Top
Image Alt

بقية المذاهب في العمل بالعام قبل البحث عن المخصص، وأدلتها

  /  بقية المذاهب في العمل بالعام قبل البحث عن المخصص، وأدلتها

بقية المذاهب في العمل بالعام قبل البحث عن المخصص، وأدلتها

تبين لنا أن العلماء اختلفوا في العمل بالعام قبل البحث عن المخصص على قولين:

القول الأول: أنه لا يجوز العمل بالعام قبل البحث عن مخصص:

وهذا قول إمام الحرمين، والغزالي، وكذلك قول الإمام الآمدي، وحكى ابن الحاجب -رحمه الله- الإجماع عليه، واختاره بعض الحنابلة منهم أبو الخطاب، ورواية عن الإمام أحمد، رواه ابنه صالح وأبو الحارث وغيرهما، حيث قال -رحمه الله- في رواية صالح: إذا كان للآية ظاهر، ينظر ما عملت السنة فهو دليل على ظاهرها، ومنه قوله تعالى: { يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ } [النساء: 11]، فلو كانت على ظاهرها؛ لزم من قال بالظاهر أن يورّث كل من وقع عليه اسم الولد وإن كان قاتلًا أو يهوديّا.

وقال أيضًا فيما كتب به إلى عبد الرحيم الجوزجاني: فأما من تأوله على ظاهره -آي القرآن الكريم- بلا دلالة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أحد من أصحابه فهو تأويل أهل البدع؛ لأن الآية قد تكون خاصة ويكون حكمها حكمًا عامًّا، ويكون ظاهرها في العموم، وإنما قصدت لشيء بعينه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم المعبّر عن كتاب الله تعالى، وما أراد وأصحابه -رضوان الله عليهم- أعلم بذلك منا؛ لمشاهدتهم الأمر وما أريد بذلك.

فأصحاب هذا القول يرون عدم جواز العمل بالعام إلَّا بعد البحث عن مخصص له، فإن وجد حُمل اللفظ العام على الخصوص، وإن لم يوجد حمل حينئذ على العموم، لكنهم اختلفوا في مقدار البحث عن المخصص على فريقين:

الأول: لا يجوز العمل بالعام إلَّا بعد القطع بعدم وجود المخصص؛ وذلك لأن القطع بعدم وجوده؛ ممكن حيث يبحث المجتهد عنه بحثًا فيه شمول واستيعاب، فإذا لم يجده حينئذ كان دليلًا على عدم وجوده في الواقع؛ لأن العادة جارية بأنه لو كان موجودًا في الواقع ونفس الأمر لعثر الباحث عليه، فحيث لم يجده كان غير موجود، وحينئذ يقطع بأن هذا العام لا يوجد له مخصص، ومن ثم يتعين عليه العمل بالعام؛ وهذا قول القاضي أبو بكر الباقلاني، وجماعة من الأصوليين، كما ذكر الآمدي، والأسنوي، وغيرهم.

الثاني: يجوز العمل بالعام قبل أن يغلب على الظن عدم وجود مخصص له، ولا يشترط القطع بعدم وجوده؛ وهذا القول لأكثر القائلين بعدم جواز العمل بالعام قبل البحث عن مخصص، وقد اختاره ابن جريج، وإمام الحرمين، والغزالي، والآمدي -رحمهم الله.

ووجهة أصحاب هذا القول: أن القطع بعدم وجود المخصص لو كان مطلوبًا، لما أمكن الاستدلال بالعام؛ لأنه لا سبيل إلى القطع بعدم وجود مخصص مع احتمال العام التخصيص احتمالًا راجحًا، حتى شاع بين العلماء: ما من عام إلَّا وخُصص، لكن عدم الاستدلال بالعمومات باطل؛ لأن الواقع يكذّبه، فكان الظن بعدم المخصص كافيًا؛ لأنه هو الذي في وسع المكلف.

هذا، وقبل أن نذكر ما استدل به أصحاب هذا القول في عدم جواز العمل بالعام قبل البحث عن مخصص، نقول: إن ما حكاه ابن الحاجب من الإجماع غير صحيح؛ حيث إن كثيرًا من العلماء لم يقولوا بهذا القول.

وأعجب لكلام إمام الحرمين؛ تعليقًا على إباحة الصيرفي العمل بالعام قبل البحث عن مخصص؛ حيث قال: وهذا غير معدود عندنا من مباحث العقلاء؛ وإنما قول صدر عن غباوة واستمرار في عناد، وقد استند إلى كلام إمام الحرمين، الكمال بن الهمام؛ حيث نقل الإجماع على: منع العمل بالعام قبل البحث عن المخصص، وهو إما لعدم اعتبار قول الصيرفي، لقول إمام الحرمين: إنه ليس من مباحث العقلاء، وإنما قول صدر عن غباوة وعناد، وإما لتأويله بوجوب اعتقاد العموم قبل ظهور المخصص.

والحق أن خرق الإجماع إنما كان لمخالفة الصيرفي وغيره، ولا يمكن أبدًا أن نسلم بوجود إجماع في مسألة خالف فيها علماء مشهود لهم بالعلم والعمل والفضل، وكلام إمام الحرمين في حق الإمام الصيرفي كلام شديد، ولكنهما عالمان فاضلان ليس لمثلنا أن يخطّئ الجويني في هذا الكلام، وإنما ندعو الله سبحانه وتعالى أن يحشرنا ومشايخنا في زمرة العلماء المخلصين المقبولين.

الذين قالوا بأنه: “يجوز العمل بالعام بعد أن يغلب على الظن عدم وجود مخصص له، ولا يشترط القطع بعدم وجوده”، استدلوا على ذلك بأن لفظ العموم يقتضي الاستغراق بشرط تجرده عن قرينة تخصه، ونحن لا نعلم عدم القرينة إلَّا أن نطلب فلا نجد، فإن قيل: الأصل عدم القرينة؛ قلنا: إلَّا أنه يجوز أن تكون موجودة؛ فمتى لم نعلم عدمها، لا نعلم تجرد لفظ العموم، فلا يجب حمله على الاستغراق، فإن قيل: فهذا يجب أن يتوقف أبدًا؛ لجواز وجود القرينة المخصصة، قلنا: بل يجب أن نجتهد ونبحث في الأصول، فإذا لم نجد حكمنا بعدم ذلك، ولم نتوقف لترقب مع عساه أن يوجد، كما نقول في الحاكم إذا شهد عنده اثنان بحث عن عدالتهما، فإذا لم يجد ما يسقط العدالة وجب عليه الحكم، ولا يترقب أن يجد قدحًا فيما بعد، وكذلك المجتهد، إذا أدى اجتهاده إلى شيء حكم به أو أفتى به، ولا يترقب أن يختلف اجتهاده فيما بعد، أو يجد ما يخالفه.

القول الثاني: وهو جواز العمل بالعام قبل البحث عن مخصص:

وهو قول الصيرفي، والبيضاوي، والأرموي -صاحب (الحاصل)- والقاضي أبي يعلي الحنبلي، وأبو بكر الخلال الحنبلي، وهو ظاهر كلام الإمام أحمد -رحمه الله- في رواية عنه، وهو قول ابن عقيل -رحمه الله- وهو ما استقر عليه مذهب السادة الحنفية، وقد استدل أصحاب هذا القول بما يلي:

أولًا: لو وجب طلب المخصص في التمسك بالعام تحرُّزًا عن الخطأ، باحتمال المخصص؛ لوجب طلب المجاز في إجراء اللفظ على حقيقته تحرزًا عن الخطأ، باحتمال المجاز، والجامع الاحتراز عن الخطأ، لكن اللازم وهو طلب المجاز في إجراء اللفظ على حقيقته منتفٍ اتفاقًا؛ لأنهم يحملون الألفاظ على ظواهرها في أول سماعها من غير بحث عن أنه وجد ما يوجب العدول عن الظاهر أولا، فكذلك الملزوم، وهو المطلوب.

واستدلوا أيضًا: بأن لفظ العموم موجب للاستغراق، والمخصص معارض، والأصل عدم المعارض، وعليه فيعمل بالعام من غير بحث عن مخصص له، وهو ما ندَّعيه.

الثالث: ثبت أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حكم بالدّية في الأصابع؛ لمجرد العلم بكتاب عمرو بن حزم رضي الله عنه وترك القياس والرأي، ولم يبحث عن المخصص، ولم يسأل عنه.

هذا، وبعد ذكر موقف العلماء من هذه المسألة الدقيقة، نقول: أنه لم ينقل عن واحد من الصحابة قط التوقف في العام حتى يبحث عن المخصص، ولم ينكر واحد منهم -في المناظرات- على من تمسك بالعام قبل البحث عن المخصص، وكذا في القرنين الثاني، والثالث، قال بعض الأصوليين: إن الخلاف ليس إلَّا فيما إذا ورد الخطاب العام بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، أما إذا ورد في عهده صلى الله عليه وسلم، وجبت المبادرة إلى الفعل على عمومه؛ لأن أصول الشريعة لم تكن متقرّرة.

وهذا كلام طيب للغاية، فإذا ورد دليل عام أمام مجتهد بعد وفاته صلى الله عليه وسلم؛ فإنه يحسن أن ينتظر وقتًا لعله يجد مخصِّصًا له؛ حيث إنه يعلم القاعدة المعروفة: ما من عام إلَّا وخصِّص، فما دام العمومات قد خصص معظمها، فأولى به ألَّا يتسرع بالحكم احتياطًا، ولو حكم بالعام من غير بحث؛ ما وُجِّه إليه لوم؛ حيث إنه من أهل الاجتهاد، يعرف كيف يفتي ويحكم، وقد سبق إلى ذلك الكلام، القاضي أبو زيد الدبوسي -رحمه الله- حيث قال: العاميُّ يلزمه العمل بعمومه كما سمع، وأما الفقيه فيلزمه أن يحتاط لنفسه، فيقف ساعة لاستكشاف هذا الاحتمال، بالنظر في الأشباه مع كونه حُجَّة للعمل به إن عمل، لكن يقف احتياطًا حتى لا يحتاج إلى نقض ما أمضاه لتَبيُّنِ الخلاف.

error: النص محمي !!