Top
Image Alt

تابع أسباب كثرة رواية أبي هريرة

  /  تابع أسباب كثرة رواية أبي هريرة

تابع أسباب كثرة رواية أبي هريرة

رُزق أبو هريرة وابن عباس وأمّنا عائشة، وغيرهم، التلاميذَ الكثر الذين نقلوا لنا علم هؤلاء الجهابذة الأعلام رضي الله عنهم.

وهل يشترط في هذه الكثرة أن يكون أبو هريرة قد سمعها كلها من النبي صلى الله عليه وسلم؟

هل يشترط إذا سمع أبو هريرة رضي الله عنه حديثًا من أبي بكر رضي الله عنه مثلًا أن يقول: قال أبو بكر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، أم يجوز له أن يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مباشرة؟

والجواب: أنه باتفاق الأمة يجوز أن يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مباشرة ، وهذا يسمونه في علم المصطلح بـ”مرسل الصحابي”.

فحين يقول صحابي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو لم يكن سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا يسمونه: “مرسل الصحابي”، فحديث سمعه صحابي من صحابي آخر ويرويه دون أن يذكر الواسطة بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم؛ هذا بإجماع علماء الحديث صحيح باتفاق، ولم يُنازع في هذا إلا قليل من أهل العلم لدرجة أننا نستطيع أن نقول: إن الإجماع انعقد على قبول مرسل الصحابي بدون أدنى منازعة.

وقبول مرسل الصحابي ليس منحة من العلماء يهبونها أو يهدونها للصحابة تكريمًا لهم، فقد قرر العلماء ذلك لما ذكرناه من أن الصحابة كلهم عدول ثقات مأمونون في كل ما أخبروا به، هب أن أبا هريرة رضي الله عنه سمع الحديث من ابن عباس رضي الله عنهما وقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، هل لو قال: حدثني ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم سيزداد الحديث صحة؟ لن يزداد صحة.

هناك ما نسميه بلطائف الإسناد، ونسجل من هذه اللطائف: أن صحابيًّا روى عن صحابي آخر، وقد تكون هناك لطيفة أخرى وهي إذا كان الراوي أكبر من المروي عنه، فنقول: وفيه أيضًا رواية الأكابر عن الأصاغر، وهكذا، لكن من حيث الصحة في ذاتها؛ فإن الحديث لن يزداد صحة.

غاية ما في الأمر أن الصحابي في مثل هذه الحالة لا يمكن أن يقول أبدًا: سمعت رسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لم يسمع منه مباشرة بلفظه، وإنما يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال…، إلى آخره.

وهناك روايات كثيرة تثبت أن الصحابة يقولون: ليس كلنا قد سمع الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فجابر رضي الله عنه قال هذه الكلمة وغيره: “ليس كلنا قد سمع الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم وإنما كان يسمع بعضنا من بعض، ولا يكذب بعضنًا بعضًا”؛ لأن الصحابة يعرفون قدر أنفسهم، ويعرفون مكانتهم ومنزلتهم، ويعرفون أنهم صادقون؛ فلا يكذب بعضهم بعضًا.

إذ الصحابة من الورع ومن التقوى بحيث لا يمكن أن يقول أحدهم: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث لم يسمعه مباشرة من النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما -كما قلت- في مثل هذه الحالات يستعمل العنعنة أو الأنأنة؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال، أو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال… إلى آخره.

إذًا هذا أمر مقرر عندهم، وهو من أسباب كثرة رواية أبي هريرة، ومن أسباب كثرة رواية السبعة المكثرين، ومن أسباب روايات بعضهم من غير السبعة المكثرين الذين كانوا يسمعون من بعضهم، وينقل بعضهم عن بعض من غير أن يخافوا أو أن يضطربوا في ذلك.

وهناك شهادات موثقة من العلماء ومن الصحابة بكثرة رواية أبي هريرة رضي الله عنه بقوة حفظه في مواقف متعددة، وقد أشرنا إلى حديث أمنا عائشة حين قالت: هل رأيت غير ما رأينا، أو سمعت غير ما سمعنا، فقال: كانت تشغلك المكحلة…، وأمنا عائشة تقبلت هذا الكلام.

وفي موقف آخر مرَّ ابن عمر رضي الله عنهما بأبي هريرة وهو يُحدّث عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((من تبع جنازة فله قيراط، فإن شهد دفنها فله قيراطان أعظم من أحد)). فقال ابن عمر: “يا أبا هريرة انظر ما تُحدِّث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام إليه أبو هريرة حتى انطلق إلى عائشة رضي الله عنها فقال لها: يا أم المؤمنين أنشدك الله أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من تبع جنازة فصلى عليها؛ فله قيراط، وإن شهد دفنها فله قيراطان)). فقالت: اللهم نعم، فقال أبو هريرة: إنه لم يكن يشغلنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عرس، ولا صفق بالأسواق؛ إنما كنت أطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمة يعلمنيها، أو أكلة يطعمنيها، فقال ابن عمر: يا أبا هريرة كنت ألزمنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأعلمنا بحديثه. رواه الحاكم في (المستدرك) في كتاب معرفة الصحابة، باب ذكر أبي هريرة رضي الله عنه، وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.

وكان ابن عمر رضي الله عنه يترحم على أبي هريرة في جنازته ويقول: “كان يحفظ على المسلمين حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم”. ذكره ابن سعد في (الطبقات)، والذهبي في (سير أعلام النبلاء)، وابن كثير في (البداية والنهاية)، وذكرته مصادر السنة أيضًا.

وقال رجل لابن عمر: إن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم! فقال ابن عمر: أعيذك بالله أن تكون في شك مما يجيء به، ولكنه اجترأ وجبُنَّا.

فأبو هريرة كان جريئًا في سؤاله للنبي صلى الله عليه وسلم، يعني: لا يستحيي من كثرة السؤال، هذه معنى الجرأة، ولا يترك أمرًا إلا ويسأل عنه، فمنع بعضهم الحياء، أو كما سمَّاه ابن عمر بالجبن- تواضعًا، أي: كان أبو هريرة أجرأنا فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فاستفاد علمًا، ولم نستفد نحن؛ لأنا تهيبنا أن نسأل النبي صلى الله عليه وسلم.

ولذلك يقول أنس بن مالك رضي الله عنه: نُهينا أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء، فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل، فيسأله ونحن نسمع، في جملة من الآيات والأحاديث التي ورد فيها النهي عن كثرة السؤال، من ذلك قوله تعالى: {لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} [المائدة: 101]، وكذلك أحاديث صحيحة منها: ((وكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال))، و((ذروني ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم، واختلافهم على أنبيائهم))، أي: لما جاءت هذه الأدلة في القرآن والسنة بالنهي عن كثرة السؤال؛ خاف الصحابة أن يندرجوا تحت هذا النهي لو أثقل أحدهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وفي حديث عبد الله بن مسعود  رضي الله عنه المتفق عليه أيضًا أنه ((سأل النبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله! أيُّ العمل أفضل؟ قال: الصلاة لوقتها، قال: قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين. قال: قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله)). يقول عبد الله بن عمر: فما تركت أستزيده إلا إرعاء عليه؛ أي: شفقة على النبي صلى الله عليه وسلم.

وفيه أدب الصحابة مع النبي صلى الله عليه وسلم، إذ ثلاثة أسئلة لم تأخذ وقتًا طويلًا، ومع ذلك أشفق على النبي صلى الله عليه وسلم، وفي رواية أخرى صحيحة يقول: ((ولو استزدته لزادني))، فهو يعلم أنه لو استزاد النبي صلى الله عليه وسلم لزاده، ولكنه تهيَّب.

فالصحابة إما تهيبوا السؤال وإما أشفقوا على النبي صلى الله عليه وسلم، وإما استحيوا … لكن أبا هريرة لم تكن عنده هذه الموانع، فرزقه الله -تبارك وتعالى- علمًا زائدًا لم يتهيأ لبعض الصحابة.

أيضًا روى الحاكم في (المستدرك) حديثًا آخر، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقال الذهبي: هو على شرط مسلم، وهو أن رجلًا جاء إلى طلحة بن عبيد الله، وقال له: يا أبا محمد، والله ما ندري هذا اليماني، يقصد أبا هريرة، هو أعلم برسول الله صلى الله عليه وسلم أم أنتم؟ تقوَّل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقل. فقال طلحة: والله ما يشكّ أنه سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم نسمع، وعلم ما لم نعلم، إن كنّا قومًا أغنياء، لنا بيوت وأهلون، كنا نأتي نبي الله صلى الله عليه وسلم طرفي النهار ثم نرجع، وكان أبو هريرة رضي الله عنه مسكينًا لا مال له، ولا أهل له ولا ولد، وإنما كانت يده مع يد النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يدور معه حيثما دار، ولا نشكّ أنه قد علم ما لم نعلم، وسمع ما لم نسمع، ولم يتهمه أحد منا أنه تقوَّل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقل.

وهذا الخبر أيضًا ذكره ابن حجر -رحمه الله تعالى- في (الإصابة) في ترجمته لأبي هريرة، وزاد في قول طلحة: قد سمعنا كما سمع، ولكنه حفظ ونسينا؛ فذكر سببًا آخر من الأسباب.

أيضًا، فإن أبا أيوب الأنصاري رضي الله عنه مع جلالة قدره، وعلو منزلته وقربه من النبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ نزل عنده في الهجرة يقال له: تُحدِّث عن أبي هريرة، وأنت صاحب منزلة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: إن أبا هريرة قد سمع ما لم نسمع، وإني إن أُحدّث عنه أحبّ إليّ من أن أحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وروى ابن حجر في (فتح الباري) عن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري أنه قعد في مجلس فيه أبو هريرة، وفيه مشيخة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل أبو هريرة يُحدّثهم عن النبي صلى الله عليه وسلم بالحديث فلا يعرفه بعضهم، فيراجعون فيه حتى يعرفوه، ثم يحدثهم بالحديث كذلك حتى فعل ذلك مرارًا. قال: فعرفت يومئذٍ أنه أحفظ الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ويقول الشافعي في (الرسالة): “أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره”.

ويقول الذهبي في (سير أعلام النبلاء): أبو هريرة إليه المنتهى في حفظ ما سمعه من الرسول صلى الله عليه وسلم وأدائه بحروفه، وقال أيضًا: وكان من أوعية العلم، ومن كبار أئمة الفتوى مع الجلالة، والعبادة، والتواضع.

ومما يدل على مكانة هذا الصحابي ومنزلته: أن الله عز وجل هيَّأ له من يدافع عنه بما لم يحدث مع أحد غيره.

فالعلماء قديمًا وحديثًا كابن خزيمة وابن قتيبة والمحدثون من علمائنا الأجلاء منهم من ألَّف الكتب الخالصة في الدفاع عن أبي هريرة، ومنهم من تعرَّض له أثناء دراسته للسنة، ولله الحمد والمنة، وأنا أعتبرها إحدى بركات أبي هريرة رضي الله عنه أن هيَّأ الله له هذا الجمَّ الغفير من علماء الأمة بدءًا من الصحابة رضي الله عنهم الذين نقلنا الآن بعض أقوالهم وبعض شهاداتهم، ومرورًا بعصور الأمة المختلفة، وإلى عصرنا الحديث في الكتب التي دافعت عن أبي هريرة رضي الله عنه.

من الذين يتكلمون في أبي هريرة؟

بدأ الحديث عن أبي هريرة بعد حدوث الفرق والمذاهب، فكل فرقة لا يعجبها حديثًا رواه أبو هريرة يتقوَّلون عليه، ويحاولون أن يستدلوا على ما يذهبون إليه ببعض الروايات التي وردت للصحابة كموقف ابن عمر الذي يُذكِّره فيه بالله مثلًا أي: قوله: “يا أبا هريرة أنت تحدَّث عن النبي صلى الله عليه وسلم…، أو قول أمنا عائشة رضي الله عنها، كأنهم يسوقون هذه الروايات في معرض أن الصحابة يُكذِّبون أبا هريرة، ونحن بيّنّا من خلال أقوالهم أنهم لا يقصدون شيئًا من ذلك أبدًا، وإنما كان من منهج الصحابة رضي الله عنهم، وهذا أمر سجله من تكلموا عن دور الصحابة في السنة- أنهم كانوا يتحفظون جدًّا في رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مخافة الزيادة، أو النقصان.

وفي (المستدرك) ينقل الحاكم -رحمه الله تعالى- كلام شيخ شيوخه، إمام الأئمة أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة، المتوفى سنة 311 هجريًّا، فيمن تكلموا في أبي هريرة، فيقول ابن خزيمة: وإنما يَتكلم في أمر أبي هريرة؛ لدفع أخباره- من قد أعمى الله قلوبهم، فلا يفهمون معاني الأخبار، إما معطل جهمي؛ يسمع أخباره التي يرونها خلاف مذهبهم الذي هو كفرٌ، فيشتمون أبا هريرة، ويرمونه بما الله تعالى قد نزَّهه عنه؛ تمويهًا على الرعاع والسفل أن أخباره لا تثبت بها الحجة، وإما خارجي يرى السيف على أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ولا يرى طاعة خليفة ولا إمام، إذا سمع أخبار أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم خلاف مذهبهم الذي هو ضلال، ولم يجد حيلة في دفع أخباره بحجة وبرهان؛ كان مفزعه الوقيعة في أبي هريرة، أو قدريٌّ اعتزل الإسلام وأهله، وكَفَّر أهل الإسلام الذين يتبعون الأقدار الماضية التي قدَّرها الله تعالى وقضاها قبل كسب العباد بها، إذا نظر إلى أخبار أبي هريرة التي قد رواها عن النبي صلى الله عليه وسلم في إثبات القدر لم يجد حجة يريد أن يؤيّد بها صحة مقالته التي هي كفر وشرك؛ كانت حجته عند نفسه أن أخبار أبي هريرة لا يجوز الاحتجاج بها، أو جاهل يتعاطى الفقه ويطلبه من غير مظانّه، إذا سمع أخبار أبي هريرة فيما يُخالف مذهب من قد اجتبى مذهبه واختاره تقليدًا بلا حُجّة ولا برهان- تكلم في أبي هريرة، ودفع أخباره التي تُخالف مذهبه، ويحتج بأخباره على مخالفيه إذا كانت أخباره موافقة لمذهبه، وقد أنكر بعض هذه الفرق على أبي هريرة أخبارًا لم يفهموا معناها، أنا ذاكر بعضها بمشيئة الله تعالى”.

هذا كلام ابن خزيمة -رحمه الله تعالى- والذي فيه يُبيّن الجُرأة على أبي هريرة من الجهال، ومن الرعاع، ومن أصحاب البدع والأهواء، ويصنفهم إما جهمي، وإما خارجي، وإما قدري، وإما جاهل، فكل هؤلاء تكوكبوا على انتقاد أبي هريرة، ويدفعهم الهوى، ثم قال ابن خزيمة بعد ذلك: ” أنا ذاكر بعضها بمشيئة الله تعالى”. أي: بعض الأحاديث التي لم يفهم هؤلاء معناها حق الفهم، ليبين معناها الصحيح، واستمر ابن خزيمة في ذلك، ولله الفضل والمنة.

error: النص محمي !!