Top
Image Alt

شبهات حول عدالة الصحابة من القرآن، والرد عليها

  /  شبهات حول عدالة الصحابة من القرآن، والرد عليها

شبهات حول عدالة الصحابة من القرآن، والرد عليها

هناك مطاعن أو شبهات يثيرها بعض العلماء قديمًا وحديثًا من المعتزلة ومن الرافضة ومن غيرهم، ومن الكُتاب المُحْدَثين ومن المستشرقين، كلهم تجمعوا على إثارة بعض الشبهات حول عدالة الصحابة رضي الله عنهم، وحاولوا أن يستدلوا بأدلة على ذلك، كأنهم يريدون أن يقولوا: نحن لم نطعن في هذه العدالة من عند أنفسنا، وإنما بناء على أدلة جاءت في القرآن الكريم وفي السنة المطهرة.

ومما أثاروه في هذا استدلالهم بقوله تعالى: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيم} [التوبة: 101]. وأيضًا: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا} [الجمعة: 11]. وأيضًا استدلوا ببعض الأحاديث التي فيها عتاب على بعض الصحابة، أو ما شاكل ذلك.

وحاولوا أن يستدلوا بها على ما زعموه من أن الصحبة لا تعني العدالة، كما يقول أهل السنة والجماعة، وإنما فيهم من لابس النفاق.

ونرد على استدلالهم بهذه الآيات أولًا، ثم نرد على الأحاديث التي أثاروها. أولًا: من هذه الآيات قول الله تبارك وتعالى: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيم} [التوبة: 101].

والرد: أن النفاق قسمان؛ قسم عقدي يخرج صاحبه عن الملة، وهو أنه يظهر الإسلام ويبطن الكفر، وهناك نفاق عملي، أي: يتخلق صاحبه بشيء من صفات المنافقين، التي وردت عنهم في القرآن والسنة. مثل أن يكسل عن الصلاة: {وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلا} [النساء: 142]. {يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ}  [التوبة: 67]. {نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ}. ومثل ما ورد في الأحاديث: ((آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان)). وأيضًا حديث: ((أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا…)) إلى آخر الأحاديث التي وردت في علامات النفاق.

إن كان النفاق عقديًّا فهذا المنافق العقدي لا يعد أبدًا من الصحابة، ولو تذكرنا الشروط الثلاثة التي لا بد منها لتثبت الصحبة، وذكرنا أناسًا ارتدوا بعد أن آمنوا، وليسوا من الصحابة بإجماع الأمة، وذكرنا مثالًا على ذلك: عبيد الله بن جحش الذي كان زوجًا لأم حبيبة رضي الله عنها وهاجر معها إلى الحبشة، وتنصر هناك ومات على نصرانيته -والعياذ بالله- فهذا ليس من الصحابة بإجماع.

إذًا الشخص الذي نافق وخرج عن الإيمان هذا ليس من الصحابة، وكونه كان من الصحابة لا تلزمنا بأنه منهم، فقد توفر فيه شرطان ونُقض شرط، فبطلت الصحبة من أساسها، رأى النبي صلى الله عليه وسلم وآمن به في أول الوقت، ثم مات على النفاق -والعياذ بالله- الذي هو مخرج من الملة.

فمن كان من جيل الصحابة ونافق، فهذا لا يعد من الصحابة، فقد خرج منهم وانتهى أمره.

وهذا موجود في كل من يخرج على قواعد المجتمع، وينقلب عليه، فبالتالي لا يعد من هذا المجتمع، ولا يعد من أفراده، ويعاقب على هذا حتى بالقوانين الوضعية الموجودة لدى الأمم الآن.

على أنني أقول: إن الذين خرجوا عن إجماع الأمة وكانوا منافقين والعياذ بالله تبارك وتعالى، لم يبلغ أحدهم موقفًا يكون له فيه شأن، بالإضافة إلى أن عددهم قليل بالنسبة للأمة.

يقول الصحابي الجليل حذيفة بن اليمان رضي الله عنه وهذا الحديث رواه الإمام مسلم في كتاب “صفات المنافقين وأحكامهم”، باب: صفات المنافقين؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((في أمتي)) وفي رواية ((في أصحابي اثنا عشر منافقًا، فيهم ثمانية لا يدخلون الجنة ولا يجدون ريحها حتى يلج الجمل في سم الخياط…)) إلى آخر الحديث.

وقد يشتبه على بعض المجادلين كلمة ((في أصحابي))، أي: كيف يقول: ((في أصحابي))؟

والجواب: أن هذا وارد في اللغة، أي: كان رجل من أصحابي وارتد وفعل كذا، فهذا موجود في اللغة باتساع، ومع ذلك الصحبة هنا لا تعني الصحبة الاصطلاحية التي استقر عليها علماء الأمة، كيف ذلك والقرآن الكريم نفسه خاطب الكفار فقال: {وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُون} [التكوير: 22]، فالله هنا يخاطب الذين يجادلون في أمر النبوة، ويتهمون النبي صلى الله عليه وسلم.

وفي مطلع سورة النجم: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى} [النجم: 1-3].

يقول المفسرون: إن التعبير بلفظ الصحبة هنا في قمة البلاغة، لم يقل مثلًا: “وما محمد بمجنون”، ولم يقل: وما ينطق محمد عن الهوى، إنما استعمل لفظ الصحبة التي تعني أنهم صحبوه ولازموه، وعرفوه وخبروه ودرسوه، وأنه لا يوجد شيء فيه ممن اتهموه به، كانوا يقولون عنه: إنه ساحر كذاب، وهم يعلمون أنهم كاذبون في هذا الاتهام، فآثر القرآن الكريم استعمال لفظ الصحبة، الذي يقيم عليهم به الحجة، في أنكم عرفتموه ولزمتموه وصاحبتموه على تفاوت بينكم في قدر الصحبة، يقصد الكفار.

وحتى في جاهليتهم كانوا يجمعون على وصفه بالصادق الأمين، إلى آخر ما نعرفه من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم.

والشاهد في هذا الكلام أن القرآن الكريم عبر بالصحبة، والمقصود هنا هو الصحبة اللغوية، التي تعني الملازمة والمصاحبة، ولا تعني المعنى الاصطلاحي بأن هذا الرجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، والذي ثبتت له العدالة بنص القرآن الكريم ونص السنة المطهرة على الوجه الذي بيّناه.

ولذلك حكم النبي صلى الله عليه وسلم على ثمانية منهم أنهم لا يدخلون الجنة، ولا يجدون ريحها حتى يلج الجمل في سم الخياط، وهذا من المستحيلات العقلية، ليس بالنسبة لقدرة الله تبارك وتعالى.

إذًا الآية لا تدل أبدًا على ما ذهبوا إليه من أن بعض الصحابة قد نافقوا؛ لأنه لم يثبت على صحبته.

أيضًا في آية الجمعة: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ} [الجمعة: 11].

قد ورد في الروايات أن هذه القصة وقعت لما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يصلي الجمعة قبل الخطبة مثل العيدين، فحضروا معه الصلاة وتركوا الخطبة، فتصوروا أن المهم هو حضور الصلاة، والخطبة ليست ضرورية، وفي بعض الروايات أنه صلى الله عليه وسلم قدَّم الخطبة يوم الجمعة وأخر الصلاة، وأيًّا كان، فالمعنى: أنه صلى بهم أولًا ثم خطب فلم يحضروا الخطبة؛ لأنهم فهموا أن الأمر فيه سعة، فلما نزل النهي عن ذلك انتهى الأمر، والتزموا، فكان هذا في أول الإسلام.

وهذا الفهم قاله ابن حجر، يقول: “ترجيح كون الانفضاض وقع في الخطبة لا في الصلاة هو اللائق بالصحابة؛ تحسينًا للظن بهم، وعلى تقدير أن يكون في الصلاة -وهو حَمْل بعيد- حُمِل على أن ذلك قبل وقوع النهي عن هذا وعن غيره، كآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُم} [محمد: 33]”.

وهذا له نظائر، إذ كانت تكثر منهم الحركات في الصلاة قبل النهي عن ذلك، فلما نزل قول الله تبارك وتعالى: {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُون} [المؤمنون: 2] مدحًا للمؤمنين أقلعوا عن ذلك.

إذًا هم كانوا يفعلون الشيء حين يظنون جوازه، فإذا ورد النهي أقلعوا عنه تمامًا بلا تردد وبلا تأخير.

وهناك أمثلة كثيرة جدًّا في سرعة استجابة الصحابة للأوامر الإلهية والانتهاء عن النواهي الإلهية.

فالصحابة حين كانوا يفعلون شيئًا مخالفًا للشرع، إنما ذلك كان قبل أن يقوم الدليل على مخالفته، فكانوا يشربون الخمر مثلًا؛ لأنه لم يرد نهي فيها أو نزل دليل بتحريمها، ثم لما نزل التحريم انتهوا في نفس اللحظة بدون تردد.

والحديث عند البخاري ومسلم: كان أنس بن مالك يسقي أبا طلحة ورجالًا معه، ولما نادى منادٍ في المدينة: أن نزل تحريم الخمر -الإشارة إلى قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون} [المائدة: 90] إلى آخر الآيات.

تقول بعض الروايات: جرت الخمر في شوارع المدينة أنهارًا، فسارعوا بالتنفيذ بدون تردد، حتى لم يقل أحد منهم: أخرج إلى الشارع أنظر الخبر مثلًا، أو من الذي يحدث بهذا الكلام، كل ذلك لم يحدث، فبدون تردد أو إبطاء أقلعوا عن الخمر، إنما كانوا يشربونها؛ لأنها لم تكن قد حرمت، فهل يلومهم أحد على شربها وقت أن لم تحرم ويقول مثلًا: كانوا يشربون الخمر.

ونفس القضية في قوله تعالى: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا} [الجمعة: 11]، ولها نظائر كثيرة.

ولذلك لما نزل تحريم الخمر هناك من الصحابة من مات قبل تحريمها، وربما مات أحدهم والخمر في بطنه فماذا كان شأنه؟

نزل قول الله تبارك وتعالى: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ إِذَا مَا اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِين} [المائدة: 93].

فكان ذلك براءة من الله -تبارك وتعالى- لأناس شربوا الخمر قبل تحريمها، سواء كانوا أحياء أو ماتوا قبل ذلك.

والأدلة تملأ كتب السنة، والذي يأتي بدليل يبين أن الصحابة فعلوا شيئًا بعد النهي عنه، عليه أن يبحث عن هذا الدليل، ولن يجده أبدًا، بل كانوا يسارعون كما قلت بدون تردد.

أيضًا يحاول الذين يتجرءون على الصحابة لإسقاط عدالتهم بأن يستدلوا مثلًا بقول الله تبارك وتعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ}  [آل عمران: 155].

ونحن في تعريفنا لمعنى الصحبة ولمعنى العدالة لم نقل أبدًا: إنهم قديسون معصومون لا يخطئون، وألححنا على إثبات هذا المعنى ووضحناه جليًّا.

حدث خطأ من الرماة في غزوة أحد، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان قد أوقف خمسين من الرماة على رأسهم عبد الله بن جبير رضي الله عنهم وطلب منهم ألا يغادروا هذا المكان أبدًا مهما كان وضع المسلمين على أرض المعركة، وكانت الغلبة في أول الأمر للمسلمين، وظن الصحابة الأخيار رضي الله عنهم أن المعركة قد انتهت فنزلوا من على الجبل، فكشف ظهر المسلمين وتحول الأمر انكسارًا للمسلمين، بعد أن كان الأمر في أول المعركة نصرًا لهم.

هذا موقف يعاتب عليه الرماة، لكن يشهد الله أنهم لم يقصدوا مخالفة أمر النبي صلى الله عليه وسلم ولم يرتكبوا خيانة عسكرية كما يقال في لغتنا المعاصرة، إنما استزلهم الشيطان، أي: سول لهم أن المعركة قد انتهت، فنزلوا وذكرهم قائدهم بذلك، ولكن البعض أصر على النزول، وبقي قائد الجماعة مع طائفة منهم.

والروايات تقول أنه قتل ومعه عشرة من الذين كانوا يحمون ظهر المسلمين على الجبل، هذا خطأ، لكن ألا تلاحظون، أتقرءون بعض الآية وتتركون بعضها؟! ماذا نقول عن الذي يفعل ذلك: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا اللّهُ عَنْهُمْ} [آل عمران: 155] تجاوز الله عنهم وعن خطئهم.

الله يعلم أن سجلهم ناصع وتاريخهم مشرف، وأن هذه السقطة وهذا الخطأ يغتفر لهم في سعة ما قدموا للإسلام، فعاملهم بالعفو، والله غفور، أيعفو الله عنهم ويحاسبهم البعض ويسقطون العدالة عنهم؟!.

وهذا من الأمثلة التي نضربها للصحابة في أخطائهم، إنما هو خطأ بناء على اجتهاد، ظنوا أن المعركة انتهت، لو كان الأمر خيانة -كما قد يتصور البعض- أكان النبي صلى الله عليه وسلم يعفو عنهم، ألم يكن يحاسبهم، والله الذي يطلع ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ما كان يتجاوز عنهم وهم يخونون إسلامهم، ويتركون مكانهم لينال الأعداء منهم؟ هذا أمر لا يتصور أبدًا، ومن قاله عليه أن يحرص على دينه، نحن ليس بأيدينا أن نخرج أحدًا من الملة، أو ندخله، بل نسأل الله عز وجل الثبات على ديننا حتى نلقاه ونحن على ذلك.

لكن الذي يتصور هذا التصور عليه أن يراجع فعلًا دينه؛ لأنه خالف الثوابت في دين الإسلام، فهل يترك الله عز وجل قومًا خانوا نبيهم وخانوا دينهم.

 إذًا نحن لم ندافع عن الخطأ، ولم نقل: إن الصحابة معصومون، لكن هل هذا يسقط العدالة عنهم؟ هل هذا يسقط أنهم ثقات عدول صادقون مأمونون في كل ما أخبروا به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!

وفي حوار سيدنا يوسف مع رفاقه في السجن قال كما قص القرآن: {يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّار} [يوسف: 39] وهم لم يكونوا من أهل الإيمان، ومع ذلك خاطبهم بالصحبة، التي تعني أنهم لازموه وعايشوه في السجن، فصار يطلق عليهم أنهم من أصحابه في السجن.

أيضًا يقولون استدلالًا بهذه الآية: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِين} [التوبة: 25].

قال القائلون: الفرار من الزحف من أكبر الكبائر.

نقول: نعم، ولم يقل أحد بغير ذلك أبدًا، لكن ما هي قصة يوم حنين؟ تقول الروايات: كانت هذه الغزوة في سنة 8 في شوال بعد فتح مكة، وفرح المسلمون بكثرتهم، إذ تجمع لديهم اثنا عشر ألفًا، وهذا العدد لم يتجمع لديهم من قبل ففرحوا وقالوا: “لن نغلب اليوم عن قلة”، كما ورد في الروايات.

ونحن لا ننصر بالعدد ولا بالعدة، فكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، والنصر من عند الله، وقد اختل المنهج في ذهن بعض الصحابة، فتصوروا أننا اليوم في كثرة فلن نغلب، حتى دخلوا على المعركة، وهم على غير استعداد كامل، لم يأخذوا بأسباب الدفاع والوقاية، فكانت النتيجة أن هوازن- وكانوا رماة، كما تقول الروايات في الصحيحين- رشقتهم بالنبال فانكسر القوم في أول المعركة.

ولم يكن فرارًا بالمعنى الذي هو ترك المعركة، إنما كان انكسارًا نتيجة اضطراب الصفوف، يعني: لم يقصد أحدهم أبدًا أن يترك المعركة ويولي مدبرًا، والدليل على ذلك ورود الذم في شأن من يفعل ذلك كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَار * وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ}  [الأنفال: 15، 16].

إلا إذا كان هذا الإدبار لمصلحة عسكرية، كأن ينضم إلى فئة، أو يكون ذلك لخطة عسكرية تقتضي هذا ، أو ما شاكل ذلك، فلا بأس.

والصحابة يوم حنين حدث لهم انكسار؛ لعدم أخذهم بالأسباب الصحيحة، وكانت النتيجة أن انطبق منهج الله عليهم؛ ليعوا الدرس ويستوعبوه، ولما تنبهوا إلى خطئهم ونزل النبي صلى الله عليه وسلم من على ناقته وقال: ((أنا النبي لا كذب، أنا ابنُ عبد المطلب))، كما في الروايات الصحيحة في البخاري ومسلم في قصة حنين، قال: ((يا عباس، ناد على أصحاب السمرة)) السمرة: أي الشجرة التي بايع المسلمون تحتها في الحديبية، واختارها -يعني: اختار هذه بالذات- لأنهم يومها بايعوا على القتال حتى الموت، كأنه يقول لهم: ما الذي دهاكم اليوم؟! أنتم بايعتموني على القتال، وامتدح الله هذه البيعة وسجلها بالرضا للذين قاموا بها: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ}  [الفتح: 18].

وفي الحديث الصحيح عند الإمام أحمد: ((لن يلج النارَ أحدٌ شهد بدرًا والحديبية)). فنادى العباس: يا أصحاب السمرة، وكان العباس جهوري الصوت رضي الله عنه، يقول: فانعطفوا انعطاف البقرة على ولدها، يعني: لبُّوا النداء مسرعين كالبقرة التي تركت ولدها، وجاءت مسرعة تأتي إليه لتلحق به، أو لكي يلتقم ضرعها.

إذًا هؤلاء ليسوا فُرَّارًا إنما هم كُرَّار، انكسروا في أول المعركة، ثم عادوا مستبسلين، ولذلك لما سجل الله عليهم ذلك استحقوا العون من الله في آخر الأمر: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِين * ثُمَّ أَنَزلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا} [التوبة: 25، 26].

أي: أنزل الله سكينته على المؤمنين.

فقد سماهم مؤمنين، فهل يعقل أن يسمهم مؤمنين وهم فارون من ميدان القتال إلى غير رجعة؟!

وهل يؤيدهم الله بجند من عنده وهم فرار وليسوا كرارًا؟

هل هذا يتصوره عاقل؟!

فلا يجوز أن نقرأ بعض الآية ونهمل بعضها الآخر، ويكون شأننا كمن قال الله تعالى في حقهم: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ} [البقرة: 85].

إن الآيات التي ذكروها تحمل في طياتها الدليل على طهارة جناب الصحابة، وعلى سلامة موقفهم، نعم قد حدثت أخطاء، ولا بد للبشر أن يخطئوا، لكن الدافع إلى هذا الخطأ لم يكن خيانة، ولم يكن تراجعًا ولم يكن إدبارًا، لا في قصة الرماة الذين تركوا موقعهم، ولا في غزوة حنين.

بل ونحن ندرس هذا الأمر لا بد أن نستفيد منه الدروس الدعوية والتربوية ومنها:

أن المسلمين لا ينبغي أن يفهموا أنهم بمقتضى إسلامهم قد تميزوا عن الخلق، وأن على الله تعالى أن ينصرهم لمجرد أنهم مسلمون.

أبدًا، بل لله تعالى سنن في كونه، تنطبق عليهم كما تنطبق على غيرهم، فالله تعالى يأتي بالنصر منحة من عنده.

فعلينا أن نأخذ بالأسباب، ونعلم أنه مهما بلغت أسبابنا فالنصر من عند الله.

إذا تصوروا أن العدد يجلب النصر، واختل المنهج في ذهنهم، احتاجوا إلى تنبيه وإلى درس يعيدهم إلى جادة الصواب، مهما كان شأنهم ومهما كان وضعهم.

وقد كان هذا حال المسلمين، الذين لم يشفع لهم وجود رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو خير الخلق بين أظهرهم حين لم يلتزموا بقواعد المنهج.

لكن عدم التزامهم هذا لم يخرجهم عن الصدق وعن الطهارة وعن العدالة، وعن المنزلة السامقة العالية التي تبوأها سجلهم المشرق.

فالمسلمون يجب أن يكونوا أسرع الخلق إلى فهم سنن الله في الكون، وإلى تطبيقها على أنفسهم قبل أن يطلبوها من الآخرين، فنحن عبيد من عباد الله، ينطبق علينا منهج الله كما ينطبق على غيرنا، ومنزلتنا عند ربنا هي بتقوانا له وبصلاحنا، وبتطبيقنا لمنهجه المأخوذ من القرآن الكريم ومن السنة المطهرة، لا ينبغي أن نتيه فخرًا لمجرد الإسلام، ولا أن نمن على الله بإسلامنا والعياذ بالله، إنما نحمد الله على نعمة الإسلام، وعلينا أن نلتزم بعد ذلك بكل قواعده وبكل مناهجه.

فالصحابة لما حدث خلل، نحن نقر بالخطأ، لكنه لم يكن خيانة ولم يكن تقصيرًا، إنما كان من تلبس الشيطان، أو خالفوا قواعد المنهج، ونسوا سنن الله في كونه، فاحتاجوا إلى درس يعيدهم إلى جادة الصواب، ولما انتهى الدرس رجعوا إلى ما كانوا عليه وبسرعة شديدة، ولم ينطبق عليهم لا الفرار ولا الخيانة.

error: النص محمي !!