Top
Image Alt

السنة: تعريفها، أهميتها، علاقتها بالقرآن الكريم

  /  السنة: تعريفها، أهميتها، علاقتها بالقرآن الكريم

السنة: تعريفها، أهميتها، علاقتها بالقرآن الكريم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد، وعلى آله، وأصحابه، وأزواجه الطيبين الطاهرين، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ثم أما بعد:

فالسنة: هي كل ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قول، أو فعل، أو تقرير، أو صفة خَلْقية، أو خُلُقية، حتى الحركات والسكنات، في اليقظة وفي المنام، قبل البعثة وبعدها.

وهذا تعريف للسنة اصطلح عليه العلماء.

والسنة مهمة جدًّا في التشريع الإسلامي؛ لأنها تبين القرآن، ولأنها تشرِّع مع القرآن الكريم.

ومنزلة السنة ثابتة من خلال القرآن الكريم، والأدلة كثيرة على ضرورة اتباع النبي صلى الله عليه وسلم وتحكيمه في كل شأن من شئون حياتنا.

والقرآن الكريم يتوقف فهمه على السنة، فالسنة مبينة له.

وبيان السنة للقرآن له وسائل متعددة:

منها: تفصيل المجمل.

ومنها: تخصيص العام.

ومنها: تقييد المطلق.

ومنها: توضيح المبهم.

ولولا بيان السنة للقرآن الكريم ما فهمناه، وما استطعنا تطبيقه، ومهمة البيان التي نتحدث عنها في السنة مهمة ثابتة بنص القرآن الكريم، وهي مهمة أوكلها الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم في قوله عز من قائل: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون}  [النحل: 44]، وأيضًا في سورة النحل: {وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُون} [النحل: 64].

فالسنة هي التي بينت أن الظهر أربع ركعات، وأن العصر أربع ركعات، وأن المغرب ثلاث ركعات… إلى آخر بيان السنة للقرآن الكريم.

ولا يقتصر دور السنة على بيان القرآن الكريم فقط، بل هي تشرِّع مع القرآن، أي: تؤسس أحكامًا لم يسبق لها ذكر في القرآن، فتشرِّع في مجال الواجبات، وفي مجال المحرمات.

وهناك عشرات الأمثلة على أن السنة تشرِّع مع القرآن الكريم، حيث حرَّمت وأوجبت.

فأوجبت مثلًا زكاة الفطر؛ ففي الصحيحين من رواية ابن عمر رضي الله عنهما: ((فرَض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر صاعًا من تمر، أو من شعير، أو من زبيب…)) إلى آخر الحديث.

فالذي فرض هو رسول الله صلى الله عليه وسلم على كل صغير وكبير، ذكر وأنثى من المسلمين، وأمر بأن تخرج الزكاة قبل أن يخرج الناس إلى صلاة العيد.

لذلك عَرفت الأمة دور السنة وأهميتها بالنسبة للإسلام، وأنها المصدر الثاني للتشريع بعد كتاب الله تعالى، وأننا لا نستطيع أن نَستمِد من القرآن الكريم وحده، فلن نفهم القرآن الكريم بمعزل عن السنة.

ثم إن الله عز وجل أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يُشرِّع، وأمر المسلمين أن يسمعوا له ويطيعوا في أكثر من آية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ}  [النساء: 59].

ولما عرفت الأمة منزلة السنة اهتمت بها جدًّا تصونها وتحفظها؛ وهذا أمر بدهي وواضح في مسيرة الأمة من لدن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة، إلى من بعدهم، حيث تلقفوا السنة واهتموا بها اهتمامًا بالغًا، إذ كان اهتمامهم بها عبادة وطاعة وقربة إلى الله عز وجل.

هذا الاهتمام أخذ أشكالًا متعددة وعلومًا كثيرة، فالسنة عبارة عن نصٍّ منقول عن النبي صلى الله عليه وسلم يسميه علماء الحديث “متن الحديث” رواه الرجال الذين نقلوا حديث النبي صلى الله عليه وسلم إلى الأمة.

هذان هما القسمان الرئيسان في السنة: رجال الحديث، إسناد الحديث، طريق الحديث، رواة الحديث.

وكذلك النص المنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم الذي نسميه متن الحديث.

وقد وضع علماء الأمة القواعد الضابطة لكليهما.

من هو الراوي الذي نقبل روايته؟

إن أي راوٍ حين يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يعد هذا القول دين، لا يسع أي إنسان من المسلمين أن يتقاعس عن تطبيقه، وعن العمل به؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يبين القرآن الكريم، ويشرع مع القرآن الكريم، فحين يضاف القول إلى النبي صلى الله عليه وسلم فهذا دين يجب اتباعه، ومن ثَمَّ يجب علينا أن نتحرى جدًّا من إثبات صدق وصحة نسبة هذا القول إلى النبي صلى الله عليه وسلم، هل قاله النبي صلى الله عليه وسلم فعلًا أو لم يقله؟

كيف نتأكد من أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله؟

لا بد أن نهتم برواة الأحاديث، بنقلة الأخبار إلينا، وكما يقال: “آفة الأخبار رواتها”، إذ هم الذين يَصْدقون أو يَكْذبون، وهم الذين يُضيفون أو يحذفون، وهم الذين يُغيرون أو يبدلون.

لذلك اهتم العلماء جدًّا بدراسة أحوال الرواة الذين نقلوا لنا حديث النبي صلى الله عليه وسلم وكان هذا طريقًا من طرق إثبات صحة الحديث: أن نتأكد من عدالة الرواة الذين نقلوا لنا الحديث، نتأكد من ثقتهم، من ضبطهم وإتقانهم، فوضع العلماء معايير كثيرة للدارسين يدرسونها في مادة المصطلح وفي غيره حين يدرسون شروط الحديث الصحيح؛ من اتصال السند، وعدالة الرواة، وضبطهم، وخلو الحديث من الشذوذ، ومن العلة القادحة، فإذا سلم لنا الإسناد كان هذا طريقًا إلى إثبات صحة الحديث، لكنه ليس الطريق الوحيد، فلا بد من النظر في المتن -أي: النص النبوي- في ضوء معايير كثيرة وضعها العلماء لتمييز المتن الصحيح من غيره مما لا تظهر عليه أنوار النبوة، ولا يمكن أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد قاله.

إذًا يوجد معايير لأحوال الرواة، ويوجد معايير لنقد المتن ولدراسته، وعند دراسة الرواة الذين نقلوا لنا حديث النبي صلى الله عليه وسلم كان يجب أن نعرف تفصيلات كثيرة عنهم حتى نتمكن من قبول مروياتهم, لذا تولَّدت عن ذلك علوم كثيرة جدًّا، من بينها هذه المادة التي ندرسها: “رواة الأحاديث وطبقاتهم”.

إذًا معرفة أحوال الرواة طريق موصلة إلى التأكد من صحة نسبة الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

error: النص محمي !!