Top
Image Alt

الشبهة الرابعة والرد عليها

  /  الشبهة الرابعة والرد عليها

الشبهة الرابعة والرد عليها

هذه الشبه: هي ما قاله البعض من أنه يُحدّث بما لم يسمع، واستدلوا على ذلك بما رواه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من أصبح جنبًا فلا صوم له))، وأنكرت ذلك أمنا عائشة رضي الله عنها وقالت: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُدركه الفجر في رمضان، وهو جنب من غير احتلام، فيغتسل ويصوم)) فلما ذُكر ذلك لأبي هريرة رضي الله عنه قال: “إنها أعلم مني، وأنا لم أسمعه من النبي صلى الله عليه وسلم وإنما سمعته من الفضل بن عباس”.

فيستدلون بهذا الحديث على أنه يحدث بما لم يسمع، وهذا أمر قررناه كثيرًا، وأفردناها بالحديث؛ لأنهم عدوها شبهة مستقلة، أي: عدوا تحديثه بما لم يسمع شبهة، وتوقفوا مع بعض الأحاديث بشكل تفصيلي مما يحتم علينا أن نتوقف معها أيضًا بإذن الله.

لكننا قلنا مرارًا: إن هذا أمر وارد عن الصحابة جميعًا واستدللنا قبل ذلك بفعل عائشة رضي الله عنها، وذكرنا لها حديثين كنماذج، وهو حديث بدء الوحي، وحديث: ((فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين ركعتين)) إلى آخره.

وأيضًا ثبت عن ابن عباس وعن ابن عمر وغيرهم رضي الله عنهم أنهم كانوا يسمعون من بعضهم.

فتحديثه بما لم يسمع، ليس فيه شبهة ولا مشكلة، وإنما هذا منهج عام بين الصحابة رضي الله عنهم، والواقع يحتاج إليه ويؤكده.

إذًا كيف كان يروي الصحابة الحديث هكذا؟

والجواب: أنهم كانوا يسألون عن أمور العلم، فيخبر الصحابي بالحديث الذي سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة جلوس مع بعضهم، حتى بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وكلما سمع صحابي من صحابي آخر حديثًا- وهم يتناقشون في المسألة- ضمه إلى قائمة محفوظاته وحدث به بعد ذلك من غير أن ينسبه إلى ذلك الصحابي، وهذا لا غضاضة فيه أبدًا.

أيضًا تكلم البعض عن فقه أبي هريرة رضي الله عنه، وأنه لم يكن من الصحابة الكبار في الفقه، وهذه شبهة يثيرها البعض حوله؛ من أنه لم يكن من أهل الثقة.

وأقول: يشهد الله أن هذا كلام رديء يجافي الواقع، فأبو هريرة زاده الله قدرًا ورفع شأنه بفقهه في النص، على أنه لو كان مجرد ناقل فقط ما عابه ذلك، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم بيَّن أن لنقلة الأحاديث دورًا وهو صيانة السنة ليقدموه بعد ذلك لمن يستطيعون أن يفهموا النص، ويستخرجوا منه الأحكام الشرعية، فهذا شيء لا يعيب، بل من يساهم في الحفاظ على السنة النبوية بأي صورة من الصور فهو مأجور، والنبي صلى الله عليه وسلم حدثنا عن ذلك فقال: ((نضر الله امرءًا سمع منا مقالة فوعاها، فأداها كما سمعها؛ فرب مبلغ أوعى من سامع، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه))، فكلها أدوار متعاونة.

وتواضع المُحدِّثون، فقالوا للفقهاء: نحن الصيادلة وأنتم الأطباء، نحمل إليكم النص وأنتم تستخرجون منه الأحكام، مع أن الفقهاء إن لم يكونوا محدثين، فلن يكونوا أبدًا من أهل الفقه.

فلو افترضنا أن أبا هريرة لم يكن من أهل الفقه لا يضره ذلك، فهذا دور مثلًا لم يهيئه الله له، لكن الواقع غير هذا، فالله متعه بمزيد من الفقه والفهم، مع الحفظ والرواية التي ساهمت بدور كبير في حفظ السنة؛ ليغتاظ الأعداء ولتمتلئ قلوبهم بالحقد أكثر، وليردَّ الله ذلك إلى نحورهم.

والأدلة على فقه أبي هريرة رضي الله عنه كثيرة، إذ هو قد سمع الحديث الذي رواه معاوية بن أبي سفيان وغيره: ((مَن يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين))، ولذلك روى الخطيب في (الجامع لأخلاق الراوي وسامعه) عن أبي هريرة قوله: “لأن أفقه ساعة أحب إليَّ من أن أحيي ليلةً أصليها حتى أصبح، والفقيه أشد على الشيطان من ألف عابد، ولكل شيء دعامة، ودعامة الدين الفقه”.

وقول أبي هريرة هذا يحمل مجموعة من القواعد فهو يقرر أن ساعة في الفقه وفي دروس العلم أفضل بكثير من ليلة يحييها كاملة في الصلاة حتى الصباح، والفقيه أشد على الشيطان من ألف عابد، وهذه أيضًا قاعدة أخرى، ولكل شيء دعامة، ودعامة الدين الفقه، فهذه ثلاث قواعد تنبئ عن فقهه رضي الله عنه، وعن حبه للفقه، وعن استعداده له.

أما المواقف العملية التي أفتى فيها أبو هريرة فهي كثيرة جدًّا:

ذكر الإمام مالك في موطئه بإسناده إلى أبي هريرة أنه أقبل من البحرين حتى إذا كان بالربذة – وهو مكان معروف قرب المدينة، الذي توفي فيه أبو ذر رضي الله عنه وجد ركبًا من أهل العراق محرمين، فسألوه عن لحم صيد وجدوه عند أهل الربذة فأمرهم بأكله، ثم إني شككت فيما أمرتهم به، فلما قدمت المدينة ذكرت ذلك لعمر بن الخطاب، فقال عمر: ماذا أمرتهم به؟ فقال: أمرتهم بأكله. قال عمر بن الخطاب: لو أمرتهم بغير ذلك لفعلت بك.

فعمر رضي الله عنه لم يكتفِ بتصويب ما أفتى به أبو هريرة، إنما بيَّن له أنه الحق ولا حق غيره، وأنه لو كان فعل غير ذلك لربما كان قد عُوقب.

والإمام مالك أيضًا روى بإسناده إلى معاوية بن أبي عائشة الأنصاري أنه كان جالسًا مع عبد الله بن الزبير، وعاصم بن عمر بن الخطاب، قال: فجاءهما محمد بن إياس بن البكير، فقال: إن رجلًا من أهل البادية طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها، فماذا تريان؟ فقال عبد الله بن الزبير: “إن هذا الأمر ما لنا فيه قول، فاذهب إلى عبد الله بن عباس وأبي هريرة، فإني تركتهما عند عائشة فسلهما، ثم ائتنا فأخبرنا، فذهب فسألهما، فقال ابن عباس لأبي هريرة: أفتيه يا أبا هريرة، فقد جاءتك معضلة، فقال أبو هريرة: الواحدة تبينها- يعني: لو طلقها واحدة بانت منه؛ لأنها قبل الدخول- والثلاثة تحرمها حتى تنكح زوجًا غيره”. وقال ابن عباس مثل ذلك.

والروايات التي تدل على فقه أبي هريرة رضي الله عنه في هذا كثيرة.

قال الذهبي -رحمه الله- في (السير) بعد أن ذكر بعض المسائل الفقهية التي أفتى فيها أبو هريرة: “وكذلك أفتَى أبو هريرة في دقائق المسائل مع مثل ابن عباس، وقد عمل الصحابة فمَن بعدهم بحديث أبي هريرة في مسائل كثيرة تُخالف القياس، كما عملوا كلهم بحديثه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا تُنكح المرأة على عمتها ولا خالتها))، وعمل أبو حنيفة والشافعي وغيرهما بحديثه: ((مَن أكل ناسيًا فليتمَّ صومه)) مع أن القياس عند أبي حنيفة أنه يفطر، فترك القياس لخبر أبي هريرة.

وخالف ابن عباس -رحمه الله- في عدة من توفي عنها زوجها؛ حيث حكم ابن عباس رضي الله عنه بأبعد الأجلين، أي: استفتي في المرأة الحامل التي توفي عنها زوجها، هل عدتها أربعة أشهر وعشرًا، كما وردت الآيات في سورة البقرة، أو بوضع الحمل كما ورد في سورة الطلاق في أن المرأة الحامل عدتها بوضع حملها، فأجاب ابن عباس رضي الله عنه بأبعد الأجلين. أي: إذا كان الحمل هو الأبعد اعتدت به، أو إذا كان الأربعة أشهر هي الأبعد اعتدت بها، وأجاب أبو هريرة بوضع الحمل.

وهناك نقول كثيرة في هذا تثبت فقه أبي هريرة رضي الله عنه:

قال الذهبي أيضًا -رحمه الله- في بداية ترجمته في (السير): “قال الإمام الفقيه المجتهد الحافظ صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أبو هريرة الدوسي اليماني سيد الحفاظ الأثبات”.

وابن حجر أيضًا في مقدمة (الإصابة) وهو يذكر بعض المسائل المتعلقة بالصحابة قال: فائدة: أكثر الصحابة فتوى مطلقًا سبعة: عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وزيد بن ثابت، وعائشة، رضي الله عنهم.

قال ابن حزم في (الإحكام): يمكن أن يُجمع من فتيا كل واحد منهم أو من هؤلاء مجلد ضخم، ويليهم عشرون، ذكر منهم: أبا بكر، وعثمان، وأبا موسى، وأبا هريرة، أي: ذكر عشرين يأتون في المرتبة الثانية بعد هؤلاء السبعة الذين هم أكثر الصحابة فتوى على الإطلاق، والذين من الممكن أن يُجمع من فتاوى كل واحد فيهم مجلد ضخم كبير، وقال عن هؤلاء العشرين: يمكن أن يجمع من فتيا كل واحد منهم جزء صغير.

وأقر ابن القيم -رحمه الله- في (إعلام الموقعين) كلام ابن حزم، ولم يعترض عليه إلا في إدراجه ماعزًا والغامدية بين فقهاء الصحابة، أي: استغرب أن يذكر ابن حزم ماعزًا والغامدية- وقد أقيم عليهما حد الزنا- بين فقهاء الصحابة، ثم اعتذر عنه بأنه ربما فهم ذلك من مجيئهم للنبي صلى الله عليه وسلم وإقرارهم بذنبهم، وسؤالهم عن الحكم الشرعي فيه، وامتثالهم له.

إذًا هذه الأقوال تثبت فقه أبي هريرة، وأنا أقول: ليس في الفقه فقط، فأمامنا الكتب في الفقه، وفي التفسير، وفي شروح الأحاديث التي تكثر من النقل جدًّا عن أبي هريرة.

إذًا فقه أبي هريرة وعلمه فوق أن يُنازع فيه، أو أن يناقش، أو أن يتكلم فيه متكلم لم يَخْبُر العلم، ولم يقرأ في الكتب، ولم يسمع من العلماء، وإنما فقط يردّد قولًا قاله بعض الناس في موقف ما، إشارة إلى قضية ما، فيبني عليه موقفًا؛ لأن هؤلاء يبحثون عن مثل هذه الترّهات ليقيموا عليها بنيانًا متهافتًا هو مردود بإذن الله -تبارك وتعالى- إلى نحورهم.

error: النص محمي !!