Top
Image Alt

تخصيص الكتاب بالكتاب

  /  تخصيص الكتاب بالكتاب

تخصيص الكتاب بالكتاب

والتخصيص بدليل الشرع قد يكون تخصيصًا للمقطوع بالمقطوع، وقد يكون تخصيصًا للمقطوع بالمظنون:

1- تخصيص المقطوع بالمقطوع:

أولًا: تخصيص الكتاب بالكتاب:

من المعلوم أن الله تعالى أنزل كتابه هدًى ورحمةً للعالمين؛ يقول تعالى في كتابه الكريم: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [العنكبوت: 51]، وأنزل كتابه تعالى تبيانًا لكل شيء، ومن مقاصد البيان تفسير المجمل وتوضيح المبهم، بإزالة الإبهام، وإظهار المراد، ولما كان التخصيص هادفًا لإظهار المراد من النص العام؛ فقد اقتضى ذلك تفضلًا من الله تعالى أن يكون الكتاب مخصِّصًا للكتاب، وهذا لا ينافي كون الكتاب الحكيم محكمًا ومؤيدًا ومؤيدًا بعضه لبعض.

أما العلماء؛ فقد اختلفت أقوالهم في كون الكتاب مخصِّصًا لعموم الكتاب؛ فمنهم من قال: إن علم التاريخ، وكان الخاص مقارنًا للعام خصص العام، وإن كان العام متقدمًا على الخاص كان الخاص ناسخًا وإن كان العام متأخرًا كان ناسخًا، ومنهم من قال: يجوز التخصيص بالنص، أي: بالنص الخاص، سواء كان متقدمًا على العام، أو مقارنًا له، أو متأخرًا عنه، حتى ولو جهل تاريخهما.

وعلى ذلك؛ فتكون أقوال الأصوليين في هذه المسألة كالتالي:

القول الأول: إن كان الخاص مقارنًا للعام في تاريخ نزولهما؛ فيخصصه؛ وإن تأخر العام فينسخ الخاص، وإن جهل تاريخهما وثبتت المعارضة لدى المجتهد وفي نظره من كل الوجوه؛ تساقطَا، وهذا قول الإمام أبي حنيفة، ورواية عن الإمام أحمد، بتقديم المتأخر خاصًّا كان أو عامًّا، وقول القاضي أبو بكر الباقلاني وإمام الحرمين الجويني، نقل هذا ابن الحاجب، والطوفي، وابن عبد الشكور.

يقول ابن الحاجب: يجوز تخصيص الكتاب بالكتاب عند أبي حنيفة، والقاضي، والإمام -رحمهما الله- إن كان الخاص متأخرًا؛ وإلَّا فالعام ناسخ، وإن جهلَا تساقطَا.

وقال ابن عبد الشكور: وفصَّل الحنفية العراقية، والقاضي، وإمام الحرمين: بأن الخاص مخصِّص إن كان متأخرًا وموصولًا؛ وإلَّا فالعام ناسخ، أو منسوخ بقدره، ويبقى قطعيًّا في الباقي؛ وإن جهل التاريخ؛ تساقطَا، فيتوقف بقدره إلى دليل؛ هذا هو القول الأول.

أما القول الثاني: فإنه يجوز تخصيص الكتاب بالكتاب مطلقًا، سواء كان الخاص متأخرًا أو متقدمًا، متصلًا أو منفصلًا، وسواء علم التاريخ أو جهل؛ وممن قال بهذا القول، الإمام الشافعي، وأحمد رضي الله عنهما،ذكر ذلك القاضي أبو يعلى -من الحنابلة- في كتابه: (العدة)،

يقول أبو يعلى: إذا تعارضت آيتان أو خبران، وأحدهما عام والآخر خاص، والخاص منافٍ للعام؛ وجب تخصيص العام، سواء تقدم العام على الخاص، أو تأخر، أو جهل التاريخ، وقد أومأ الإمام أحمد -رحمه الله- إلى هذا في مواضع.

أدلة الفريقين:

أدلة القول الأول؛ الذي يقول: إن كان الخاص مقارنًا للعام في تاريخ نزولهما؛ فيخصِّصه، وإن تأخر العام؛ فينسخ الخاص:

استدلوا على ذلك:

أولًا: بأنه قد أضاف الله -تبارك وتعالى- مهمة البيان إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فكان هو المبين عن ربه؛ ولو صح القول بأن الكتاب يبين بعضه بعضًا؛ لم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم مبينًا، وهذا منافٍ لقول الله -تبارك وتعالى-: { لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ } [النحل: 44].

واعترض على هذا الدليل: بأن إضافة البيان للرسول صلى الله عليه وسلم، ليس منافيًا كون الكتاب مبينًا للكتاب؛ إذ الكل وارد على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم باعتباره رسولًا من رب العالمين، وباعتباره أيضًا مبلغًا إلى البشرية كافة، وذلك ما يفهم من قول الله -تبارك وتعالى-: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: 89]، ومقتضى الآية الكريمة، أن يكون القرآن كله مبينًا.

ومما بينه الكتاب، وجوب اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، وقبول بيانه والعمل وفقه، والالتزام بطاعته، ومن مقتضى طاعته صلى الله عليه وسلم، تنفيذ أوامره والسير والعمل تبعًا لسنته، والتمسك بهديه صلى الله عليه وسلم.

ثانيًا: روي عن ابن عباس رضي الله عنهماأنه قال: كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبعون الأحاديث، أي: يتبعون الأحدث فالأحدث من أمره، والأثر عامٌّ في كل ما ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم، من تبليغ للرسالة في كتابها وفي سنتها، ويشمل العام والخاص؛ فالمتأخر هو الأحدث وهو المتَّبَع سواء كان عامًّا أو خاصًّا؛ لأنه هو الذي استقر عليه الشرع، ويعترض على ذلك الدليل بأمرين:

الأول: أنه قول واحد من الصحابة -رضوان الله عليهم- فيحمل على أن الأحدث هو الخاص؛ للتوفيق بينه وبين الأدلة التي تقتضي العمل بالخاص.

الأمر الثاني: أنه محمول على النسخ ومن شروط النسخ التعارض بين الأدلة، وهذا التعارض لا بد أن يكون من كل الوجوه؛ للمنافاة بينهما، وعدم إمكان التوفيق بين مقتضى الدليلين، وهذا الاحتمال غير وارد في التخصيص؛ لإمكان الجمع بينهما.

استدلوا ثالثًا: بأن المتأخر إن كان هو الخاص؛ فهو المقدم بالاتفاق؛ وإن كان هو العام؛ فيحمل على آحاد صوره خاصة؛ فجاز أن يرفع الخاص، وتقرير ذلك أن اللفظ العام كألفاظ متعددة تدل على مسميات؛ كما لو نص على كل واحد منهما بلفظ؛ فالحكم في كل واحد منها، يصح أن يرفع الحكم المنافي له والمتقدم عنه، مثاله: لو قال: أعطِ زيدًا دينارًا، ثم قال: لا تعطِ أحدًا شيئًا؛ فكأنه قال: لا تعطي فلانًا ولا فلانًا، ولا زيدًا؛ فكان هذا النهي عن إعطاء زيد؛ رافعًا للحكم المتقدم الآمر بإعطائه.

واعترض على هذا الدليل بأن الجمع بين الدليلين أولى من إسقاط الخاص المتقدم، والعمل بالأولى متعين في الشرعيات؛ لأنه مبني على غالب الظن.

استدلوا رابعًا: بأنه أضاف هذا الدليل من قال بتساقط الدليلين عند جهل التاريخ، وهم القائلون بمنع تخصيص الكتاب بالكتاب، ما سوى الإمام أحمد: أنه لدى جهل التاريخ أمكن تقديم الخاص؛ فيكون منسوخًا بالعام، وأمكن تأخيره فيكون مخصِّصًا، وترجيح أحد الأمرين من غير مرجح غير صحيح؛ فيلزم القول بالتساقط؛ واعترض علي هذا الدليل: بأنه أمكن الجمع بينهما عند الجمهور؛ فيصار إليه؛ صيانة للنصوص، وحرصًا على تطبيق الأحكام التشريعية.    

أدلة أصحاب القول الثاني؛ وهم الجمهور:

واستدل الجمهور على ذلك بأدلة نقلية، وأخرى عقلية:

أما الأدلة النقلية: فهي تفيد وقوع التخصيص في الكتاب العزيز، ولا أدلَّ على الجواز من الوقوع، وفيما يأتي نسوق بعض هذه الأدلة النقلية:

أولًا: تخصيص عموم قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة: 234]، يقول الله تعالى: { وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 4].

وجه الدلالة أن الآية الأولى -وهي قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة: 234]- تشمل كل من توفى عنها زوجها؛ حاملًا كانت أو حائلًا؛ ووجب عليها التربص لمدة أربعة أشهر وعشرة أيام، ثم نزلت الآية الثانية -وهي قوله تعالى: {وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 24]- وهي خاصة ببيان عدة الحامل، وأن عليها أن تتربص مدة الحمل إلى حين الوضع؛ سواء حصل قبل انتهاء الأربعة أشهر وعشرة أيام، أو بعد انتهاء هذه المدة؛ فكانت الآية الثانية مخصِّصة لعموم الآية الأولى؛ حيث أخرجت الحوامل من التربص بالمدة المضروبة لهن -وهي الأربعة أشهر وعشرة أيام في الآية الأولى- وأصبحت هذه الآية قاصرة في حكمها على غير الحوامل، ولم يكن بين الآيتين توافق زمني؛ بل ثبت من أقوال الصحابة -رضوان الله عليهم- أن الآية الثانية، كانت متأخرة عن الآية الأولى في النزول؛ حيث روى ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: “أنزلت سورة النساء القُصرى بعد الطُّولى” ويقصد بـ”سورة النساء القصرى”: سورة “الطلاق”، و”الطولى”: سورة “النساء”.

ونوقش هذا الدليل: بأنه بعد ثبوت تأخر الآية الثانية عن الأولى؛ تكون ناسخة له.

ثانيًا: تخصيص قول الله -تبارك وتعالى-: { وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ } [البقرة: 228]، بآية تربص الحوامل بمدة الحمل؛ وهي قوله تعالى: { وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } [الطلاق: 4].

وجه الدلالة: أن الآية الثانية أخرجت الحوامل من عموم عدَّة المطلقات، والتي شملت جميع المعتدَّات الحوامل، وغيرهن.

واستدلوا ثانيًا: بالمعقول؛ فقالوا:

أولًا: إن دلالة الخاص قاطعة، ودلالة العموم محتملة، أي: دلالة الخاص دلالة قطعية، لا تحتمل غير معنى واحد؛ أما دلالة العموم؛ فإنها دلالة ظنية، ولو لم يخصص المحتمل بالقطع؛ لبطل القطعي بالمحتمل، وهذا غير جائز عقلًا.

ونوقش هذا الدليل بأن العام قطعي في دلالته؛ فهو مساوٍ للخاص في الدلالة، وهذا النقاش يعود على الدليل بالمصادرة.

استدلوا ثانيًا: بأن في التخصيص إعمالًا للدليلين معًا، للخاص والعام فيما سوى سورة التخصيص، وفي النسخ إلغاءٌ للخاص، وإعمالٌ الدليلين معًا أولى من إهمال أحدهما، والتخصيص أولى من النسخ لما يأتي:

أولًا: لأن النسخ يقتضي ثبوت أصل الحكم في الصورة الخاصة ورفعه بعد ثبوته، والتخصيص ليس فيه سوى دلالته على عدم إرادة المتكلم للصورة المفروضة بلفظ العام؛ فكان ما يتوقف عليه النسخ أكثر مما يتوقف عليه التخصيص؛ فكان التخصيص أولى.

ثانيًا: إن النسخ رفع بعد الإثبات، والتخصيص منع من الإثبات، والدفع أسهل من الرفع.

ثالثًا: من الأمور التي جعلت التخصيص أولى من النسخ: أن وقوع التخصيص في الشرع أغلب من النسخ؛ فكان الحمل على التخصيص أولى؛ إدراجًا له تحت الأغلب.

واعترض على هذا الدليل بما يلي:

– إن التخصيص أقل من القليل في الشرع، وليس في التخصيص إعمال الدليلين في مدلوليهما؛ بل حمل أحدهما على الآخر، وفي النسخ إعمال للدليلين في تمام مدلوليهما في زمانين؛ فكان النسخ أولى من التخصيص.

ولعل سبب الخلاف في هذه المسألة يرجع إلى سببين:

الأول: قوة دلالة العامِّ والخاص؛ فالجمهور يعتبرون أن العام والخاص متفاوتان في الدلالة؛ فدلالة الخاص قطعية، ودلالة العامِّ ظنية، والنص الأقل في قوة الدلالة لا يعارض النص الأقوى في الدلالة؛ فلا يحصل بينهما تعارض من كل الوجوه؛ ولذلك يرون أن التخصيص، هو الحل الملائم للجمع بين العموم والخصوص.

وأما الحنفية: فيقولون بوقوع التعارض بين الخاص والعام بسبب التساوي بينهما في قوة الدلالة.

السبب الثاني: أن الحنفية يشترطون للتخصيص أن يكون بدليل مستقل مقترن؛ أما لو كان أحدهما متراخيًا؛ فإنه يكون ناسخًا، والجمهور لا يشترطون هذا الشرط؛ وإنما يحصل التخصيص بمجرد توارده مع العام على موضوع واحد؛ إذ أن التخصيص لديهم: إخراج بعض أفراد العام من العموم، وما ذهب إليه الجمهور من أن الكتاب يخصِّص عموم الكتاب مطلقًا -سواء علم الدليل المتقدم، أو لم يعلم، وسواء كان المتقدم هو العام أو الخاص- هو القول الراجح؛ وذلك لقوة أدلة الجمهور وثبوتها أمام الاعتراضات والمناقشات، وثانيًا: لكثرة وقوع التخصيص في كتاب الله -تبارك وتعالى- وثالثًا: لأن التخصيص أولى من النسخ؛ لما يترتب على النسخ من إهدار لحكم نص شرعي؛ ولكثرة القيود التي ينبغي توافرها؛ ليصار إلى القول بالنسخ.

يقول الإمام الزركشي -رحمه الله-: في قول جمهور الأمة خلافًا لبعض المتمسكين بأن المخصِّص بيان للمراد باللفظ؛ فيمتنع أن يكون بيانه إلَّا من السنة؛ لقوله تعالى: { لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ } [النحل: 44] ولنا أنه وقع؛ لأن الله تعالى قال: { وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ } [البقرة: 228]، وهي عامة في الحوامل وغيرهن؛ فخص أُولَات الحمل، بقوله تعالى: {وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } [الطلاق: 4].

وخص أيضًا المطلقة قبل الدخول، بقوله تعالى: { مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا} [الأحزاب: 49]، وما قالوه معارض بقوله: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: 89]، والجمع بين الآيتين أن البيان تحصل من الرسول صلى الله عليه وسلم؛ وذلك أعم من أن يكون منه، أو على لسانه.                

error: النص محمي !!