Top
Image Alt

تعريف الشرط

  /  تعريف الشرط

تعريف الشرط

الشرط في اللغة: العلامة، وهذا الكلام ليس بصحيح؛ ولذلك جاء في: (الصحاح)، وغيره من كتب اللغة: أن العلامة: هي معنى الشرط بالتحريك، وجمعه أشراط، ومنه أشراط الساعة، أي: علاماتها، أما الشرط بالتسكين؛ فجمعه شروط في الكثرة، وأشراط في القلة؛ كفلوس، وأفلس، وعلى ذلك؛ فالشرط في اللغة: هو ما يتوقف عليه الشيء، هذا تعريفه في اللغة.

أما تعريفه في الاصطلاح؛ فلم تتفق كلمة الأصوليين على تعريف واحد للشرط؛ وإنما تباينت وجهة نظرهم، الأمر الذي جعل البعض يعترض على تعريف البعض، ويظهر ذلك فيما يلي:

تعريفات للشرط:

التعريف الأول: أن الشرط: هو ما لا يوجد المشروط مع عدمه، ولا يلزم أن يوجد عند وجوده، وهذا التعريف لحجة الإسلام الإمام الغزالي -رحمه الله.

وهو يرى أن الشرط: هو الذي لا يوجد المشروط مع عدمه؛ أما إذا وجد الشرط، فلا يلزم من ذلك أن يوجد المشروط، وهذا ينطبق مثلًا على الوضوء بالنسبة للصلاة؛ فالوضوء شرط في الصلاة، فإذا انعدم الوضوء؛ انعدمت صحة الصلاة، لكن إذا وجد الوضوء، لا يلزم من ذلك وجود الصلاة، ولا صحتها ولا عدم صحتها؛ لأن الإنسان قد يتوضأ ولا يصلي، وقد يتوضأ ويصلي، ومع ذلك صلاته تبطل بفوات شرط آخر، أو وجود مانع، أو كذا… إلى آخره.

وهذا التعريف قد اعترض عليه باعتراضين:

الاعتراض الأول: أن فيه تعريف الشرط بالمشروط؛ لأنه قال: ما لا يوجد المشروط مع عدمه، والمشروط مشتق من الشرط؛ فكان أخفى من الشرط، وتعريف الشيء بما هو أخفى منه، ممتنع؛ لأن من شروط التعريف: أن يكون التعريف بما هو أوضح وأظهر دلالة عند السامع، وبعبارة أخرى: إن هذا التعريف يستلزم الدور؛ لأن فيه تعريف الشرط بالمشروط وهو مشتق منه؛ فيتوقف تعريف المشروط على الشرط، ويتوقف تعريف الشرط على المشروط، وهذا هو الدور.

الاعتراض الثاني: أنه غير مطرد، وشرط التعريف أن يكون مطردًا منعكسًا، أي: أن يكون جامعًا مانعًا فهو غير مطرد؛ لأن جزء السبب كذلك؛ فإنه لا يوجد السبب بدونه، ولا يلزم أن يوجد عنده وليس بشرط.

وأجيب على الاعتراض الأول: بأن ذلك بمثابة قولنا: شرط الشيء: ما لا يوجد ذلك الشيء بدونه، وظاهر أن تصور حقيقة المشروط غير محتاج إليه في تعقل ذلك.

وأجيب عن الاعتراض الثاني: بأن جزء السبب قد يوجد المسبب بدونه إذا وجد سبب آخر.

التعريف الثاني: أن الشرط: هو الذي يقف عليه المؤثر في تأثيره لا في ذاته، وهذا التعريف للإمام الرازي -رحمه الله- في كتابه: (المحصول).

وقد اعترض عليه بأنه غير منعكس؛ لأن الحياة القديمة شرط في وجود علم الباري سبحانه وتعالى، ولا يتصور هنا تأثير ومؤثر.

التعريف الثالث: أن الشرط: هو ما يستلزم نفيه نفي عمل آخر لا على جهة السببية.

واعترض عليه بأن الفرق بين السبب والشرط يتوقف على فهم المعنى المميز بينهما؛ ففيه تعريف الشيء بمثله في الخفاء.

التعريف الرابع: أن الشرط: هو وصف ظاهر منضبط يلزم من عدمه عدم الحكم، ولا يلزم من وجوده وجود الحكم ولا عدمه.

ومعلوم أن الشرط وجزء العلة، كلاهما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم؛ وعليه فهما يلتبسان، أي: أن الشرط وجزء العلة يلتبسان ويقع القارئ في حيرة؛ ولذلك يجب التفريق بينهما بأن جزء العلة مناسب في ذاته، والشرط مناسب في غيره؛ كجزء النصاب؛ فإنه مشتمل على بعض الغنى في ذاته، ودوران الحول ليس فيه شرط من الغنى؛ وإنما هو مكمل للغنى الكائن في النصاب.

ومن أمثلة جزء العلة: القتل، العمد، العدوان؛ فهذه الثلاثة سبب القصاص وكل واحد منها -أي: القتل بمفرده، أو العمد بمفرده، أو العدوان بمفرده- جزء علة؛ لأن بعضها لم نجده استقل بوجوب القصاص، أي: أن بعض هذه العلة، وهو أن القتل فقط لم يستقل بوجوب القصاص؛ لأنه قد يكون قتل خطأ، وأيضًا العمد فقط لم يستقل بوجوب القصاص؛ لأنه قد يكون قتل عمد بحق؛ كالقصاص، وكقتل المرتد، وغيره؛ وكذلك العدوان فقط ليس موجبًا للقصاص؛ لأن العدوان قد يكون بغير القتل، وهكذا.

التعريف الرابع: أن الشرط: هو وصف ظاهر منضبط يلزم من عدمه عدم الحكم، ولا يلزم من وجوده وجود الحكم ولا عدمه، فقوله: “وصف”، مراد به: المعنى، وهو ما قابل الذات، وقوله: “ظاهر”، معناه معلوم، ويقابل الخفي، وقوله: “منضبط”، أي: محدد؛ فلا يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، وقوله: “يلزم من عدمه عدم الحكم”، أيضًا يخرج به السبب والمانع؛ وذلك لأن السبب يلزم من وجوده الوجود، والمانع يلزم من وجوده عدم الحكم، أو عدم السبب، ولا يلزم من عدمه وجود غيره أو عدمه.

وعلى ذلك؛ فهذا ما عرفه به الإمام القرافي، بقوله: “أن الشرط: ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته”، فكما قلنا: أنه احترز بالقيد الأول من المانع؛ فإنه لا يلزم من عدمه شيء، واحترز بالقيد الثاني من السبب؛ فإنه يلزم من وجوده الوجود، واحترز بالقيد الثالث من مقارنة الشرط وجود السبب؛ فيلزم الوجود، أو وجود المانع؛ فيلزم العدم؛ ولكن ليس ذلك لذاته بل لوجود السبب والمانع.

قال ابن القشيري: والشرط لا يتخصص بالوجود؛ بل يجوز أن يكون عدمًا؛ لأنه كما نشترط في قيام السواد محله وجود محله، يشترط عدم ضده، ويشترط عدم القدرة على استعمال الماء في صحة التيمم؛ إذًا لا يصح التيمم إلَّا إذا كان هناك عدم قدرة على استعمال الماء، سواء كان ذلك بوجود جرح، أو لعدم وجود الماء.

وعلى هذا فللشرط ثلاثة إطلاقات:      

الأول: ما يذكر في الأصول هنا مقابلًا للسبب، والمانع وما يذكر في قول المتكلمين شرط العلم الحياة، وقول الفقهاء: شرط الصلاة الطهارة، وشرط صحة البيع التراضي، هذا هو الإطلاق الأول.

أما الإطلاق الثاني: فهو إطلاق لغوي، والمراد به: صيغ التعليق بكلمة “إن”، ونحوها، وهو ما يذكر في أصول الفقه من المخصِّصات للعموم، نحو: قوله تعالى: { وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } [الطلاق: 6].

الإطلاق الثالث: جعل الشيء قيدًا في شيء؛ كشراء الدابة بشرط كونها حاملًا.

إذا علم ذلك؛ فهل للشرط دلالة في جانب الإثبات، إذا قلنا أن الشرط يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته؛ فهل له دلالة في جانب الإثبات؟.

وقع في باب القياس من كتاب: (البرهان)، لإمام الحرمين الجويني: أن للشرط دلالتين:

إحداهما: مصرح بها، وهي إثبات المشروط عند ثبوت الشرط.

والأخرى: ضمنية، وهي الانتفاء.

والذي ذكره غيره من الأصوليين: أن الشرط لا دلالة له في جانب الإثبات بحال من الأحوال؛ وإنما يدل في جانب الانتفاء خاصة، ولو صح ما قاله؛ لم يظهر فرق بين العلة والشرط.

وأما تمسك الإمام -أي: إمام الحرمين- بقول القائل: إن جئتني أكرمتك؛ فنحن لا ننكر أنه إذا جاء استحق الإكرام؛ ولكن هل ذلك لوجود الشرط، أو لأجل الإكرام الموقوف على المجيء؛ الذي هو الشرط، وكذلك لو قال: إن دخلت الدار فأنت طالق؛ فإنها إذا دخلت الدار تطلق، لا لاقتضاء الشرط ذلك؛ بل للالتزام والإيقاع من جهة المطلق.

هذا بالنظر إلى وضع اللغة؛ وأما بالنظر إلى الفقه؛ فدخول الدار ليس هو سبب الطلاق؛ إذ لا يناسب ذلك؛ وإنما السبب تطليق الزوج الموقوف على الدخول، وقد طول الأبياري معه الكلام في ذلك ورده عليه أبو العباس بن المنير، في قوله: قال الإمام: إن الشرط يدل في جانب الإثبات صريحًا، وفي جانب النفي ضمنًا، وما حمله على ذلك إلَّا رؤيته العلل تستعمل بصيغة الشرط كثيرًا، أي: أنه يريد أن يقول: أن الشروط اللغوية بمثابة الأسباب الشرعية، أي: أن الشرط اللغوي، كالسبب الشرعي؛ فاعتقد الشرط اللغوي علة، قال: وهو عندي أعذر ممن رد عليه؛ فإن الذي رد عليه زعم أن قول القائل: إن دخلت الدار فأنت طالق؛ شرط حقيقة، قال: والعلة الموجبة لوقوع الطلاق، إنما هي إيقاع الزوج عند الشرط؛ وإلَّا فالدخول ليس علة للطلاق شرعًا.

وهذا الرد وهم من جهة أن الدخول، وإن كان ليس علة للطلاق شرعًا ابتداءً؛ لكنه يجوز أن يكون علة له بوضع المطلق وغرضه؛ لأنه قد فوض الشرع إليه في إيقاع الطلاق بلا سبب؛ فيلزم أن يفوض إليه في وضع الأشياء أسبابًا؛ ولهذا لا يعلق الطلاق غالبًا إلَّا على وصف مشتمل على حكمة عنده، مثل أن تكون تلك الدار عورة، أو فيها ما ينافي غرضه؛ فإذا ارتكبت الزوجة ذلك ناسب الفراق في غرضه وقصده، وكما أن الطلاق غير مشروط شرعًا بدخول الدار، وقد صار عند هذا القائل مشروطًا بوضع المعلق؛ فلا مانع من أن يكون غير معلل شرعًا، ويصير معللًا بوضع المطلق فعلًا يقتضيه.   ولهذا لو قال: أنت طالق أنْ دخلت الدار -بفتح الهمزة- وقصد ذلك، وكان فصيحًا؛ طلقت في الحال، وكان الدخول علة للطلاق لا شرطًا فيه.

error: النص محمي !!