((سائمة))، أي: غير معلوفة، فما حكم مفهوم هذه الصفة: وهي الغنم المعلوفة؛ فقد اختلفوا فيه، واتفقوا هنا، والجواب: أن الصفة تأتي لرفع احتمال في أحد محتمَلَين على السواء؛ لأن الرقبة تتناول الرقبة المؤمنة، وتتناول الرقبة الكافرة، فإذا قُيِِّدت زال الاحتمال.

error: النص محمي !!