Top
Image Alt

تابع مظاهر اهتمام الصحابة بالسنة: تكوين المدارس العلمية، والرحلات لطلب العلم

  /  تابع مظاهر اهتمام الصحابة بالسنة: تكوين المدارس العلمية، والرحلات لطلب العلم

تابع مظاهر اهتمام الصحابة بالسنة: تكوين المدارس العلمية، والرحلات لطلب العلم

أعطني أستاذًا جيدًا يلقي وطالبًا جيدًا يتلقى- أضمن لك حركة علمية ونهضة متفوقة في شتى جوانب الحياة، مهما وفِّرت من وسائل أخرى وغاب عنك هذان الأمران -الأستاذ الجيد والطالب الجيد- فلن نتقدم في مضمار العلم أبدًا، بل إن هذين العنصرين إذا توفَّرا يتغلبان على المعوقات التي قد تعترض طريق المسيرة العلمية.

فالنبي صلى الله عليه وسلم قد وجد في بيئة أمية، ما تحسب ولا تكتب كما أخبر بذلك صلى الله عليه وسلم في أكثر من رواية، وكان يضرب على يديه مثلًا يقول: ((الشهر ثلاثون))، ويضرب بكفيه ثلاث مرات إشارة إلى الثلاثين، وهكذا؛ لأن البيئة أمية، والقرآن الكريم يسجل ذلك: {وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ} [العنكبوت: 48] إلى آخر هذه الآيات، لكن هذه البيئة الأمية حوَّلها النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيئة علمية رائعة رائقة متفوقة سامية، دون إمكانيات مبالغ فيها.

المهم، أن الصحابة كانوا يُكونون المدارس العلمية بمجرد أن يفتح الله تعالى البلد لهم فيبنون المسجد، ويجلس الصحابة لإلقاء العلم، وأهل البلد يسمعون لهم، وهكذا تتكون الأجيال المتعاقبة في خدمة الإسلام، وفي خدمة السنة على وجه الخصوص.

أيضًا: قام الصحابة بالرحلات العلمية، فرحلوا إلى أرجاء العالم الإسلامي، وصارت الرحلات العلمية التي أسسها الصحابة سنة حميدة يسير عليها طلاب العلم، واستمرت لنهاية القرن العاشر تقريبًا، فالعلماء المتأخرون مثلًا مثل السيوطي من علماء القرن العاشر، وقبله ابن حجر، والسخاوي، كلهم رحلوا إلى أرجاء العالم الإسلامي؛ ليتلقوا عن المشايخ النابغين الذين يبزغ نجمهم في أي بلد من البلاد، ولم يقتصر عصر الرحلات على عصر الصحابة أو التابعين فقط، بل امتد عبر الأجيال المتلاحقة، وصارت الرحلات من أهم مصادر التكوين العلمي للعلماء، ولا تكاد تقرأ ترجمة لأحد العلماء النبهاء إلا تطالعنا أخبار رحلاته التي قام بها وجاس خلالها بلاد العالم الإسلامي شرقًا وغربًا، وفي كل بلد يلتقي بطائفة من الشيوخ يتلقى عنهم.  وهذه الرحلات أدت إلى توطيد المدارس العلمية، وكثرة طرق الحديث، وتبادل المعلومات.

وقد سمع الصحابة من النبي صلى الله عليه وسلم وتفرقوا في البلاد، وبعض الصحابة كان عندهم ما لم يكن عند الآخرين، فكانت وسيلتهم في نقل هذه المسموعات والمعلومات هي الرحلات العلمية التي قاموا بها.

فرحل أبو أيوب إلى مصر، ورحل جابر بن عبد الله إلى الشام، وأسسوا بذلك منهج للأجيال التي بعدهم، وهذه الرحلات كانت لها لطائف في أسانيد الأحاديث، تجد الحديث أو السند الذي يجمع لك الشامي مع المغربي أو المصري مع البصري, أمة واحدة، وأرض واحدة, وسُنة واحدة، وقِبلة واحدة، وقرآن واحد، فكان ذلك من الأدلة على أن هذه الأمة أمة واحدة، وقد ساهمت في توطيد أواصر المحبة بين المسلمين.

هذه أهم خصائص السنة في عصر الصحابة، الذين تشددوا في الرواية، وتثبتوا في نقلها، وحفظوها في صدورهم وفي كتبهم، وكثير منهم كتبوا، وكانت لهم صحائف.

وهذه الخصائص التي أرساها الصحابة صارت مستمرة، وتبعها التابعون ومن بعدهم، وكل عصر يضيف إلى الذي سبق ما اقتضته طبيعة البحث العلمي أو الظروف التي طرأت على العصر، فإذا وجد وضَّاعون مثلًا تشددوا ووضعوا ضوابط أشد… إلى آخره.

error: النص محمي !!