Top
Image Alt

بقية مسائل الاستثناء

  /  بقية مسائل الاستثناء

بقية مسائل الاستثناء

قيل: إن الاستثناء في لغة العرب متعذر، أي: أنه قليل؛ لأنه إذا قيل: قام القوم إلّا زيدًا؛ فلا يخلو إما أن يكون زيد داخل في العموم أو غير داخل، والقسمان باطلان:

أما الأول -أي: أن زيدًا داخل في العموم-: فلأن الفعل لما نسب إليه مع القوم؛ امتنع إخراجه من النسبة؛ وإلَّا لزم توارد الإثبات والنفي على موضوع واحد، وهو محال؛ لأن النفي والإثبات متناقضان، والمتناقضان لا يجتمعان؛ ولهذا قال بعض الحنابلة: إن الاستثناء في الطلاق لا يصح؛ لأن الطلاق إذا وقع لا يرتفع.

وأما الثاني -وهو أن زيدًا غير داخل في العموم-: فلأن ما لا يدخل لا يصح إخراجه؛ وإذا كان زيد لم يدخل في القوم؛ فعلى ذلك لا يصح إخراجه.

وأجيب: بأنه إنما يلزم توارد النفي والإثبات على محل واحد لو لم يكن الحكم بالنسبة بعد الإخراج؛ وهو ممنوع؛ لأنه إذا قيل: قام القوم إلَّا زيدًا، فهم منه القيام بمفرده، والقوم بمفردهم، وأن منهم زيدًا، وفهم إخراج زيد من القوم بقوله: إلَّا زيدًا، ثم حكم بنسبة الإخراج بعد إخراج زيد؛ وعلى هذا يندفع الإشكال الذي يورد على قوله تعالى: { فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا } [العنكبوت: 14]؛ لأن العالِم بلغة العرب لا يحكم على كلام المتكلم بالإسناد إلَّا بعد تمامه، أي: بعد أن يتم الكلام يحكم العالِم عليه عندئذ.

وبذلك؛ ولقوة هذا الإشكال اختلف الأصوليون في تقدير الدلالة في الاستثناء، وهل هو إخراج قبل الحكم أو لا؟ على ثلاثة مذاهب:

أحدها -وهذا المذهب نسبه ابن الحاجب للأكثرين-: أن المراد بقوله: “عشرة”، في قوله: عليَّ عشرة إلَّا ثلاثة: سبعة، وقوله: إلَّا ثلاثة، هذه قرينة، والقرينة هنا مبينة؛ لأن الكل استُعمل وأُريد به الجزء مجازًا؛ كالتخصيص بغير الاستثناء.

ولكن الإمام ابن الحاجب رد هذا الكلام بالإجماع على: أن الاستثناء المتصل إخراج؛ ولأن العشرة نَصٌّ في مدلولها، والنص لا يتطرق إليه تخصيص؛ وإنما التخصيص يكون في الظاهر، وما قاله من الإجماع مردود؛ فإن الكوفيين على: أن الاستثناء لا يخرج شيئًا؛ فإذا قلت: قام القوم إلَّا زيدًا؛ فإنك في هذه الحالة أَخبرت بالقيام عن القوم الذين ليس فيهم زيد، وزيد مسكوت عنه لم يحكم عليه بقيام ولا بنفيه، وما قاله من أن العشرة نص؛ فسيأتي في كلام الإمام الماوردي الخلاف فيه.

وقد قال بعض الأئمة: لا يستقيم غير هذا المذهب؛ لأن الله تعالى قال: { فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا } [العنكبوت: 14]؛ فلو أراد الألف من لفظ الألف لما تخلف مراده عن إرادته؛ فعلم انه ما أراد إلَّا التسعمائة والخمسين من الألف؛ كما أن المتكلم بالعشرة مع استثناء الواحد لم يرِد منها إلَّا التسعة.

والمذهب الثاني -وهو قول القاضي أبو بكر الباقلاني-: أن عشرة إلَّا ثلاثة، بمنزلة سبعة من غير إخراج، كاسْمين وضعا لمسمى واحد: أحدهما مفرد، والآخر مركب؛ وهذا ما جرى عليه الإمام الرازي في كتابه: (المحصول)، واختاره أيضًا إمام الحرمين الجويني، وقد استنكر إمام الحرمين الجويني قول الأولين، وقال: إنه محال لا يعتقده لبيب.

قال ابن الحاجب: وهذا المذهب خارج عن قانون اللغة؛ إذ لم يعهد فيه لفظ مركب من ثلاثة ألفاظ وضع لمعنى واحد؛ ولأنَّا نقطع بدلالة الاستثناء بطريق الإخراج.

إذًا الإمام ابن الحاجب يرى: أن المذهب الثاني خارج عن قانون اللغة؛ لأن اللغة لم نتعهد منها، ولم نتعهد فيها أن هناك لفظ مركب من ثلاثة ألفاظ وضع لمعنى واحد، وأيضًا لأنَّا نقطع، ونجزم، ونتيقن، بدلالة الاستثناء بطريق الإخراج، أي: أن الاستثناء له دلالة، وهي: أنه يخرج بعض الجملة من الجملة.

وقال في (شرح المقدمة)، لابن القصار: إنه غير مستقيم أيضًا؛ لأنَّا قاطعون بأن المتكلم بالعشرة يعبر بها عن مدلولها، ومدلول العشرة خمستان، وبـ”إلَّا”، عبر بها عن معنى الإخراج، وبالواحد أنه مخرج، ولو كان كما قالوا؛ لم يستقم فهم هذه المعاني من هذه الجملة؛ كما لا يستقيم أن يفهم من بعض حروف التسعة عند إطلاقها على مدلولها معنى آخر؛ وهذا الذي قاله شارح (المقدمة)، مصادرة، ولا نسلِّم أنه يفهم من العشرة خمستان مع استثناء الدرهم منها؛ بل المفهوم من ذلك تسعة لا غير؛ فإذا استثنينا من العشرة دراهم درهمًا؛ فهم منها تسعة، ولا يفهم أيضًا بـ”إلَّا”، معنى الإخراج؛ لأن الاستثناء لغة: الصرف والرد، وقوله: كما لا يستقيم، ليس بنظير ما نحن فيه؛ إذ عدم فهم ما ذكر إنما ذلك راجع لعدم الوضع، والاستعمال في غيرها، والاستثناء مستعمل فيما ذكر لغةً وعرفًا.

واعلم أن قصد الباجي بهذا القول: أن يفرق بين التخصيص بدليل متصل أو منفصل؛ فإن كان بدليل متصل؛ فإن الباقي حقيقة، وإن كان بدليل منفصل؛ فحينئذ يكون الباقي مجازًا؛ ولذلك قال في الاستثناء: إن الكلام بجملته يصير عبارة عن أمر آخر.

المذهب الثالث -وهو الصحيح عند ابن الحاجب-: أن المستثنى منه مراد بتمامه، ثم أخرج مستثنى، ثم حكم بالاستثناء بعده تقديرًا، وإن كان قبله ذكرًا؛ فالمراد بقولك: عشرة إلَّا ثلاثة: عشرة باعتبار الأفراد، ثم أخرجت ثلاثة، ثم أسند إلى الباقي تقديرًا؛ فالمراد بالإسناد: ما يبقى بعد الإخراج، والإمام الهندي، وغيره قد رجح هذا المذهب؛ ولذلك قالوا: بأنه لا يَحكم بذلك عالم بلغة العرب بالإسناد قبل تمامه؛ قال: لتوقع التغيير قبله بالاستثناء، أو غيره، وبه يندفع ما أورد على حقيقة الاستثناء، من كونه إنكارًا بعد الإقرار وتناقضًا.

والفرق بين هذا المذهب، والمذهب الأول: أن الأفراد بكمالها غير مرادة في المستثنى منه في الأول؛ لدلالة الاستثناء عليه؛ أما في المذهب الثالث فهي مرادة، والاستثناء إنما هو لتغير النسبة، لا للدلالة على عدم المراد.

ويتفرع على المذاهب أنه: هل هو تخصيص أو لا؟

فعلى قول القاضي الباقلاني؛ ليس تخصيصًا، وعلى القول الأول؛ تخصيص قطعًا، وعلى القول الثالث؛ يحتمل أن يكون تخصيصًا، ويحتمل أن يكون غير مخصص، والظاهر: أنه تخصيص خاص؛ لعدِّهم إياه من التخصيص المتصل، وتطرقه إلى النصوص، وقيل: ليس بتخصيص؛ لأن التخصيص شرطه الإرادة والمقارنة، والإرادة والمقارنة من هنا منتفية إلَّا في قصد الاستثناء.

يقول الإمام صفي الدين الهندي في: (الرسالة السيفية): الجمع بين احتمال كون الاستثناء تخصيصًا على هذا الرأي -مع أن الأفراد مرادة بكمالها فيه- مشكل؛ فإنهم أطبقوا على أن المخصوص، غير مراد من الذي خص عنه، مع وجود التناول.

فإن قلت: يخص قولهم ذلك بالاستثناء من غير النصوص.

قلنا: الذي قاله بالمذهب الثالث، لا فرق عنده بين أن يكون الاستثناء من ألفاظ العدد، أو غيرها؛ فإن الكلام في تقدير دلالة الاستثناء مطلق، وحينئذ يلزم أن يكون هذا المذهب مخالفًا لإجماعهم، على أن الفرد المخصوص من العام ليس مرادًا منه.

وقال المازري: أصل هذا الخلاف في الاستثناء من العدد؛ هل يكون الاستثناء كقرينة غيرت وضع الصيغة، أو لم تغيره؛ وإنما كشفت عن المراد بها؟.

فمن رأى: أن أسماء العدد؛ كالنصوص التي لا تحتمل سوى ما يفهم منها؛ قال بالأول.

إذًا يقصد بالنص هنا: النص: الكلام الذي لا يحتمل غير المراد منه.

وينزل المستثنى والمستثنى منه؛ كالكلمة الواحدة الدالة على عدد ما، ويكون المستثنى؛ كجزء من أجزاء هذه الكلمة؛ لمجموع هو الدال على العدد المبهم؛ فمن رأى: أن أسماء العدد ليست نصًّا؛ فإن العشرة ربما استعملت في عشرة ناقصة، رأى: أن الاستثناء قرينة لفظية دلت على: أن المراد بالمستثنى منه كما دل قوله: ((لا تقتلوا الرهبان))، على المراد بقوله: “اقتلوا المشركين”، قال: وهذا ظاهر على القول: بأن دلالة العام على أفراده ظاهرة؛ فإن قلنا: نص؛ فلا يستقيم، ثم ذكر من الفرق بين التخصيص والاستثناء: أن الاستثناء يدخل على النصوص، والتخصيص لا يدخل عليها.

والحاصل: أن مذهب الأكثرين: أنك إذا استعملت العشرة في سبعة مجازًا دل عليه قولك: إلَّا ثلاثة، والقاضي الإمام أبو بكر الباقلاني، وإمام الحرمين الجويني، وغيرهما يرون: أن المجموع يستعمل في السبعة، أما ابن الحاجب؛ فعنده أنك تصورت ماهية العشرة، ثم حذفت منها ثلاثة، ثم حكمت بالسبعة؛ فكأنه قال: له عليَّّّ الباقي من عشرة، أخرج منها ثلاثة، أو عشرة إلَّّّّّّّا ثلاثة له عندي، وكل من أراد أن يحكم على شيء بدأ باستحضاره في ذهنه أولًا، ثم بعد ذلك ينقله إلى الخارج؛ فهذا القائل بدأ باستحضار العشرة في ذهنه، ثم أخرج الثلاثة، ثم حكم بعد ذلك أن المراد سبعة، كما أنك تخرج عدد عشرة دراهم من الكيس، ثم ترد منها إليه ثلاثة، ثم تهب الباقي، وهو السبعة.

هذا تقرير مذهب ابن الحاجب؛ لكن تصريحه بأن الإسناد بعد الإخراج مخالف لمذهب سيبويه، الذي يرى: أن “إلَّا”، أداة أخرجت من الاسم والحكم، وهذا إنما يأتي على القول المرجوح: أن الإخراج يكون من الاسم فقط، ويرد عليه أيضًا: أن المفرد لا يستثنى منه، ولو استثني منه؛ لم ينتظم، أي: لم يصح الكلام، ولم يصح أن يقال: العامل في المستثنى، هو العامل في المستثنى منه؛ كما هو مذهب كثير من النحاة.

والتحقيق أن المراد بالإسناد: ما يبقى بعد الإخراج؛ لأن الإسناد بالجملة إنما يتبين معناه بآخر الكلام؛ فإن عطف عليها بـ”أو”؛ كان ثابتًا لأحد الأمرين؛ وإن عطف عليها ب “الواو”؛ كان ثابتًا للمجموع، وإن استثني منها؛ كان ثابتًا لبعض مدلولها، وليس الاستثناء مبينًا للمراد بالأول؛ بل يحصل الإخراج، والحاصل قبله قصد أن يستثنى لا بقصد المعنى؛ حتى لو قال: أنت طالق ثلاثًا إلَّّّّا واحدة، ووقع الاستثناء بعد موتها؛ طلقت ثلاثًا، ولو كان مبينًا لزمه ثنتان؛ وعلى هذا لا يسمى تخصيصًا.

وما سبق يتفرع ويتأصل على الخلاف الآتي في أن الاستثناء من الإثبات نفي، أو أن الاستثناء من النفي إثبات، وهو: أن الاستثناء يعمل بطريق المعارضة، أو بطريق البيان؛ فالأئمة الحنفية: قالوا بالثاني؛ وهو عندهم بيان معنوي، أي: أن المستثنى لم يكن مرادًا للمتكلم من الأصل؛ لأنه منع دخوله تحت المستثنى منه، وأما بالنظر إلى صورة اللفظ؛ فهو استخراج صوري، ونسبوا للشافعية، الأول: وهو أنه يمنع الحكم بطريق المعارضة، مثل دليل الخصوص، والمراد بالمعارضة هنا: أن يثبت حكمًا مخالفًا لحكم صدر الكلام؛ فإن صدر الكلام -أي: أوله- يدل على إرادة المجموع، وآخره يدل على إرادة إخراج البعض عن الإرادة؛ فتعارضا في ذلك البعض؛ فتعين خروجه عن المعارض، وذلك دفعًا للتعارض؛ كتخصيص العام، أما على مذهب الآخرين؛ فهو متكلم بالباقي في صدر الكلام بعد المستثنى.

يقول الإمام الزركشي في كتابه: (البحر المحيط): هو نظير الخلاف في أن النسخ رفع أو بيان، وقال صاحب (المحيط): الاستثناء تكلم بالباقي بعد الثنية -أي: بعد الاستثناء، أي: تكلم بالمستثنى منه بعد صرف الكلام عن المستثنى- وقال الإمام السرخسي: لو قال: عبيدي أحرار إلَّا سالمًا، أو غانمًا؛ لا يعتق واحدٌ منهما، وإن كان المستثنى أحدهما؛ فثبت حكم الشك فيهما، ويصير الكلام -عبارة عما وراء المستثنى- بطريق أنه ليس بعضًا، ويصح الاستثناء وإن كان المستثنى مجهولًا؛ لأن الكلام لم يتناول المستثنى أصلًا؛ فلا أثر للجهالة فيه.

وفي كتاب: (المغني)، لابن قدامة -رحمه الله-: الاستثناء إنما هو مبين أن المستثنى غير مراد بالكلام، وهو أنه يمنع أن يدخل فيه ما لولاه لدخل، وأما قوله تعالى: { إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا } [العنكبوت: 14]، فهو عبارة عن تسعمائة وخمسين سنة؛ فخرج الخمسين المستثنى، وقوله تعالى: { إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (26) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي} [الزخرف: 26، 27]، فقد تبرأ من غير الله؛ لا أنه تبرأ منه أولًا ثم رجع عنه.

وفصَّل جماعة من الحنفية بين استثناء العدد وغيره، وقالوا في غير العدد: إنه إخراج قبل الحكم، ثم حكمه على الباقي، وقالوا في العدد: لا إخراج؛ حتى قالوا: إن كان لي ألف إلَّا مائة وكذا، ولم يملك إلَّّّا خمسين؛ لا يحنث.

قلت: وما نسبوه للشافعية ممنوع، وقد قال النووي في: (الروضة): المختار أن الاستثناء بيان ما لم يرد بأول الكلام، لا أنه إبطال ما ثبت؛ ولهذا لو قال: له عليَّّ عشرة إلَّا خمسة أو ستة؛ يلزمه أربعة؛ لأن الدرهم الزائد مشكوك فيه؛ فصار كقوله: عليَّ خمسة أو ستة؛ فإنه يلزمه خمسة، واحتمل الرافعي، أنه يلزمه خمسة؛ لأنه أثبت العشرة، والشك في المنفي.

قلت: ويؤيده قول الشافعية: أنه يشترط في الاستثناء أن ينويه من أول الكلام؛ فكيف يكون مرادًا بالكلام الأول، وهو يريد ألَّا يكون، وقال الإمام السمرقندي -من الحنفية- في كتابه: (الميزان): لو لم يكن الاستثناء بيانًا لأدَّى إلى النسخ في كلام واحد؛ فيؤدي إلى التناقض في كلام الله تعالى.

قال: ومسائل الشافعي كلها تخرج على البيان، ولا يمكن حمله على التعارض؛ لأن التعارض إنما يكون بين المثلين، ولا مماثلة بين المستثنى منه والمستثنى؛ لأن المستثنى منه مستقل، والمستثنى ناقص، ولهذا لا يبتدأ به.

ويدل على بطلان دعوى الإخراج: قوله تعالى في حق نوح عليه الصلاة والسلام: { فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا } [العنكبوت: 14]؛ إذ لا يتصور أن يكون لبث فيهم ألف سنة، ثم يخرج الخمسين من الألف بعد الإخبار بلبثه الألف بكماله؛ فلم يبقَ إلَّا أنه لولا الاستثناء؛ لكان صالحًا لدخول الخمسين تحت الألف؛ وإنما أخرجه من الصلاحية الاستثناء، ولا يجوز أن يقال: إنه مريد للألف ثم أخرجه؛ لأن الله تعالى علم أنه ما لبث الخمسين فكيف يريدها منه.

ومثله قول القاضي عبد الوهاب: وضع الاستثناء: أن يخرج ما لولاه لانتظم، وذكر الإخراج باعتبار الصلاحية في اللفظ، وبهذا كله تبطل دعوى الإمام القرافي: أن الاستثناء لا إخراج فيه أصلًا؛ لأن الإخراج حقيقة فيمن اتصف بالدخول، ولا يقال: خرج زيد من الدار إذا لم يكن دخلها إلَّا مجازًا.

وقد بينا أن المراد بالإخراج من الصلاحية الدخول لولا الاستثناء، وهو كالتخصيص بالمقارن؛ يوجب الحكم فيما وراء الخصوص من الأصل، ولا يتناول المخصوص، وصار كما لو قال: اقتلوا المشركين المحاربين؛ ولو لم يكن غير المحاربين مرادًا من المشركين من الابتداء، أي: أن غير المحاربين لم يكن مرادًا من المشركين ابتداءً.

ونظير هذا الخلاف في الاستثناء، خلاف أصحابنا -أي: الشافعية- فيما لو قال: أنت طالق ثلاثًا؛ هل يقع الثلاث عند الفراغ من قوله: “ثلاثًا”، أو نقول: إذا فرغ من قوله: “ثلاثًا”، تبينا وقوع الثلاث بقوله: أنت طالق.

والمذهب الأول، وفائدته: أنه إذا قال: أنت طالق؛ فماتت، ثم قال: ثلاثًا؛ فعلى الأول لا يقع شيئًا.

تنبيه ذكره الإمام الزركشي في: (البحر المحيط)، وهو: أن جعل الاستثناء من المخصِّصات المتصلة واضح في الكلام الواحد، أما لو قال الله تعالى: “اقتلوا المشركين”؛ فقال صلى الله عليه وسلم على الاتصال: ((إلَّا الحربيين))؛ فاختلفوا فيه؛ فقال قوم: ينزل منزلة الاستثناء في كلام الله تعالى، وقال القاضي الباقلاني: الذي أرتضيه أنه إن أدى من تلقاء نفسه كلامًا، ولم يضفه إلى الله تعالى؛ التحق بالتخصيص بالمنفصل، ولم يجعل استثناءً حقيقيًّا؛ بل هو تخصيص، سواء قدر متصلًا أو منفصلًا؛ كذا حكاه عنه ابن القشيري، في أصوله، وأطلق الهندي، ترجيح قوله منفصلًا.

ومن فروع هذا التنبيه: أنه لو قال: لي عليك ألف؛ فقال المدعى عليه: إلَّا عشرة؛ فهل يكون مقرًّا بباقي الألف، قال في: (التتمة): المذهب المنع؛ لأنه لا يوجد منه إلَّا نفي ما قاله خصمه، ونفي الشيء لا يدل على ثبوت غيره. هذه هي المذاهب في الاستثناء، أو المذاهب في تقدير دلالة الاستثناء.

error: النص محمي !!