Top
Image Alt

تخصيص السنة المتواترة بالكتاب، والكتاب والسنة بالإجماع

  /  تخصيص السنة المتواترة بالكتاب، والكتاب والسنة بالإجماع

تخصيص السنة المتواترة بالكتاب، والكتاب والسنة بالإجماع

بقيت عندنا مسألتان في تخصيص المقطوع بالمقطوع نوردهما، ثم ننتقل بعد ذلك إلى تخصيص المقطوع بالمظنون.

المسألة الأولى: تخصيص السنة المتواترة بالكتاب:

ولقد اختلف العلماء في تخصيص العامِّ من السنة بالخاص من القرآن الكريم على قولين:

القول الأول: يجوز تخصيص السنة المتواترة بالقرآن الكريم، وهذا قول جمهور العلماء من الفقهاء والمتكلمين، كما صرح بذلك الإمام الشيرازي -رحمه الله- والآمدي، وابن الحاجب، وأبو يعلى من الحنابلة، وكذلك أبو الخطاب، واستدلوا على هذا القول؛ بثلاثة أدلة:

الدليل الأول: أن في تخصيص عامِّ السنة المتواترة بخاص القرآن جمعًا بين الدليلين، وعملًا بهما، وهو أولى من العمل بأحدهما وترك الآخر.

الدليل الثاني: أن القرآن الكريم مقطوع بطريقه وفيه إعجاز، أي: أن القرآن الكريم ثبت بطريق قطعي لا شبهة فيه، وأن القرآن الكريم معجز مُتحدَّى به، والسنة إنما يُقطع على البعض منها، أي: أن بعض السنة فقط هو الذي يقطع بطريقه؛ وهي السنة المتواترة فقط، والسنة النبوية ليس فيها إعجاز، فإذا جاز تخصيص القرآن بالسنة جاز تخصيص السنة بالقرآن من باب أولى.

الدليل الثالث: قوله تعالى: { وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ } [النحل: 89]، ووجه الدلالة أن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء من الأشياء، فكانت داخلة تحت العموم في الآية، أي: أن القرآن الكريم تبيان للسنة ولغيرها، إلَّا أنه قد خص في البعض، فيلزم العمل في الباقي؛ هذا هو القول الأول القائل بالجواز، وأدلته.

أما القول الثاني: وهو أنه لا يجوز تخصيص عموم السنة بخاص القرآن، وهذا قول بعض الشافعية، كما صرح بذلك تاج الدين السبكي -رحمه الله- وروي عن الإمام أحمد في ذلك روايتان.

وقال مكحول، ويحيى بن كثير: “السنة تقضي على الكتاب، والكتاب لا يقضي على السنة”، ومعنى هذا: أن السنة تُبين القرآن، ولا يُبين القرآن السنة.

واحتج أصحاب هذا القول بدليلين:

الدليل الأول: قول الله تعالى: { وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44]، ووجه الدلالة أن الله تعالى جعل النبي صلى الله عليه وسلم مبينًا للكتاب المُنزَّل، وذلك إنما يكون بسنته، فلو كان الكتاب مبينًا للسنة؛ لكان المبيَّن بالسنة؛ مبينًا لها وهو غير جائز، أي: أن المبيَّن يصير مبيِّنًا، والمبين يصير مبينًا، ففيه توقُّف ودَوْر، والدور غير جائز.

وأجيب عن هذا الاستدلال؛ بعدة أجوبة:

الجواب الأول: أنه لا يلزم من وصف النبي صلى الله عليه وسلم بكونه مبينًا لما أنزل الله، امتناع كونه مبينًا للسنة بما يرد على لسانه من القرآن؛ لأن السنة منزلة من عند الله تعالى أيضًا.

قال تعالى: { وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى } [النجم: 3، 4]، غير أن الوحي منه ما يتلى؛ فيسمى: قرآنًا، ومنه ما لا يتلى؛ فيسمى: سنة، وبيان أحد المُنزَّلين بالآخر؛ غير ممتنع.

الجواب الثاني: أن المراد بالبيان في الآية: الإظهار والإعلان؛ بدليل أنه علّقه على جميع الكتاب، والتخصيص لا يدخل على جميع الكتاب، وإنما يفتقر جميع الكتاب إلى الإظهار والإعلام.

الجواب الثالث: أنا نحمله على أنه يبين ما يحتاج إلى البيان مما لم يبينه الكتاب.

الدليل الثاني: أن التفسير والتبيين تابعان للمبيِّن والمفسر، فلو خصَّصنا السنة بالقرآن؛ لجعلنا السنة هي الأصل، والقرآن هو الفرع؛ لأنه هو الذي يفسرها ويبينها؛ وهذا غير جائز.

وأجيب عن هذا الدليل: بأنه غير سديد؛ إذ ليس معنى تخصيص القرآن بالسنة، أن السنة صارت هي الأصل والقرآن هو الفرع، ألَا ترى أن تخصيص القرآن بعضه ببعض، وتخصيص السنة بعضها ببعض؛ لا يدل على أن المخصص هو الأصل، والمخصص تابع له، والقرآن لا بد وأن يكون مبينًا لشيء، كما قال تعالى: { وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ } [النحل: 89]، وأيّ شيء قُدِّر كون القرآن مبينًا له؛ فليس القرآن تبعًا له، ولَّا ذلك الشيء متبوعًا.

أضف إلى ذلك أن الدليل القطعي قد يبين به مراد الدليل الظني، وليس منحطًا عن رتبة الظني؛ إذا تبين هذا اتضح لنا قوة القول الأول، القائل: بجواز تخصيص عامِّ السنة المتواترة بخاص القرآن الكريم؛ لقوة ما استدلوا به.

المسألة الثانية: تخصيص الكتاب والسنة بالإجماع:

ليكن من المعلوم أن المراد من قولهم: التخصيص بالإجماع: هو أن يعلم بالإجماع أن المراد باللفظ العام بعض ما يقتضيه ظاهره، وفي الحقيقة يكون التخصيص هنا ليس بالإجماع، وإنما هو بدليل الإجماع لا بنفس الإجماع؛ لأن الكتاب والسنة المتواترة موجودان في عهده صلى الله عليه وسلم، وانعقاد الإجماع بعد ذلك على خلافه خطأ؛ لأنه معلوم أن الإجماع لا ينعقد في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، وإنما الإجماع يكون بعد انتقال الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى.

لأن الإجماع معناه: اتفاق مجتهدي الأمة على أمر من الأمور، والمجتهدون في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم إما أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم معهم، أو لا يكون معهم، فإن كان معهم؛ فقوله وحده حجة، ولا حاجة لنا إلى قول الباقي؛ فليس إجماعًا، وإن لم يكن معهم؛ فليس هو اتفاق كل المجتهدين؛ لأنه صلى الله عليه وسلم ليس معهم؛ وعلى ذلك أيضًا لا يكون إجماع.

فالإجماع لا يكون في عهده صلى الله عليه وسلم، والقرآن الكريم والسنة يكونان في عهده صلى الله عليه وسلم، فانعقاد الإجماع على خلاف القرآن الكريم والسنة بعد ذلك غير جائز، وهو خطأ، ومعنى هذا أن العلماء لم يخصوا العام من الكتاب والسنة بنفس الإجماع، وإنما أجمعوا على تخصيصه بدليل آخر، هذا الدليل هو الذي يسميه الأصوليون، مستند الإجماع بالنسبة للمجمعين، ولغيرهم، ولكن غير المجمعين لا يلزمهم البحث عن هذا المستند، وإنما يكفيهم العلم بالإجماع فقط، ويكفيهم الإجماع على التخصيص.

وقد اختلف العلماء في تخصيص العام من الكتاب والسنة المتواترة بالإجماع على قولين:

القول الأول: يجوز تخصيص العام من الكتاب، أو السنة المتواترة بالإجماع؛ وهذا قول الجمهور من العلماء.

يقول الإمام الآمدي -رحمه الله-: “لا أعرف خلافًا في تخصيص القرآن والسنة بالإجماع”.

وحكى الإجماع أيضًا الأستاذ أبو منصور.

وقال ابن القشيري -رحمه الله-: “إن من خالف في التخصيص بالعقل يخالِف هنا”.

وقال أبو الوليد الباجي: “يجوز التخصيص بالإجماع، فإذا أجمعوا على أن ما رُفع عن العام خارج منه؛ وجب القطع بخروجه، وجوزنا أن يكون تخصيصًا، وأن يكون نسخًا”.

وفيما ذكره من احتمال النسخ نظر؛ لأن الإجماع لا يُنسخ به؛ لأنه لا ينعقد -كما قلنا- في عصره صلى الله عليه وسلم، ويمكن أن يكون قصده هو أن الإجماع يكون على النسخ، وليس الإجماع ذاته هو الناسخ.

استدل أصحاب القول الأول -الذين قالوا بأنه يجوز تخصيص العام من الكتاب أو السنة المتواترة بالإجماع- بدليلين:

الدليل الأول: أن الإجماع حجة تثبت به الأحكام، فهو كالقرآن الكريم والسنة، فكما يجوز التخصيص بالكتاب والسنة، يجوز التخصيص أيضًا بالإجماع.

الدليل الثاني: أن التخصيص بالإجماع قد وقع فعلًا، والوقوع أكبر دليل على الجواز.

ومن أمثلة التخصيص بالإجماع قوله تعالى: { قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29].

يقول ابن حزم -رحمه الله: “ومن التخصيص بالإجماع، قوله تعالى: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ}، فلما أجمعت الأمة بلا خلاف، أنهم إن بذلوا فلسًا أو فلسين؛ لم يجز بذلك حقن دمائهم، ولا خرجوا عن إيجاب قتلهم، حتى لو كثر القائلون بذلك واشتهر فضلهم، ما وجب أن يعتد بهذا القول؛ لأنه لم يأتِ به قرآن ولا سنة، لكن لما قال تعالى: { حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ}، بالألف واللام، وهما في اللغة التي نزل بها القرآن للعهد والتعريف، علمنا أنه سبحانه وتعالى أراد جزية معلومة معهودة، وبيّن ذلك بقوله: {الْجِزْيَةَ} بالألف واللام، والألف في لغة العرب لا يقع إلَّا على معهود.

وصح أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر بأخذ دينار من كل محتلم منهم ومحتلمة -أي: كل بالغ وبالغة- علمنا أن ما دون الدينار ليس هو الجزية المحرمة لدمائهم وأموالهم، وبذلك يكون قد خص العلماء بالإجماع، كلمة الجزية على الجزية المعهودة المعروفة.

أيضًا يقول تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 3]؛ فقوله تعالى: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ﮝ } [النساء: 3]، عامٌّ خصصه الإجماع، حيث خرج منه بالإجماع، الأخت من الرضاع، وغيرها من موطوءات الآباء والأبناء.

وأيضًا يقول الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ } [الجمعة: 9]، فالنداء في الآية عام لكل مؤمن ومؤمنة، وقد خصِّص هذا العموم بالإجماع على عدم وجوب الجمعة على العبد والمرأة.

أيضًا يقول الله تعالى في كتابه الكريم: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} [النور: 4]، فالآية بعمومها تشمل كل رامٍ سواء كان حرًا أو عبدًا، وقد انعقد الإجماع على أن العبد والأمة خارجان من هذا العموم، وسند الإجماع هنا قوله تعالى: {فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} [النساء: 25]، ولا فرق في ذلك بين العبد والأمة؛ لأن علة التنصيف -أي: علة تنصيف العقوبة وهي جعلها خمسين بدل المائة- هي الرق، فحكم التنصيف ثابت للعبد كما هو ثابت للأمة”؛ هذا هو القول الأول؛ الذي يقول: بأنه يجوز التخصيص بالإجماع، وهذه هي أدلته.

أما القول الثاني الذي يقول أصحابه: أنه لا يجوز تخصيص العام من الكتاب أو السنة المتواترة بالإجماع، وهذا قول لبعض العلماء.

يقول ابن تيمية -رحمه الله-: “ولا أعلم له وجهًا”، والظاهر أن وجهة نظر أصحاب هذا القول، هي: أن ما دام النسخ بالإجماع لا يجوز، فكذلك لا يجوز التخصيص به، والجواب عن هذا: أنه جمع من غير علة، فالتخصيص يبين المراد باللفظ، وهذا يجوز أن يقترن باللفظ، ويجوز أن يجيء بعده، فإذا انعقد الإجماع على التخصيص علم أن المراد بذلك اللفظ العام البعض، بخلاف النسخ فإنه رفع الحكم الثابت.

والإجماع إنما ينعقد بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وبعد النبي صلى الله عليه وسلم لا يجوز أن يرتفع الحكم الثابت ولا ينسخ.

هذا هو موقف العلماء من التخصيص بالإجماع، وواضح بالأدلة أن القول الأول القائل بالتخصيص بالإجماع هو القول السديد، الذي ينبغي أن يُعول عليه.

error: النص محمي !!